أفق جديد لجيل الغد العربي والعالمي
لم يعد الإبداع في عالمنا المعاصر مجرد تعبير عن الموهبة أو وسيلة لإثراء الحياة الثقافية، بل أصبح أحد الموارد التي يمكن أن تسهم في تنمية الاقتصاد، وتعزيز الهوية، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال. وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الاكتفاء بالاحتفاء بالمبدعين إلى بناء منظومات تحفظ نتاجهم، وتصون حقوقهم، وتتيح الاستفادة من أعمالهم بوسائل مشروعة ومستدامة.
ومن هذا المنطلق، تستحق تجربة IPNation الاهتمام؛ إذ تعرّف المنصة نفسها بأنها متخصصة في حقوق الموسيقى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتسعى إلى إدارة الإرث الموسيقي وتنميته من خلال وسائل حديثة، تشمل إتاحة الأعمال واستثمارها وتقديم تجارب رقمية جديدة. وتفتح هذه التجربة بابًا للتفكير في سؤال أوسع: كيف نستطيع تحويل رصيدنا الثقافي والإبداعي إلى قيمة اقتصادية ومعرفية، من دون التفريط بأصالته أو حقوق أصحابه؟
<Cite refs={["turn140752search2"]}/>
إن الاستثمار في الذات يبدأ من الإيمان بأن الموهبة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. فالكاتب والشاعر والفنان والرسام والنحّات والصحفي يمتلك كل منهم رصيدًا من المعرفة والخبرة والإنتاج، يمكن أن يمتد أثره إلى أجيال لاحقة إذا توافرت له الحماية القانونية والإدارة المهنية والوسائل المناسبة للوصول إلى الجمهور. ومن هنا، لا ينبغي أن تبقى الأعمال الإبداعية حبيسة الأرشيف أو التداول غير المنظم، بل يمكن إتاحتها واستثمارها وفق اتفاقات واضحة تحفظ حقوق أصحابها وتحقق منفعة متوازنة للمبدع والجهة المستثمرة والجمهور.
وقد أتاحت التقنيات الحديثة أشكالًا جديدة لإعادة تقديم الأعمال الفنية إلى الجمهور، ومن أمثلتها العروض التي تستخدم تقنية الهولوغرام لاستحضار صورة فنانين راحلين، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. وقد شهدت دبي أوبرا عروضًا من هذا النوع، فيما أُقيم عرض عبد الحليم حافظ عام 2021 بالتعاون مع جهات إنتاجية، وبعد الحصول على الموافقات والتصاريح اللازمة، وفق ما أورده المكتب الإعلامي لحكومة دبي. وتكشف هذه التجارب عن إمكانات تقنية وثقافية مهمة، لكنها تذكّرنا أيضًا بأن استخدام الصورة والصوت والتسجيلات والمصنفات الفنية يستلزم التحقق من الحقوق والحصول على الأذونات المطلوبة.
<Cite refs={["turn140752search3","turn140752search4"]}/>
وهنا تكمن أهمية الإدارة الواعية للحقوق؛ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها، لا تُغني عن احترام القانون والاتفاقات والحقوق المعنوية والمادية. كما أن نجاح أي مشروع من هذا النوع لا يُقاس بقدرته على جذب الجمهور وحده، بل بمدى وضوح الحقوق التي يستند إليها، وعدالة توزيع العوائد، وشفافية التعامل مع أصحاب المصالح.
ولا ينبغي أن يتوقف هذا التفكير عند الموسيقى والغناء. فالأدب العربي يزخر بأسماء تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الإنسانية، مثل نجيب محفوظ وغائب طعمة فرمان وعبد الرحمن منيف، فيما أسهم شعراء كبار، من بينهم محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، في إثراء اللغة والوجدان العربيين. وفي الفنون التشكيلية والنحت، تبرز أسماء مثل جواد سليم وفائق حسن وضياء العزاوي ومحمد غني حكمت، بوصفها نماذج من ثراء التجربة الفنية العربية والعراقية.
إن استحضار هذه الأسماء لا يعني افتراض أن جميع أعمالها متاحة للاستثمار، أو أن حقوقها تخضع لحكم قانوني واحد؛ فالوضع يختلف باختلاف المصنف وتاريخ نشره والبلد المعني والاتفاقات القائمة والحقوق السارية. وإنما المقصود هو الاستدلال على اتساع المجال الذي يمكن أن يستفيد من منظومة مهنية لحماية الإبداع وإدارته، بعد التحقق من الوضع القانوني لكل عمل والحصول على التراخيص اللازمة.
وينطبق الأمر كذلك على الصحفيين والباحثين وأصحاب التحقيقات والمقالات والبرامج والتسجيلات والأرشيفات الإعلامية. فهذه المواد تمثل جانبًا من الذاكرة العامة، وقد تكون لها قيمة ثقافية وتاريخية وتعليمية. غير أن إعادة نشرها أو تحويلها إلى منتجات رقمية أو تجارية ينبغي أن تراعي حقوق أصحابها وشروط النشر الأصلية والاتفاقات المبرمة والقوانين ذات الصلة. كما يجب التمييز بين الوقائع والمعلومات المجردة وبين الصياغة الصحفية الأصلية التي قد تتمتع بالحماية القانونية.
