عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: قراءة في قصيدة "الشاعر في السابعة" للشاعر أرثور رامبو

مرابع كينونة الفاعل الذاتي

توطئة: بقي نشاط كينونة الفاعل الذاتي في إدراك أشياء الوجود الذاكراتي المتخيل في رصيد اهتمامات الشاعر بمثابة المدار البحثي التنظيري والاجرائي منذ أقدم المفاهيم المعرفية والفلسفية في شعرية توجهات الشاعر عبر نصه بوصفه الأداة التي يختزل منها وفيها الشاعر لوجود أوليات صوره وأفكاره المنشطرة بين هويته الذاتية وعلامات عوالمه الدالة سعيا للاقتراب من بواعثه المخصوصة في الذاكرة وعين اللحظة الحاضرة من حيز محمولات الذاكرة الخيالية. جاءت قصيدة الشاعر الفرنسي أرثور رامبو الموسومة بـ (الشاعر في السابعة) تجسيدا لملامح انطولوجية ــ ذاتية، عبر ربطهما بما تحمله الذاكرة من شواهد ومكونات كينونية متخيلة تلتقي فيها الذات الحلمية بما تثيره من صور وتكوينات سيكولوجية خاصة.

ــ السارد الشعري وأهواء الطفولة المنفعلة

من هنا نجد في مستهل مقاطع القصيدة الأولى ثمة مرجحات خاصة تتوزعها (الذاكرة ــ الصور ــ المتخيل) ضمن شكلية وصفية في الوحدات سردا شعريا:

.. وأغلقت الأم كتاب الدرس، وهبت ماضية

وهي فخورة.

لكنها لم تر النظرة

في العينين الزرقاوين، ولا كيف هاج الغضب

ــ تحت الجبهة العالية،

في نفرة وحشية مستسرة ــ

في طفلها روحا تثور.

إن التأكيد على المعنى الأساسي في الجمل الشعرية، هو (غضب الطفل) حيث أن شكل المعنى في هذه المقاطع لا يمكننا حصره في رأينا في مراهنة أهوائية تسلك مجالا انفعاليا من داخل وخارج الذات الموصوفة، وهذا النوع من الأداء غدا جاريا على لسان السارد الشعري إذ يمتاز بالرؤية وفيض موجهات الرقيب الشعري (.. وأغلقت الأم كتاب الدرس) لعل من الملفت إلى الانتباه أن حركية دال الأم في موجهات الجملة، مبعثها سيرورة خفية من عدم اللامبالاة التي تتعارض وسورة السخط التي تحيط بدال الطفل، فلا نعلم هل هي سيرورة مفترضة من جهة الأم الأدوارية ؟ أم إنها الهيمنة الذاتية التكرارية بإعطاء الدروس القسرية على قيد رفضية الطفل الدال ؟ أم إن هناك مستويات خاصة لهذه التراتيبية النمطية اللامتوازنة (لكنها لم تر النظرة ــ في العينين الزرقاوين، ولا كيف هاج الغضب ــ تحت الجبهة العالية) إن الراوي الشعري ها هنا يسعى نحو خلق علاقة طريفة متنافرة بين حالات الأم (و هي فخورة راضية) وبين قصدية إلتباسية تنتهي بغضب الطفل من جراء تجربة الدرس وشواغلها القسرية بوعي مقارب لآليات العنونة المركزية عبر علاقاتها اللفظية والدلالية المسكونة بروح التنافر السلبي:

في نفرة وحشية مستسرة ــ

في طفلها روحا تثور.

إذ إن الجمل الواردة أعلاه تسعى من خلالها الذات الساردة إلى خلق شكلا آخر يتجلى فيه دال الطفل في المتن النصي تجليا ذات مساحة ملتبسة في الكشف والكشوف، لذا فهي تستجيب سلبيا عبر ملفوظها المهيمن وتركيزا قصديا شديدا يقود فيه السارد حمولاته التلفظية عبر حركة الدوال وتشكيلها بالصور وبث السؤال العائد إلى فضاء الكائن الطفولي المتحرك تحت العمودي الساقط من ثريا العنونة المركزية، لذا جاءت جميع علامات التنقيط والفواصل، بذلك المصرح به عبر ضميري (الأنا الساردة ــ هو) وصولا إلى ذروة المتن النصي وتحولاته المتحركة عبر حساسية الفعل والاجراء والاقفال:

و ظل طوال اليوم يتصبب بالعرق

من فرط غيظ مطيع

ولد ذكي الفؤاد ! لكنه رغم ذلك بدا وهو يكشف عن

نفاق مرير

بأفانين من قاتم القلق.

