الفنون ليست زينة نعلقها على جدران الروح بعد أن نفرغ من شؤون العيش؛ الفن ضرورة خفية من ضرورات التكوين الإنساني، ووسيلة مهمه لتهذيب علاقتنا بالعالم، وترويض ما في أعماقنا من قسوة،
فالإنسان الذي تربى على شيء من الفن الحقيقي، وتعلم كيف ينصت إلى الموسيقى، ويتأمل لوحة، ويصغي إلى قصيدة، ويتذوق جمال الكلمات والأصوات والألوان، يكتسب في الغالب حساسية مختلفة تجاه الوجود.
لا يعني ذلك أنه يصبح ملاكا منزها عن الخطأ، ولا أن الفن يمنح صاحبه حصانة أخلاقية مطلقة، لكنه يفتح في داخله نوافذ جديدة لرؤية الآخر، ويعلمه أن وراء كل وجه حكاية، ووراء كل صمت ألما، وأن البشر ليسوا مجرد صور عابرة في مسرح الحياة، بل عوالم كاملة من المشاعر والهشاشة والأحلام.
الإنسان الذي تربى على شيء من الفن الحقيقي، وتشربت روحه الموسيقى الجميلة، وتعلم من الأدب كيف ينفذ إلى أعماق النفس البشرية، ومن المسرح كيف يرى تناقضات الإنسان، ومن السينما كيف يتأمل مصائر البشر، يصعب أن يظل أسير الكراهية دون أن يجد في داخله ما يقاومها.
إن الإرهاب لا يولد من فراغ، والكراهية لا تنمو في العقول وحدها، بل تتغذى أيضا على خيال عاجز عن تصور الآخر، ووجدان لم يتعلم الإصغاء، ووعي اختزل البشر في هويات متصارعة. وهنا تحديدا تتجلى إحدى أهم وظائف الفن: أن يعيد إلى الآخر وجهه الإنساني، بعد أن نزعت عنه الأيديولوجيا ملامحه وحولته إلى عدو.
إن الفن يوقظ فينا القدرة على الشعور بما لا يخصنا مباشرة. حين نبكي أمام مأساة في رواية، أو تهتز أرواحنا لصوت لحن عظيم أو نعثر في قصيدة على وجع ظننا أننا وحدنا نحمله، فإننا نخرج، ولو للحظات، من سجن ذواتنا الضيقة، ونتعلم أن التجربة الإنسانية أوسع من حدودنا الشخصية، وأن الألم لا يحتاج إلى أن يكون ألمنا حتى يستحق التعاطف، وأن الإنسان قد يكون مختلفا عنا في عقيدته ولغته وثقافته، لكنه يشاركنا ذلك القلب القابل للانكسار، وتلك الروح التي تبحث عن معنى، وذلك الخوف القديم من الفقد والموت والوحدة.
ولعل هذه إحدى أعظم وظائف الفن: أن يجعلنا أقل استعدادا لكره ما لا نفهمه، وأكثر قدرة على الاقتراب مما نجهله. فالعقل الذي لا يتغذى إلا على اليقينيات الجامدة قد يتحول إلى محكمة لا تتوقف عن إصدار الأحكام، أما الروح التي تتسع للموسيقى والشعر والأدب، فإنها تتعلم أن تصغي قبل أن تدين، وأن تتأمل قبل أن ترفض، وأن ترى في الاختلاف فرصة لاكتشاف العالم، لا ذريعة لإعلان الحرب عليه
وليس مصادفة أن نبحث عن الجمال في أكثر لحظاتنا قسوة. حين تضيق الحياة، نلجأ إلى أغنية قديمة، أو بيت شعر نحفظه منذ سنوات، أو مقطوعة موسيقية لا نعرف كيف تسللت إلى أعماقنا. كأننا نستعيد بها شيئا من توازننا المفقود، ونرمم شروخا لا تستطيع الكلمات اليومية الاقتراب منها
يمكننا أن نتأمل هرم الحاجات الإنسانية لدى عالم النفس أبراهام ماسلو، الذي ارتبطت قمته في تصوره الشهير بتحقيق الذات، بينما ارتبط تقدير الجمال والتذوق الجمالي لديه بالحاجات المعرفية والجمالية في امتداد نظريته. فالجمال ليس مجرد إضافة خارجية إلى حياة الإنسان، بل أحد وجوه تطلعه إلى تجاوز الضروري والعابر، والانتقال من مجرد البقاء إلى اكتشاف ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش
وعندما أتحدث عن الفن، فإنني أقصد الفن الحقيقي؛ ذلك الذي لا يكتفي بإثارة الانفعال العابر، بل يترك في الروح أثرا، وفي الوعي سؤالا، وفي الوجدان شيئا يستحق البقاء. أقصد الأغنية التي تحمل كلمات معبرة، وتقول ما عجزنا عن قوله، واللحن الجميل الذي يتسلل إلى أعماقنا دون استئذان، والمسرح الذي يضع الإنسان أمام تناقضاته، والأدب الذي يفتح لنا نوافذ على عوالم لم نعشها، والأفلام والمسلسلات التي لا تستهلك وقتنا فحسب، بل تمنحنا فرصة لفهم الحياة والبشر على نحو أعمق.
أقصد الفن الذي يحترم عقولنا ومشاعرنا، ويخاطب فينا القدرة على التأمل والتساؤل والتعاطف، لا ذلك الذي يراهن على الابتذال وإثارة الغرائز وتسطيح الوعي
ينبغي أن نمنح أرواحنا كل يوم جرعة صغيرة من الجمال؛ أن نستمع إلى مقطوعة موسيقية، أو نقرأ قصيدة جيدة، أو نصغي إلى أغنية تحرك فينا شيئا نبيلا، أو نتأمل لوحة تجعلنا نرى العالم بعين لم نستخدمها من قبل. ليس لأن هذه الممارسات ستحولنا بالضرورة إلى أشخاص أفضل، بل لأنها تمنحنا فرصة متجددة لمراجعة أنفسنا، وتحرير مشاعرنا من البلادة، ومقاومة ذلك التكلس الذي يجعل الإنسان يعتاد الألم حتى يفقد القدرة على الإحساس به
وأخطر ما قد يحدث للإنسان أن يفقد قدرته على الدهشة، وأن يمر أمام الجمال دون أن يهتز، وأمام الألم دون أن يتأثر، وأمام إنسان يتألم دون أن يرى فيه سوى آخر لا يعنيه أمره
ربما لا نستطيع أن نغير العالم بأغنية، ولا أن نوقف الحروب بقصيدة، لكننا نستطيع، عبر الفن، أن نحمي في داخلنا ذلك الجزء الذي يجعلنا نرفض الحرب على الإنسان، ونحزن لموت الغريب، ونحترم اختلاف الآخر، ونقاوم إغراء القسوة حين تصبح القسوة سلوكا شائعا ومقبولا
فلنمنح أرواحنا كل يوم نصيبا من الموسيقى، ووجبة من الشعر، وجرعه من الأدب والفلسفة ونافذة نطل منها على الجمال.
هذبوا إحساسكم، فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من القسوة، بل إلى قلوب تعرف كيف تشعر، وعقول تعرف كيف تفهم، وأرواح لم تفسدها الكراهية
دعوا الفن يفتح في أرواحكم نوافذ لا تطل على ذواتكم وحدها، بل على آلام الآخرين وأحلامهم ومخاوفهم الصغيرة.
تعلموا أن تحزنوا لمأساة لا تخصكم، وأن تتألموا لدمعة لم تسقط من أعينكم، وأن تحترموا إنسانا يختلف عنكم في الدين والفكر واللغة، دون أن تشعروا بأن اختلافه ينتقص من يقينكم أو يهدد وجودكم.
هذبوا إحساسكم، فالجمال الذي لا يترك أثرا في أخلاقنا يظل معرفة ناقصة، كونوا أكثر رهافة دون أن تفقدوا صلابتكم، وأكثر رحمة دون أن تتخلوا عن عقولكم، وأكثر انفتاحا دون أن تتنازلوا عن حقكم في النقد
تواضعوا، فليس في هذا العالم ما يستحق كل هذا الغرور، ولسنا سوى عابرين في حياة أكبر من أعمارنا، وأوسع من معارفنا، وأكثر تعقيدا من أن يحيط بها عقل واحد
***
ابتهال عبد الوهاب