وتقدم التشريعات الخاصة بحقوق المؤلف والملكية الفكرية أساسًا مهمًا لصون هذه الحقوق. ومن الأمثلة على ذلك المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2021 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في دولة الإمارات العربية المتحدة. غير أن الإشارة إلى هذا التشريع تظل مثالًا على تجربة قانونية محددة، ولا تعني انطباق أحكامه تلقائيًا على جميع الدول العربية؛ إذ يجب الرجوع إلى القانون المختص في كل حالة.
<Cite refs={["turn140752search1","turn140752search36"]}/>
لكن وجود التشريع وحده لا يكفي؛ إذ تبرز الحاجة إلى نشر الوعي القانوني، وتسهيل توثيق الحقوق وإثباتها حيثما ينطبق ذلك، وتطوير آليات الترخيص والتعاقد وتسوية النزاعات، بما يضمن ألا يتحول الاستثمار في الإبداع إلى باب للاستغلال أو الخلاف.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في استنساخ تجربة بعينها، بل في الاستفادة من المبادرات القائمة لتطوير نموذج عربي متدرج، يجمع بين حماية الحقوق والاستثمار المسؤول وإتاحة المعرفة وتشجيع المواهب الشابة. فالثقافة ليست عبئًا على الاقتصاد، كما أن الاقتصاد لا ينبغي أن يكون على حساب الثقافة؛ بل يمكن لكل منهما أن يعزز الآخر عندما تُدار العلاقة بينهما على أساس من الشفافية والعدالة واحترام القانون.
مقترح عملي: نحو منظومة عربية لحماية الإبداع واستثماره
أقترح دراسة إنشاء منظومة رقمية عربية تُعنى بتوثيق المصنفات الإبداعية وإدارة حقوقها، بالتعاون مع الجهات الثقافية والقانونية المختصة، على أن تبدأ بمشروع تجريبي محدود، لا بادعاء امتلاك حقوق الأعمال أو التصرف بها تلقائيًا. ويمكن أن تشمل المنظومة الكتب والقصائد والأعمال الفنية والمقالات والتحقيقات والتسجيلات الموسيقية والأرشيفات الإعلامية، وفق طبيعة كل مصنف والقواعد المنظمة له.
وتقوم الفكرة على التحقق من أصحاب الحقوق أو ممثليهم المخوّلين، وتوثيق الموافقات والتراخيص، وتوضيح شروط الاستخدام ومدته ونطاقه، وتحديد آلية شفافة لتوزيع العوائد، مع توفير إرشادات قانونية للمبدعين وأصحاب الحقوق. أما اختيار الأعمال التي تدخل المشروع، فينبغي أن يتم بعد مراجعة حقوق كل عمل على حدة، لا لمجرد شهرة صاحبه أو قيمته الثقافية.
ويمكن قياس نجاح المرحلة التجريبية بعدد المصنفات التي جرى التحقق من حقوقها، والتراخيص التي أُبرمت بصورة مشروعة، والعوائد التي وصلت إلى مستحقيها، ومدى استفادة المبدعين والشباب من الفرص المتاحة. وبعد تقييم النتائج، يمكن توسيع التجربة تدريجيًا وفق الإمكانات والاحتياجات المحلية، وبما يتوافق مع التشريعات المعمول بها في الدول المشاركة.
إن حماية الإبداع ليست إجراءً إداريًا فحسب، بل مسؤولية ثقافية واقتصادية وأخلاقية؛ فهي تحفظ ذاكرة المجتمعات، وتصون جهود المبدعين، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعلم والابتكار والعمل. ومن واجبنا أن ننتقل من تقدير الموهبة بالكلمات إلى بناء بيئة تحترمها وتحميها، وتتيح لها أن تنتج قيمة مستدامة.
فحين نمنح الإبداع حقه، لا نحفظ الماضي وحده، بل نفتح أمام المستقبل أبوابًا أوسع للمعرفة والعمل والكرامة الإنسانية.
***
بقلم: صبيح الكعبي
............................
المصادر والمراجع
1. الموقع الرسمي لمنصة IPNation، للتعريف بطبيعة عملها ومجال حقوق الموسيقى:
2. وزارة الاقتصاد في دولة الإمارات العربية المتحدة، التشريعات المتعلقة بالملكية الفكرية:
https://www.moec.gov.ae/en/intellectual-property-legislations
3. التشريعات الإماراتية، المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2021 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة:
https://uaelegislation.gov.ae/en/legislations/1534/download
4. صحيفة The National، تقرير عن عرض أم كلثوم بتقنية الهولوغرام ومشاركة أسرتها في المشروع:
5. المكتب الإعلامي لحكومة دبي، إعلان عرض عبد الحليم حافظ بتقنية الهولوغرام في دبي أوبرا، 2021:








