أقلام حرة
نورا حنفي: "تروما" أسرية.. بين محاولات التنشئة السليمة وتهميش حق الأبناء!
فضفضة.. أزاحت الستار عن ألم خفي
حدثتني صديقة لي عن أزمة تمر بها منذ فترة طويلة، والمؤسف أن أزمتها الحقيقية تكمن في إحساسها بعدم الأمان في بيتها!
وفي "قعدة فضفضة" حررت ما في قلبها وكسرت حواجز الصمت أخيرًا، ولكن بألم عميق تعجز كل لغات العالم عن وصفه!
"أخاف من التعبير عن أحلامي أمام والدي!"
لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها كلمات من هذا القبيل، فأنا كثيرًا ما قرأتها على صفحات التواصل الاجتماعي بصوت يستغيث من خلف الشاشة، ولكن فيما يبدو الآن أن الأزمة مشتركة..
الخوف والكبت والاحتياج الآدمي لأسرة متفهمة تعرف حقوقها وواجباتها فحسب.
لقد ضاعت الكثير من الأحلام في لحظة الخوف من المواجهة، وكم من أهداف قيدتها كلمة "لا" بدون أسباب منطقية!
"مش موافق".. قنبلة موقوتة أمام استقرار العلاقة الأسرية.
إن القسوة في التعامل مع الأبناء قد تدفعهم إلى سلوك لا يتسم بالانضباط، حيث تلجأ الغالبية العظمى في هذه الحالة إلى العزلة التامة، فيتخذ الطفل غرفته "حبس انفرادي" له ولأحلامه المستقبلية، وذلك ليتجنب الصدام في أي نقاش خارج حدود غرفته، وهو بدوره يصنع فجوة عظيمة لا يُصلحها الزمن!
مما يعني أن كلمة "لا" هي الخطوة الأولى لبناء جدار يُعيق التواصل ويهدم الثقة المتبادلة في غمضة عين، والأخطر أنه يُهدد مستوى الثقة بالنفس لدى الأبناء، وبالطبع ينتج عن ذلك سلوكيات مُشوهة تؤثر على المجتمع بأكمله ولا تقف عند المستوى الشخصي فحسب.
"محفظة مليانة.. وقلب فاضي!"
كما وتعتقد بعض الأسر أن معنى الدعم يقتصر على "الماديات" فقط، المعنى الذي يضمن حماية الأبناء من ضربات الدنيا التي لا ترحم إلا أصحاب المال، ولكن للدعم قيمة أشمل وأعمق من مجرد ورقات تبتلعها ماكينات الصراف الآلي، حيث أن "الدعم المعنوي" يمنح الأبناء بطاقة عبور للحياة مهما اشتدت الأزمات من حولهم، وهو ما لا يمكن الحصول عليه إلا من خلال البيت أولًا.. فإن المال لا يشتري توازن الإنسان.. بكل بساطة!
"لوي الدراع".. الحل الأخير أمام تسلط أهل البيت!
"أنا همشي بعيد عنهم.."
وهُنا تقع الفأس في الرأس!
فبعد محاولات مريرة لفتح صفحة جديدة عنوانها "الصلح خير"، تفشل الجهود وتسلك العلاقة طرق شائكة يراها الكثيرون الخلاص الوحيد في علاقة رفضت الاستجابة لكل وسائل الإنعاش، لتكون بذلك الحرية المطلقة من تحكمات وسيطرة الأهل، ويصبح الهروب هو أنسب مشهد لتتر النهاية!
والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو وقع الهارب في قبضة أصدقاء السوء، أو انتهى به المطاف بالتسول والسرقة والنوم في الشوارع؟!
ربما تتضح الصورة أكثر بعد الإجابة.
صفر على الشمال..
“شوفت يا بابا أنا عملت ده كله لوحدي”-
عادي يعني، عملتي إيه جديد؟!"”=
وكذلك، فإن التصدي لأي فعل يقوم به الأبناء بلا مبالة وإهمال واضح، هي شعلة تنطلق منها حرائق الكراهية بداخل الطفل تجاه والديه.
إن عدم التقدير "شوكه" تقف في حلق أي إنسان سوي، أليس كذلك؟
الاحتقار والتجاهل و و ... ، كلها مشاعر مُهلكة لن يشعر بمدى قسوتها إلا من مر بها، وهو ما يغرس بداخل الأبناء الغلظة والجحود فيما بعد، فتجد أن بذرة الإهمال التي غرستها بقلوبهم اليوم، تنمو وتنعكس عليهم بمرور الأيام، حتى يتجنبهم البشر لكلماتهم التي تفتقر إلى المرونة واللطف وجبر الخواطر.
