عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

جودت العاني: طفيليات العقل..!!

هي في اساس وجودها طفيليات تعوم في الخارج وتطفح وتتسلل الى العقل الانساني كلما تمكنت من ذلك لتعبث في طبيعة التفكير ومن ثم المواقف حتى التي تشكلت وغدت جاهزة لمخاضات تجري عادة على مسرح الأحداث.

وهذه الطفيليات التي تحدث عنها الفيلسوف البريطاني (كولن ويلسون) باسهاب، هي سبب إشكاليات العقل طالما أن العقل الانساني يراقب ويتفحص حركتها وهي تعوم في دائرة مفرغة أزلية لا تنتهي بمسار من السكون، والسكون هو جزء من الحركة (لا حركة بدون سكون ولا سكون بدون حركة) في معيار فلسفة التناقضات.

وما دام الخارج يطفح بالحركة التي يصاحبها السكون عادة، فإنها تكون مشحونة بالطفيليات، وهي تنشطر وتنتشر وتتكاثر وتصبح عبا ثقيلا على العقل الانساني.. ولا مناص من المراقبة وتحمل أعباء حركتها التي لا تنتهي ابدا.

هل تغلق النافذة على نفسك وتعتكف ؟

قالها بكل وضوح..

ولكن، مع ذلك يظل فكرك يراقب الحركة حتى وهي في وضع السكون، وان هذه الحركة تأخذ مجالها في ذهنك وتصيره مأخوذا بإشكاليات تضع عقلك في دائرة مفتوحة يتسرب إليها ما يطفح عن طفيليات الخارج المأزوم، حين تعشش في ذهنك وتتحول الى مايسميه كولن ويلسون ب(طفيليات العقل) التي تجمع التناقضات والصراعات الخفية والمعلنة القائمة على التضاد والشك.. هذا الكم الهائل من قوى الصراع تأخذ مسار التنافس: تهمش وتهاجم وتنهش بعضها بعضا كلما سنحت الفرصه وتتسلل الى العقل الانساني فتجعله مشوشا تصادميا قلقا مسلوب التفكير السليم يعمل على تدمير قوى العقل الانساني ويدفعه الى الارتباك او الغثيان او الانتحار.. هي طفيليات مثل الجيوش غير المرئية تتمكن من عقول البعض من البشر وتحولهم الى مهوسين بارعين على مستويات مختلفة حتى في الثقافة والفن وصنع القرار.

مقاربة الأنا..

والمقاربة الفلسفية بين الأنا والخارج هي ان، (الأنا) لها مدخلاتها ومخرجاتها للمراقبة.. فهي تراقب الخارج، والخارج يرزح تحت أعباء الحركة الدائبة التي تثيرها الفوضى المنظمة بمعنى (المسيطر عليها) وخاصة عن طريق الوعي بالحركة التي تعتمد على قواعد تكاد ان تكون ثابتة، وكذلك دورانها حول ذاتها دونما توقف.

فحركة الخارج هنا دائبة وحركة (الأنا) تتسم بنزعة المراقبة والترقب، والخارج يعج بالطفيليات التي لا تكف عن الحركة، فكيف يمكن منعها من التسرب الى العقل لكي يحافظ على سلامته العقلية؟

العقل ليس بعيدا عن الخارج فهو في قلب الخارج ومنفصل عنه في آن واحد.. والعالم في عين العقل، يتكثف ويتمدد واحيانا يتلاشى في رمشة عين ويعود ليتكور أمام العقل.. وفي داخل هذه الحركة تتكاثر الطفيليات وتموج وتطفح نحو العقل وتعشش فيه، فكيف يغلق العقل ابوابه امام السيح القادم من الخارج لكي يتحصن؟

الخارج ملوث وفيه خليط من العفن والقيح في الافكار والثقافات والسلوك والنيات والخفايا وكلها تتسابق صوب العقل، فكيف يتحصن العقل من هذا السيح..؟

سأل صديقه هذا السؤال فأجابه: نحن في نفس المأزق يا صديقي دعنا نفكر معا..

العالم الخارجي قائم كما هو منذ التكوين الأول للكون.. و(الأنا) نتاج هذا التكوين وهي في قلب هذا العالم.. والتجاذب لا يتوقف على الرغم من كون الأنا في قلب هذا التجاذب.. فمن يجذب منْ (ألأنا) أم الخارج الملوث بالفوضى؟

لصوص وفاسدين ومغتصبين وأراذل وقتلة ومارقين وتجار حروب.

منْ يصلح الملح اذا الملح فسد؟

إذا وجد الرأس الصالح والعادل والمنصف، تتحقق العدالة وتتحقق المساواة ويتحقق الانصاف ويتحقق التطور وتتحقق النهضة بمقاس الامكانات والقدرات.. ولكن حين تغيب العدالة وتعشش فوضى الخارج في العقول تصبح هذه العقول مشوشة ومضطربة وعابثة.. فالرأس العادل قد يستطيع ان يمنع انسياح الطفيليات أو قد يشل حركتها ويضعها في دائرة العزل كلما ارادت تغيير اتجاهها على نحو مغاير.

إلا أن العالم من جانبه لا يستطيع ان يتحاشى الطفيليات من دروبه ولا يستطيع ان يمنع تسربها ناحيتها فهي طفيليات تلف وتدور حوله وتتحين الفرص للوثوب والإنقضاض عليه.. و العقل الانساني يحاول ان يتحصن بالأخلاق والمبادئ ولا سبيل لديه سوى مبادئ الأخلاق منبع القيم (وإنك لعلى خلق عظيم-ص-).

***

د. جودت صالح

7 / 4 / 2026