قضايا
حاتم حميد محسن: الفلسفة المبكرة لـ البير كامو في مقالاته الادبية
اول مجموعة من مقالات شعرية لـ البير كامو نُشرت في الجزائر العاصمة عندما كان بعمر عشرين عاما، هذه المجموعة تكشف عن جمال مأساوي في فلسفة كامو المبكرة. حين شارف على نهاية عمله المهني، نظر كامو رجوعا في أولى مقالاته المنشورة، والتي كانت بعنوان الجانب الخطأ والجانب الصحيح، واستنتج ان العمل الذي بدأ هنا لايزال في طور التحول الى عمله الحالي. ما نجده معبّرا عنه في هذه المقالات القصيرة يمكن اعتباره الأصل المادي لكل عمله اللاحق. هذه المقالات الساذجة والجميلة تستحق القراءة في حد ذاتها لكنها أيضا مفيدة جدا لاولئك الذين يبحثون عن فهم عميق لفلسفة كامو في الحياة.
البير كامو (1913-1960) نشر الجانب الخطأ والجانب الصحيح عام 1937. الكتاب عبارة عن مجموعة من خمس مقالات ترتكز في معظمها على تجارب كامو الشخصية وتأملاته في الحياة في الجزائر. غير ان واحدة من هذه المقالات "الموت في الروح" هي حول رحلة الى براغ، والمقالة الأخرى "حب الحياة" تدور أحداثها في بالما. كان كامو بعمر العشرين عاما عندما بدأ العمل في هذه المقالات وكانت غير معروفة تماما في الحلقات الأدبية. ولاحقا في عام 1958 اعيد اصدار المجموعة القصصية بمقدمة كتبها كامو الكاتب العالمي الشهير اليوم.
ورغم ان كامو لم يكن قد وجد صوته بعد، لكن تلك المقالات المبكرة تقدم رؤى ساحرة في تطور وسمة أفكاره. بالتأكيد، نحن نستطيع رؤية كامو الشاب يصارع مع أفكار جديدة قام بتوسيعها لاحقا وبنى عليها، لكن هناك أيضا جمال غريب في النثر يجعل كل من هذه القصص تستحق القراءة بحد ذاتها. أي، ان هذه المجموعة لها قيمة اكبر من كونها مجرد سجل لأفكار كامو الشاب.
هناك سذاجة ساحرة في العمل. حينما نقرأ، نشهد تلاشي تدريجي للأفكار، تحولا مفاجئا في النغمة والعواطف، واحساس بالحرج في الكتابة. لكن عند أخذ كل هذا في الاعتبار، نجد هناك شيئا آخرا في النص يكشف اكثر من عدم تجربة الكاتب. هناك عذوبة في "الجانب الخطأ والجانب الصحيح"، حتى لو كنا مطلعين على بعض الأفكار المتضمنة في المقالات. من الواضح ان كامو يكافح للتعبير عن شيء ما جديد بلغة أفكار تختلف عن تلك المستخدمة عادة. موضوعه، الذي تتعلق به كل واحدة من مقالاته، هو الى حد ما غامض وغير مؤكد.
كلا وجهي العملة
L Envers et L Endroit عنوان يصعب ترجمته الى الإنجليزية. اليوم، نحن نجد من الشائع انه "الجانب الخطأ والجانب الصحيح"، لكن أحيانا يُستعمل عنوان "بين بين" Bet wixt and Between. من الممكن ترجمة العنوان الأول الى "كلا جانبي العملة"، والذي أيضا يكون ذا معنى.