وإننا لو نظرنا إلى بداية المشكلة، سنجد أن أول الخيط هو أسلوبنا الفظ معهم، وهو ما يظهر وقعه عليهم بعد وقت، ويُشكل حينها التحدي الأهم: بناء شخصية خالية من عُقدة النقص.
"اوعى تغلط.. فاهم؟"
قد تدفع الصورة المثالية للتربية بنظر الآباء والأمهات إلى الضغط الزائد على أطفالهم بمسؤوليات هائلة قد تكون أكبر من مستوى استيعابهم وقدراتهم وقتها، وهو ما يجعل الأبناء في صراع دائم بين طفولتهم وما يتوجب عليهم فعله، فلا مجال للخطأ من الأساس!
بحسب معتقدات البعض، فإن "رمي الحِمل" على الأبناء في سن صغير هو ما يضمن لهم القوة والصلابة وتحمل صعوبات الحياة في سن المراهقة، وهو ما ينزعج منه الكثير من الأبناء ويجدونه كثقل الجبال، ولكن لا خيار لهم في ذلك، فإما القبول الإجباري واستنزاف الطاقة، أو إعلان العصيان الذي يلحقه "بهدلة" واتهامات باطلة بـ "الدلع الماسخ"!
وبناءً عليه، ينظر الطفل إلى أهله نظرة غضب وتمرد، و لنفسه نظرة هزيمة أمام إرادته الحرة.
سمعت إحداهن تقول: "لا أصدقاء لي، عشت عمري أبحث عن صديقة مخلصة فلم أجد، حتى فقدت الأمل في العثور على عقل يحتضن كلماتي دون ملل، وأما عن أسرتي، فلم تمنحني الصداقة التي كنت أنتظرها، كل ما وجدته هو صوت يصرخ في وجهي كلما نطقت بحرف واحد، واليوم اخترت الصمت!"
الأب، هو الصديق والحبيب الأول في حياة ابنته، وهو الملاذ الآمن لمشاعرها وأفكارها في أهم مراحل حياتها، التي قد تكون غير مستقرة مثلها كمثل أي فتاة تمر بفترات متقلبة في تكوين عاطفتها والوعي بنقاط قوتها وضعفها.
فماذا لو لم يلعب الأب دوره على أكمل وجه في هذا الوقت المصيري؟
هي مأساة أخرى نطقت بها فتيات وقعن ضحية جفاف عاطفة الأب!
الأمر الذي يسحبها وراء تنازلات وعواقب جسيمة، نتيجة عاطفة لم تُشبع بشكلها الصحيح، بل وقد يدفعها لقبول طلب الزواج برجل في مقام جدها، وذلك لأنها وجدت به حضن الأب الذي فقدته طويلًا، والأصل في هذه الجريمة هو الأب الذي لم يفتح قلبه لصغيرته في أيام نضجها واحتياجها الطبيعي لإحساس الونس.
فما الحل؟
كل ما ذكرته هو نقطة في بحر الظلمات!
نحن نقف دائمًا في المنتصف، بين تحقيق الرغبة، أو السيطرة كي لا يفلت الحبل، ولكن القضية ليست في من ينتصر ومن يخسر الجولة، فإن التربية ليست ساحة قتال، وإنما هي علاقة صحية بين أطراف المعادلة، علاقة تخلو من القسوة والتوبيخ والرفض المطلق والتخاذل والإحساس بالغربة في بيت العيلة، علاقة واعية فحسب، تعبر الزمن من إنسان لآخر، وحينها تنجح عملية تكوين جيل لا يُعرقله ألم نفسي أو نزف جرح قديم!
الحرمان ليس علاجًا..
العنف صفعة على وجه الطفولة..
وغياب لغة الحوار تحكم على الأبناء بسجن الصمت المؤبد..
كل هذا وأكثر من منغصات العيش بمثابة خنجر مسموم يطعن أصول التربية في مقتل!
وهُنا الخلاصة: البيت هو البوصلة، فقد ينطلق منه الصلاح للأمة بأكملها، أو يوجه الإنسانية لطريق مسدود.
***
بقلم: نورا حنفي






