عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

شدري معمر علي: الثقافة وصناعة الغد

لا يمكن أن نصنع غدنا ويكون لنا مستقبل مشرق دون مجتمع مثقف واع بلحظته الراهنة، فالثقافة هي التي تخرج لنا إنسانا متبصرا، فاعلا. مؤثرا، خادما لأسرته ومجتمعه وللإنسانية جمعاء، فالثقافة ذات أهمية في الانطلاقة الحضارية لأي أمة تريد أن تصنع الفارق وتترك بصمتها وعندما نتأمل في مفهوم الثقافة لدى بعض المفكرين والفلاسفة بل حتى من خلال دلالتها اللغوية نعرف بأنها ذات حمولة فكرية وأخلاقية وفنية وعقدية

فعرّف مؤسس الاتثروبولوجيا الثقافية الإنجليزي إدوارد تايلور الثقافة بأنها "الكل المركب الذي يشمل المعرفة، والمعتقدات، والفن، والقانون، والأخلاق، والعرف، وأي قدرات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في المجتمع".(1)

وبعبارة أخرى، الثقافة عند تايلور هي كل ما يكتسبه الفرد من مهارات وعادات وتقاليد ومعتقدات وغيرها، نتيجة لكونه جزءًا من مجتمع معين.

أصل الثَّقافة في اللُّغة العربيَّة مأخوذ من الفعل الثلاثي (ثقف) بضمِّ القاف وكسرها.

وتُطلق في اللُّغة على معانٍ عدَّة، فهي تعني: الحذق، والفطنة، والذَّكاء، وسرعة التَّعلم، وتسوية الشَّيء، وإقامة اعوجاجه، والتَّأديب، والتَّهذيب، والعلم، والمعارف، والتَّعليم، والفنون.

قال ابن فارس: «(ثقف) الثَّاء، والقاف، والفاء كلمة واحدة إليها يرجع الفروع، وهو إقامة درء الشَّيء.

ويُقال: ثقفت القناة إذا أقمت عوجها.

فالثقافة من خلال هذا المفهوم اللغوي تعني إزالة الاعوجاج الفكري والسلوكي والاخلاقي وهي ايضا تدل على النباهة والفطنة والعلم ..

يقول الفيلسوف طه عبد الرحمن المعروف بنزعته الفلسفية الأخلاقية في تعريفه لماهية الثقافة في كتابه "الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري": "الثقافة هي جملة القيم التي تقوم الاعوجاجات الفكرية والسلوكية داخل الأمة على الوجه الذي يجدد اتصال الفكر والسلوك بأسباب هذه القيم في عالم الآيات، وبالقدر الذي يمكن الأمة من استرجاع قدرتها على الإصلاح والإبداع، طلبا لتنمية الإنسان والارتقاء به في مراتب الكمال العقلي والخلقي"

من خلال هذا التعريف لا يمكن أن نطلق لفظ مثقف على شخص غير سوي، مخادع، منحرف فكريا، متعصب ومنغلق على ذاته، شعاره " بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا "..

والسؤال العميق الذي ينبغي ان نطرحه كيف تصنع الثقافة غدنا؟

أولا بالحفاظ على الهوية:

الثقافة تحدد هوية المجتمع والمجتمع المثقف ينسجم مع مكونات هويته ويحافظ على تعددها وكل واحد يحافظ على نسيج المجتمع وينظر إلى التنوع الموجود فيه كأنه لوحة فسيفسائية فائقة الجمال...

ثانيا: بالتخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل:

لا يمكن لمجتمع جاهل فوضوي، غارق في عادات بالية، أن يخطو خطوة نحو المستقبل فالثقافة الحقة تجعل أفراد المجتمع يرسمون أهدافهم وتكون لهم رسالة في الحياة ويرتبون اولوياتهم وهكذا يكون المجتمع منظما، محافظا على وقته، يعرف القضايا المهمة فيركز عليها ويتعد عن المعارك الهامشية وسفاسف الأمور..

وفي حوار لجريدة الشروق " أكد خبير الاستشراف البروفسور بشير مصيطفى، أن المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد التي يترأسها، ترى أن الاستشراف ثقافة مجتمع قبل ان يكون تقنية حكومية، بحيث تعتني باشراك النخبة في التقاط مؤشرات وإحصائيات المستقبل متوسط وبعيد المدى، وتعمل المؤسسة من خلال فعالياتها ومنتجاتها العلمية والفكرية على تحقيق نتائج آفاق 2050"

ثالثا: بالتركيز على الإبداع والابتكار

تساهم الثقافة في بلورة الأفكار وإيقاد جذوة الابتكار فكم من فكرة إبداعية تساهم في بناء اقتصاد المجتمع وتفتح باب العمل وتخلق التنافس بين المبدعين لهذا المجتمعات المتقدمة تغرس في أبنائها حب العلم والثقافة وعشق الكتب لأن من خلال القراءة تتولد الأفكار والإبداعات التي ترفع الأمم إلى مصاف الكبار.

رابعا: صناعة الوعي:

نحن نعلم أن المجتمع الجاهل المتخلف، أفراده لا يتسمون بالوعي، ويكونون ضمن مخططات الأخرين فيصيرون عملاء وخونة يخدمون اجندة العدو دون أن يشعروا وهذا بنشر الفتن والتعصب وإلغاء الآخر واحتقاره بينما المجتمع المثقف الذي تنتشر فيه الثقافة والمعرفة أهم ميزاته التسلح بالوعي، يعرف أفراده كيف يحافظون على النسيج الفكري والثقافي للمجتمع فيكونون الدرع الواقي ضد أي اختراق أو فتن ...

فعلينا كنخب أن نسلح ابناءنا بالثقافة فنغرس فيهم منذ الصغر حب القراءة والاطلاع فهي الوسيلة الأساسية في تثقفيهم وانفتاحهم على العالم ومستجداته فلا نكتفي بتعليمهم فقط فالثقافة أوسع من التعليم فإذا نجحنا في ذلك نكون قد ساهمتا في صناعة الغد ونستطيع أن نقول بكل ثقة هذه الثقافة التي انغرست في أبنائنا وصارت طبيعة فيهم هاهي تصنع غدنا وترفع مكانتا بين الدول...

***

الكاتب: شدري معمر علي - الجزائر

..................

المرجع

1- ويكبيديا

2- معجم المعاني.

3-حوار مع البروفيسور بشير مصيطفى اجرته وهيبة. س بجريدة الشروق.

في المثقف اليوم