في الحقيقة، مع ان العنوان ليس مثاليا، لكنه سيكون ذو معنى بالنسبة للافكار التي يحاول كامو القبض عليها. في الفرنسية، تشير عبارة L Envers et L Endroit الى كلا جانبي قطعة من القماش. وبطريقة مشابهة، نحن نستطيع تصور كلا جانبي العملة. في مقالاته، يمسك كامو بكلا جانبي القصة او الفكرة. النظر الى جانبي عملة عادية يُشار لهما بالوجه الامامي والخلفي. "الوجه الامامي" عادة يصف رأس حقيقي لشخص ما، و "الوجه الخلفي" يصف فكرة هامة ترتبط بالدولة. في علم المسكوكات، الجانب الرئيسي هو الوجه، والمعكوس له هو ظهر العملة. لماذا يُعد هذا هاما لنقاشنا؟
انه يتعلق باقتراح تفضيل الأفكار. استخدام استعارة العملة للحديث عن أفكار، هناك اقتراح لفكرة رئيسية ومن ثم طريقة ثانوية او معكوسة لرؤية الأشياء. انها تشبه الإقرار بوجود وجهة نظر أخرى، لكنها تحمل أقل وزنا. مع ذلك، هذا ليس ما يقصده كامو. هو لا يقول هناك طريقتان لرؤية الأشياء ونحن نستطيع التقاط واحدة، بل هو يقول انت لا تستطيع امتلاك واحدة بدون الأخرى. لكي تمتلك عملة يعني انك تمتلك كلا الجانبين.
في ضوء النقاش أعلاه، فان ترجمة عبارة L Envers et Lendroit الجانب الخطأ والجانب الصحيح تشجع كثيرا فكرة وجوب ان نفضل وجهة نظر على أخرى. لقد رأينا هذا ليس ما يحاول كامو نقله. مع ذلك، نحن سنستمر باستخدام هذه الترجمة لأنها حاليا الأكثر شهرة. وبالتحرك قدما، لننظر في الأفكار التالية:
الله موجود، او هو غير موجود
من غير الممكن ان نمتلك ضوء بدون ظلام
نحن نستطيع التفكير في العبارة الأولى كفكرتين متضادتين: ان الله موجود والفكرة المضادة في انه غير موجود. هنا، قد يجادل احد لدعم الأولى وشخص اخر يجادل لأجل الأخيرة. سوف لن يكون هناك معنى في كلا العبارتين الله موجود وغير موجود. انظر في هذه العبارة الغريبة: "انت يجب ان تقبل بوجود الله الى جانب عدم وجوده". الان، دعونا ننظر في العبارة 2. عندما نفكر في الظلام كغياب للضوء، عندئذ نحن نحتاج الى الضوء ليوجد لكي يكون هناك ظلام. نفس الشيء ينطبق على السعادة: لكي تكون سعيدا، نحتاج ان تكون هناك فترات من عدم السعادة (او على الأقل فترات في ان تكون لا سعيد ولا حزين). من المنطقي القول عن الحياة، "انت يجب ان تقبل بانه بدون أوقات سيئة، سيكون هناك لا وجود لأوقات جيدة". بالطبع، انت قد لا توافق على هذه الفكرة، لكن مع ذلك من الممكن ان يكون معنى لها. بالنسبة لكامو، الحياة تتألف من الضوء والظلام، ولكي نعيش، نحن يجب ان نقبل حضور الاثنين. تماما مثل امتلاك عملة، انت يجب عليك قبول ان تأتي بوجهين.
سخرية البير كامو
المقالة الاولى من الجانب الخطأ والجانب الصحيح تتأمل في عمر الشيخوخة وهي بعنوان "سخرية". يبدأ كامو بوصف الموقف اللاسعيد لـ امرأة مسنة مصابة بالشلل كان يعرفها ذات مرة. اختزلتها ظروفها وعمرها من انسانة نابضة بالحياة وكثيرة الكلام الى امرأة عجوز صامتة لا تتحرك، كأنها شخص متدين بعمق، يرافقها تمثال من الرصاص للمسيح وتمثال من الجص ليوسف وهو يحمل الطفل يسوع. يصف كامو زيارة الى بيت عاشت هي فيه مع بنتها. هو وآخرون التقوا هناك للعشاء قبل الذهاب الى السينما لرؤية فيلم كوميدي. المرأة العجوز جرى تجاهلها، تجلس بصمت في كرسيها. هي لا تستطيع المشاركة في الطعام بسبب مشاكلها الهضمية. كامو يشفق عليها ويحاول التحدث اليها. بعد ذلك، يظل مدركا باستمرار لوجودها الصامت في الغرفة. عندما تستعد المجموعة للمغادرة، هو يهز يد المرأة المسنة. هي سوف لن تدعه يغادر، هي تبكي، لا تريد ان تُترك وحيدة. لكنهم بالفعل يتركونها. في الخارج، هو ينظر الى الأعلى من الشباك ويرى الضوء قد انطفأ. بنتها تعلن ان أمها تفضل الجلوس في العتمة عندما تكون وحيدة.
في المقال، كامو أيضا يقدم وصفا مختصرا لشخصيتين أخريين مسنين: رجل مسن لا احد يستمع له في الحانة ومعه جدّته. الرجل المسن يحاول باستمرار الانتباه للرجال الشباب في الحانة. هو يحكي قصة ويكثّف حركاته التهريجية لجذب انتباه الناس. كل واحد، بمنْ فيهم الرجل العجوز، يشعرون بالحرج المتزايد من جراء تصرفه. كامو أيضا يناقش سلوك جدته الهستيري والمتسلط، وبالذات خوفه من الظهور كأنه غير صادق عند البكاء في جنازتها: وهي الفكرة المركزية في (الغريب).
بين نعم ولا
كامو في مقهى مغاربي في الجزائر العاصمة. الوقت مساءً، وهو يتأمل في الذاكرة والسعادة. رجل عربي مسن يجلس القرفصاء عند المدخل، أنفاسه تبدو تتناغم مع أصوات البحر. كامو يشكل انطباعا في اللامبالاة السلمية للكون. تأتي الى الذهن ذكريات من الطفولة. هو يتذكر العيش في حي فقير، الظلام في بيته المعتم، والخوف من الصراصير التي تتسلل ليلا. هو يتذكر امه تجلس بصمت في كرسيها. الناس يسألون ما الذي تفكر فيه، وهي تجيب بصدق "لاشيء". هو يتذكر محدقا في امه الصامتة ويشعر باحساس هائل بالشفقة نحوها. هو يتساءل: "هل هذا نفس الشيء كالحب لها؟" كامو أيضا يتذكر جدته التي نجدها في المقالة السابقة. هذه الذكرى خاصة السوط الذي كانت تحمله لفرض الانضباط في بيتها. "لا تضربهم في الرأس"، هذا كل ما قالته والدته عندما استخدمت والدتها السوط ضد كامو وشقيقه.
وهو جالسا في المقهى، يقارن كامو لامبالاة العالم حوله مع لامبالاة امه. هو لا يشعر بالندم او الخسارة او الحب ولا في السعادة عند الفكرة. هو ببساطة يشعر بالحياة، في اللحظة بين نعم ولا. أفكاره تتحول الى رعب. هو يتذكر المجيء الى البيت ليكتشف ان امه هوجمت من جانب غريب، وقطة مات صغارها وتعفنوا الواحد تلو الاخر. هو يتذكر القطة جاثمة بلا حراك، تشاهده وهو ينظف صغارها المتفسخين.
أخيرا، هو يتذكر شيئا عاديا، محادثة محدودة بينه وبين الام المسنة. كل هذه الذكريات هو يمارسها بحكم معلّق، بين التأكيد والرفض. بين نعم ولا.
موت في الروح
المقالة تبدأ بوصول كامو الى براغ. هو يبعد الاف الأميال عن وطنه، لا يتحدث اللغة، ويجب ان يبقى وحيدا، مع القليل جدا من النقود لمدة أسبوع تقريبا قبل ان يلتحق به أصدقائه. هو ينجح في العثور على فندق يبدو في حدود قابليته المالية لكن عند رؤية الغرفة يشعر بالإستياء حين يكتشف انها تكلّف مرتين ما متوفر لديه في الميزانية. الان، هو يجب ان يوفر في مصروفاته. وفي بحثه عن مكان رخيص للغداء، يجد كامو مكانا في قبو مظلم ترتاده البغايا. وكونه غير قادر على فهم قائمة الطعام، هو يطلب عشوائيا وينتهي بطعام من العصيدة ولحم مغطى بالكمّون. احدى البغايا نوديت الى الطاولة، وكامو يشتري لها مشروبا.