لا شك في أن آلية عقدة الغضب لدى الطفل هي آلية هبوط إلى مستوى الملتبس بتشكيله بدلالة تواصلية الألم الذي يقود إلى منظومة أفعال آنوية في سياقها التشكيلي، لذا فإنها انفعالية ترتد بنا إلى ذلك السؤال الكبير: ما حدود حقيقة غضب الشاعر طفلا ؟ فهل هو الغضب الأزلي الذي لا بد منه لإتمام حساسيته الشعرية ؟ أم إنه الغضب المزهو المبتهج قيدا ؟.

ــ معزولية كائنية الذات وطقوس سكينة الهواجس

تنحو بنا ذاتية السارد الشعري بزمن طفله الشعري بذلك المنحى الذي يجعل من سكينة الأشياء ملاذه الإشكالي الذي يسلك إليه كقطيع أزلي تتمركز فيه آنويته كصيغة تقودها متاهة التمركز:

و في الدهاليز المزورقة بأبسطة حائلة

كان يمد لسانه، ويشد القبضتين

إلى فخذيه بقوة،

و يرى بعينين مغمضتين

بقعا من الضياء.

إن مرويات السارد ترتكز في بنيتها الدلالية على جملة غريبة من الأوصاف الشعرية إلا إنها بدت لنا من جهة ما تتعرض إلى حالة خاصة من الترميز والانزياح في الرؤية واللغة الشعرية، لذا تصبح بمقتضاها الفكرة الشعرية إلى موضوعة ملتبسة وصورا غرائبية تحيل الذوات إلى ملامح مفارقة في التكوين الدوالي والصوري: (كان يمد لسانه، ويشد القبضتين) كل هذه الصور هي من الكشف الانفعالي بثبات صيغة الأهوائية الذاتية في موصوف المعادل (الدهاليز ــ أبسطة ــ حائلة) إذ لا شك أن  (الدهاليز) ترتبط في عملية تكريس صورية المضمر والمكظوم من خيبات الذات عبر جملة التكثيف (و يرى بعينين مغمضتين) إلى ما هناك من سلسلة خاصة من الإيحاءات والإحالات المكرسة في سياق لفظي غاطس برؤى وأفكار سوداوية تتجسد على هيئة خلاصة ذاتية وحيدة (بقعا من الضياء) تنطوي هذه الجملة الأخيرة على إزاحة زمنية كفاصلة خطية تقارب حلولية الملاذ الخلاصية بوصفه بديلا حتميا عن فراغ الداخل الذاتي وتصحره وموته.

ــ الفضاء الدوالي بين الدلالة المكانية وآليات النص

إن ما نريد التوكيد عليه هنا، أن (الفضاء الدوالي) تترتب بمقتضاه الأفكار والمعاني ضمن حدود ما يتوخاه الشاعر من إيرادات خاصة في إانتاج الدلالا، لذا فالشاعر يتعامل مع حيثيات فضاءات دواله بما ينبغي تقديمه من وظائف الدلالات، ويؤخر ما ينبغي تأخيره منها وهذا الأمر ما تقتضيه معايير الشعرية التي تتعلق بلغة الخطاب الفضائي:

وانفتح باب على المساء

وحينذاك

ــ عاليا،، تحت خليج من الألأ

يتدلى من السقف، على قمة السلم ــ ابصروه

يهتف كالديك من هناك.

و بطبيعة الحال يصبح للفضاء ذلك التأويل المضمر إذ يقضي بتطرف الذات المتداخلة وصوت السارد في تقديم رؤى الفضاء ضمن الاستعدادات التي تدفع بالرؤى المتهيئة إلى ملازمة الجوهر (و انفتح باب على المساء) بصفات لا تميل لها تلقائية النفس بل إن المتعة الحقيقية له تكمن في وصفه ضمن مقاصده وصياغته بتحويل السياق المكاني إلى ظاهرة من المعنى المؤول (يتدلى من السقف) أو بجوار جملة اللاحق (أبصروه يهتف كالديك). إن ما ينبغي التأكيد عليه ها هنا لأجل إمكانية الربط التراكيزي، وهو الاستخدام للظاهرة الصوتية وهي تشكل بذاتها ذلك الاختزال في ثنائية دمجية خاصة بين صوت الدال الفاعل وصوت السارد الشعري، في الوقت الذي غدا فيه التصور الفضائي لمساحة القول بمثابة الانعطافة الزمانية بين الجهات الدوالية (باب على المساء ــ عاليا، تحت خليج من اللألأ ــ يتدلى من السقف ــ على قمة السلم) ولكن لا يمكننا بسهولة أن نزج هذه الانماذج في خالقية دلالية ما دون أن نعرف مسبقا القيمة الوظيفية من الاقتراح العنواني (الشارع في السابعة) خصوصا وإن إمكانية البوح الدوالي غدت جملة من التصورات الخارج إطار كينونة الذات المشار إليها فاعلا، لذا يستدعي الواقع البحثي منا استدراك صورة الذات الواقعة دون شعورنا بأرتباطها مع مكونات الحكي الوسائطي:

و في الشتاء

حين تتضوأ الحديقة الصغيرة

وراء البيت،من نور القمر،

ــ تغسلها كل عطور الظهيرة.

كان يصغي، مستلقيا تحت الجدار،

مختفيا في الأرض الوعيرة،

إلى صرير العرائش الجرداء.

هنا يعود الشاعر لبني تصوره في رصد الفضاء المكاني ظاهراتيا على لحظة الانبثاق الصورية التي ولدت شعورا ساذجا أوليا، وهكذا فقاعدة الرصد (و في الشتاء) تنطلق من محددات مشخصة من حالات المساحة الفضائية (حين تتضوأ الحديقة الصغيرة) والوساطة الحلمية بالمكان الأولي يشكل بذاته ذلك المحور الطبيعي الذي يؤاخي مأوى الطفولة وحضور كينونة اللحظة الأولى للأنسان في طفولته (كان يصغي، مستلقيا تحت الجدار، مختفيا في الأرض الوعيرة) فباشلار يرى أن كل ركن في البيت وكل زاوية في الحجرة، وكل بوصلة في المكان المنعزل الذي يقودنا إلى الاختباء فيه، هو ما يشكل بذاته الانطوائية على انفسنا كرمزية للعزلة والرغبة في الانزواء بوصفهما كونا آخر له دلالته.

ــ تأويل أكوان الذات وسكينة المخيلة الحلمية

1ــ المرجعية الذاتية في ضوء استقصائية الطابع الرمزي:

إن العناصر العاملية  في شواغل نمو الذات النواتية، تمثل بطبيعتها بنيات معقدة من حوافز المعارف النفسية (الحسية ــ اللاحسية) وفضلا عن ذلك فإن العنصرية العاملية للذات تمتاز بكونها متغيرة ومتمحورة حول تغايراتها في مسار أدائية المعنى:

شاخصا إلى الرؤى حتى يترنح منه البصر.

يا لقلبه الفض! إنه اختار

ــ رفاقا دون الآخرين ــ

أولئك الأطفال الأشقياء

ذوي الجباه الخلية الملساء

والعيون المعفرات، والخدود الملطخة بالطين

والأصابع التي هي كالدود

النحيلة، العليلة،

المندسة في أطمار للوحل فيها ريح.

و قد وضع الشاعر رامبو يده على الأوضاع الإشكالية بوصفها مصدر بؤس طفولة الشاعر، والشاعر لا يقف عند وصف الصفات الظاهرة من موقعية الدوال الأخرى (يا لقلبه الفض إنه اختار) وأنما يكشف عن تعقيد المفترض في هيئة خياراته الطفولية (رفاقا دون الآخرين، أولئك الأطفال الأشيقياء) فيما يستشرف أبعاد العوامل والصفات ضمن أداة ورؤية واصفة لأدق معاينات الوصف البليغ (>وي الجباه الخلية الملساء ـ والعيون المعفرات ـ والخدود الملطخة بالطين) إن عظمة الشاعر وحسية الشعر، تكمن في قدرتهما على تحريك الشعور المضمر وأثارة الأنفعال، وليس تلك الأدوات الفجة في صور القصيدة أو تلك اللغة المتحجرة التي يراها الواهمون إنها من مظاهر شعرية الحداثة الشعرية المزيفة، وشعرية النص لدى رامبو ممارسة لغوية وصفية تستخدم معادلات موضوعية تدخل من خلالها مجالات خصبة من القيمة المعادلة المشرئبة باللحظة الدراماتيكية المحملة بأقصى اشراقات وكشوفات النص الشعري.

ــ تعليق القراءة ــ

و في السابعة من سنيه

كتب قصص المغامرة عن الحياة في الصحراء الكبيرة

حيث تزهر الحرية المنفية، والغابات والبطاح.

إن الموسيقى الداخلية، من العناصر العضوية في مؤثثات الشعرية المؤثرة، وعلى هذا النحو تحملنا المقاطع شبه الأخيرة من قصيدة الشاعر نحو دلالات الأصوات الحروفية والمتناغمة مع دلالات النص العميقة المشحونة بالرؤى الانفعالية والفعلية ذات الخالقية التأملية لواقع كينوني طفولي يجسد أجلى وأسمى رؤية الذات المنكفئة على نفسها، خروجا لها نحو مرابع كينونة فضاءات المكان وفواعل زمنية الإثارة والترقب في ابعاد بوصلة استدراكات الراوي الشعري وكفاءته الايصالية المنهمكة في خطاب الفعل الشعري المعمق.

***

حيدر عبد الرضا