عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

يونس الديدي: كُلُّ مثلجات وَاتْرُكْهَا تسقط عَلَى قَمِيصِكَ

تقف في منتصف شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، المغرب، في يوم يوليو الحار، في يدك مثلجات فانيليا مغطاة بالكركديه. وأنت تعلمها. تعلم أنها سوف تسقط.

منذ أول ثانية أمسكتها بدأت الطاقة الكاملة في جسدك تتحول إلى مهمة واحدة وحيدة: منع أي نقطة منصهرة من أن تلمس قميصك الأبيض الجديد. تمسكها بزاوية متوترة. تمسح طرفها كل ثانيتين بمنشفة ورقية. لا تسمع الصديق الذي يمشي بجانبك ويكلمك. لا تشم رائحة الياسمين التي تأتي من الحديقة المقابلة. لا تتذوق حتى المثلجات التي في فمك. كل ما تفعله هو انتظار السقوط.

وثم تسقط. بالطبع تسقط. بعد كل هذا الجهد تسقط نقطة كبيرة سميكة تماماً في منتصف قميصك.

وهذه ليست قصة عن المثلجات. هذه هي القصة الكاملة للحياة.

نحن نقضي كل حياتنا بهذه الحركة المتوترة نفسها. نمشي في أجمل شاطئ في العالم ومشغولون أن الرمل لا يدخل الحذاء. نأتي لحفلة رائعة ونقضي كل ساعاتها نخاف أن نلطخ الفستان. نجلس مع أحب الناس إلينا ونقضي الوقت نتفقد الهاتف كل عشر ثوانٍ خوفاً من رسالة فائتة. نعيش اللحظة كاملة ونحن نجهز لننشرها. وكل هذا الوقت، المثلجات تنصهر في يدنا.

لقد أقنعنا العالم أن فن العيش هو فن منع الأشياء من السقوط. أن الحياة الجيدة هي الحياة النظيفة، المرتبة، الخالية من البقع، الخالية من أي شيء لم نخطط له مسبقاً.

والحقيقة الأكبر التي لا يخبرنا أحد بها هي: كل الأشياء الجيدة في الحياة هي البقع.

بعد عشر سنوات لن تتذكر أبداً أنك كنت تمتلك قميصاً أبيض نظيفاً في ذلك اليوم من يوليو. لكنك ستتذكر المثلجات التي سقطت. ستتذكر ضحكك الذي استمر نصف ساعة. ستتذكر أن صديقك اشترى لك مثلجة أخرى وأقام يرمي عليها عن قصد.

جميع الذكريات التي نحبها ليست الذكريات التي سارت تماماً. هي الذكريات التي حدث فيها شيء خاطئ. المطر الذي نزل في الرحلة الجبلية. الكيك الذي احترق في عيد الميلاد. القطار الذي فاتنا فمشينا ثلاث كيلومترات تحت القمر. المثلجات التي سقطت على القميص. هذه هي العلامات التي تختم على اللحظة كحقيقية.

فن الانسياب ليس عدم الاكتراث. هو أن تعلم أن البقعة على القميص ليست خطأ حدث للحظة. هي الجزء الأصلي من اللحظة. هو أن تتوقف لثانية واحدة وتقول لنفسك: حسناً. دعها تسقط.

لا يوجد شيء أسوأ في كل الحياة من أن تنتهي المثلجات وتكتشف أنك لم تتذوقها حتى مرة. فقط لأنك كنت مشغولاً كل الوقت بمحاولة منعها من السقوط.

اليوم عندما تذهب وتأخذ مثلجاتك التالية. لا تمسكها كأنها قنبلة. لا تمسحها كل ثانية. لا تخف. كُلْهَا مثلجات. واتركها تسقط على قميصك.

البقعة سوف تزول عند الغسل. اللحظة لن تعود أبداً.

***

بقلم: ذ. يونس الديدي - أستاذ باحث