ليست أخطر القيود على حرية الرأي تلك التي تفرضها السلطة بالقانون أو المنع أو الرقابة؛ فهذه، مهما اشتدّت، تظلّ قيودًا ظاهرة يمكن مقاومتها وفضحها.
الأخطر منها تلك التي يصنعها الإنسان داخل عقله، حين يتحوّل الانتماء الإيديولوجي أو الحزبي من اختيار فكري قابل للنقد والمراجعة إلى ولاء مغلق لا يسمح لصاحبه بأن يرى في جماعته إلاّ الصواب، وفي خصومها إلاّ الخطأ.
عندها لا يعود السؤال: ماذا قيل؟ وهل هو صحيح؟
بل يصبح السؤال: من قاله؟ وإلى أيّ جهة ينتمي؟ ومن المستفيد منه؟
وهنا تبدأ مأساة الفكر.
فبدل أن يُناقش الرأي بالحجّة، يُحاكم صاحبه بالانتماء، وبدل تفكيك الفكرة ونقد مقدّماتها ونتائجها، يجري البحث عن "خلفيّاتها" و"أجنداتها" و"الجهة التي تقف وراءها".
وكلما عجز الخطاب عن مواجهة النقد بالحجّة، استدعى شبح المؤامرة ليعفي نفسه من عناء التفكير.
عقليّة المؤامرة مريحة جدًّا للعقل المغلق.
فهي تمنحه تفسيرًا جاهزًا لكلّ ما لا يوافقه: الناقد مأجور، والمخالف متآمر، والمختلف يبحث عن مصلحة خفيّة، ومن يطرح سؤالًا محرِجًا لا يريد الحقيقة وإنّما يريد خدمة خصوم الجماعة.
وبهذه الطريقة يتحوّل النقد من حقّ طبيعيّ إلى تهمة، ويصبح السؤال استفزازًا، والمراجعة خيانة، والاستقلاليّة خروجًا عن الصفّ.
المشكلة هنا ليست في وجود الأحزاب أو الإيديولوجيّات؛ فالاختلاف في التصوّرات والمشاريع والمواقف جزء طبيعي من الحياة العامة.
المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الانتماء إلى معيار للحقيقة، فيصبح ما يصدر عن "الجماعة" صحيحًا لمجرّد صدوره عنها، وما يأتي من خارجها مشبوهًا لمجرّد أنّه صادر عن خارجها.
والأخطر أنّ بعض الولاءات لا تكتفي بحماية أفكارها، بل تحاول حماية تاريخها أيضًا.
فإذا ظهرت واقعة تناقض الرواية المريحة، جرى تأويلها أو تبريرها أو تحميل المسؤوليّة للآخرين. وإذا أخطأت القيادة، بحث الأتباع عن الأعذار، وإذا فشلت التجربة، استُدعيت المؤامرة، وإذا انتقد أحدٌ المسار من داخله، وُضع سريعًا في خانة "الخارجين" أو "المندسّين".
وهكذا يتحوّل التنظيم من فضاء يفترض أن ينتج الأفكار إلى بيئة تعاقب التفكير المستقل.
إنّ حريّة الرأي لا تُختبر عندما نسمع رأيًا يشبه رأينا؛ بل عندما نواجه رأيًا يزعجنا، ويهزّ يقيننا، ويضع أمامنا أسئلة لا نملك لها إجابات جاهزة.
والفكر النقدي لا يعني التشهير بالآخر، ولا يعني رفض كلّ ما تقوله الجماعة، ولا يعني البحث المرضي عن الأخطاء. معناه ببساطة أن تكون الفكرة أكبر من صاحبها، والحقيقة أكبر من الجماعة، والضمير أكبر من التنظيم.
يمكن للإنسان أن ينتمي إلى حزب، وأن يحمل مشروعًا فكريًّا، وأن يدافع عن قضيّة يؤمن بها، دون أن يتنازل عن حقّه في أن يقول: أخطأنا.
ودون أن يخشى أن يسأل: لماذا؟
ودون أن يضطرّ كلّما انتقد موقفًا إلى تقديم شهادة ولاء قبل أن يُسمح له بالكلام.
إنّ الجماعة التي لا تحتمل النقد لا تحمي نفسها من خصومها؛ بل تحرم نفسها من أهمّ وسيلة لتصحيح أخطائها.
أمّا تحويل كلّ نقد إلى مؤامرة، فليس دفاعًا عن الحقيقة، وإنّما هروب من امتحانها.
ولذلك فإنّ المعركة الحقيقيّة ليست بين هذا الحزب وذاك، ولا بين هذه الإيديولوجيا وتلك؛ بل بين عقليّتين:
عقليّة تقول: ناقش فكرتي، فنحن نبحث عن الحقيقة.
وعقليّة تقول: أثبت أوّلًا أنّك معنا، ثمّ يحقّ لك أن تنتقدنا.
الأولى تصنع مواطنًا حرًّا.
والثانية تصنع تابعًا بارعًا في الدفاع عن شيء قد لا يعود يعرف لماذا يدافع عنه.
وفي النهاية، لا تُقاس حريّة الفكر بعدد الآراء التي نسمح لأنفسنا بسماعها، بل بقدرتنا على احتمال الرأي الذي قد يكون صحيحًا رغم أنّنا لا نحبّه.
فحين يصبح الولاء شرطًا للحقيقة، يموت النقد.
وحين يصبح النقد خيانة، يموت الحوار.
وحين تصبح المؤامرة جوابًا جاهزًا عن كلّ سؤال صعب، يتوقّف العقل عن البحث ويبدأ في تبرير نفسه.
***
بقلم:️ سليمان بن تملّيست
جربة في 2026/09/24
الجمهوريّة التونسيّة








