يرتكز الاقتصاد العراقي منذ عقود على إيرادات النفط كمصدر رئيسي للدخل، وهو ما يجعل ميزانية البلد رهينة لتقلبات الأسواق العالمية. وفي وقت تبحث فيه الدولة عن بدائل حقيقية لتنويع مصادر تمويلها، تبرز "السياحة الأثرية" ليس فقط كخيار ثانٍ، بل كقوة تنموية مستدامة؛ فالعراق، أرض الحضارات الأولى، يمتلك كنزاً استراتيجياً فوق الأرض يضاهي في قيمته الثروات القابعة تحتها، مما يجعل استثمار هذا الإرث ضرورة ملحة لتطوير الإنتاج الوطني. وتبدأ هذه الرؤية من قلب العاصمة بغداد، وتحديداً من المتحف العراقي الذي يمثل خزينة التاريخ الحي وبوابة التعارف الأولى بين الزائر وأمجاد وادي الرافدين، مما يتطلب تفعيل دوره كمركز جذب ثقافي عالمي متكامل.
ويمتد هذا الطموح عبر خارطة البلاد الممتدة ليشمل صروحاً تاريخية تروي قصة الإنسانية؛ بدءاً من مدينة بابل الأثرية بشهرتها الشاخصة، ومدينة كيش التي شهدت بدايات الفجر السومري وأولى السلالات الحاكمة، وصولاً إلى الأعجوبة الهندسية المتمثلة في ملوية سامراء، والشموخ المعماري لـ طاق كسرى (إيوان مدائن)، ناهيك عن زقورة أور وحضر نينوى. بيد أن تحويل هذه المعالم إلى وجهات جاذبة يستوجب ثورة شاملة في إصلاح البنى التحتية المحيطة بها، من خلال مد شبكات طرق حديثة، وإنشاء مجمعات فندقية ومرافق خدمية تليق بالوافدين، بالتوازي مع توفير بيئة مستقرة تشجع على التدفق السياحي المستمر.
ولتحقيق هذه النقلة النوعية، بات من الضروري الاستعانة بالخبرات الأجنبية وبناء شراكات مستدامة مع المنظمات الدولية المتخصصة، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، والجامعات العالمية العريقة في مجالات التنقيب والصيانة. ولا تقتصر أهمية هذه التوأمة على الدعم الفني، بل تمتد لتبني خطط تسويق مدروسة تضع العراق في صدارة الخارطة السياحية الدولية؛ وهو حراك يتلاقى مباشرة مع ثورة التحول الرقمي عبر صنع منصة إلكترونية تفاعلية موحدة للاستدلال على هذه المواقع، وتقديم الجولات الافتراضية، وتسهيل حجز التذاكر للراغبين في استكشاف حضارتنا بضغطة زر واحدة.
وتتكامل هذه الجهود التنظيمية مع قضية سيادية لا تقبل المساومة، وهي استعادة الآثار العراقية المنهوبة التي هُربت في فترات الأزمات؛ إذ إن استرداد هذه القطع الفريدة وإعادتها إلى موطنها الأصلي في المتحف العراقي يعيد القيمة المعرفية الكاملة للمجموعات الأثرية ويحفز الشغف العالمي لزيارتها. وإن النجاح في هذا التحدي الوطني يقع بالدرجة الأولى على عاتق الطاقات الشبابية الواعدة؛ فالشباب هم المحرك الفعلي والعمود الفقري لهذا التحول، من خلال انخراطهم في مجالات الإرشاد السياحي، الإدارة الفندقية، إحياء الحرف اليدوية، وإدارة المنصات الرقمية. إن الرهان اليوم يقوم على وعي الشباب وقدرتهم على إدارة هذا القطاع الواعد وتحويل إرث بابل وسامراء وسومر وطاق كسرى من مجرد ذكريات لماضٍ عريق، إلى اقتصاد بديل ومستدام يحمي أجيالنا القادمة ويضمن للوطن ازدهاره.
***
بقلم صبيح الكعبي