في الأيام القليلة القادمة، يعود كامو الى نفس المطعم لأنه على الأقل مألوف له، وانه جرى الترحيب به بإيمائة او ابتسامة. كامو يحاول ان يملأ أيامه ولكن بدون التحدث بلغة وكونه دائما وحيدا، هو يشعر منفصلا عما يحيط به. في احد الأيام، هو يكتشف ان رجلا في الغرفة المجاورة له وُجد ميتا. ليس انتحارا وانما مسناً. مات وحيدا.
هنا في هذه اللحظة، كامو يلتحق به صديقه. بعد وقت قصير، هما يسافران سويا الى إيطاليا. هنا، يبيّن كامو تناقضا صارخا بين تجربته وحيدا في مدينة براغ الكئيبة وبين أصدقاء في مدينة فيتشتزا المشمسة. الان، عندما يتأمل كامو بكلا التجربتين، "كلاهما عزيزتان على قلبي، وانا أجد من الصعب فصل حبي للضوء والحياة عن ارتباطي السرّي بتجربة يأس حاولت وصفه". نحن نرى بوضوح، هنا، كلا جانبي العملة.
حب الحياة
هذه المقالة تدور أحداثها في بالما. كامو في مطعم صغير زُينت جدرانه بأكاليل وردية وبمصابيح اضاءة حمراء صغيرة في السقف. وبالرغم من حجم المكان، فهو يحتوي على أوركسترا وبار مجهز جيدا. المطعم مكتظ بالزبائن كتفا الى كتف. في طاولة كامو ضابط بحري ثمل، و"قزم لا يشيخ"، وآخرين. هناك صوت الصنجات، وامرأة ضخمة في بداية العشرينات من العمر تظهر على المنصة. هي تؤدي رقصا مثيرا لقي استحسانا كبيرا من الزبائن. كامو يعتبرها رمزا للحياة ذاتها. كامو بعد ذلك يتأمل كيف ان السفر الى الخارج يحرمنا من راحة المألوف والمعتاد. هو يشير الى "تجريده من الدعائم" و "حرمانه من الأقنعة". هو يقارن بين الاثارة الرومانسية الناتجة عن السكر في الحانة والهدوء السلمي الذي يشعر به في الجلوس في رواق دير بازيلكا في سان فرانسسكو. هنا، المحيط المجاور المثالي أيضا يوفر رموزا للحياة ذاتها. ما هو مهم للملاحظة هو ان كامو لا يعطي توضيحات. فمثلا، هو لا يقول لماذا او كيف ترمز المرأة الراقصة في البار او الحمام الذي يرفرف باجنحته فوق الكاتدرائية الى الحياة.
قضية كامو هي ان هذه الأشياء لا تجيب على أسئلة حول الحياة وانما تجعل تلك الأسئلة لا لزوم لها. هو أيضا يلاحظ الطبيعة الزائلة للتجربة واستحالة جعل العالم ملكا للمرء. نحن نستطيع أيضا ملاحظة العديد من المواضيع المتكررة: التباين في التجارب، عدم القدرة على التعبير وفهم العواطف القوية، الاغتراب والانفصال عن الحياة، الاثارة الرومانسية والموت، مرور الزمن، وتعليق الأحكام (كونه بين نعم ولا).
الجانب الخطأ والجانب الصحيح
المقال الأخير من المجموعة يعرّفنا على امرأة "وحيدة" و "غريبة". نحن نشعر انها تؤمن بانها في اتصال وثيق مع عالم الروح. هي تتجنب حتى أعضاء عائلتها الخاصين الذين "لهم سمعة سيئة" في العالم الآخر. القصة تبدأ بهذه المرأة التي تستلم تركة قدرها خمسة الاف فرنك من اختها. هذه النقود تثبت انها مصدر ازعاج اكثر من ان تكون نعمة. الثروات الصغيرة يصعب التعامل معها مقارنة بالكبيرة. مشكلة إضافية هي ان المرأة تقترب بالفعل من نهاية حياتها وبهذا فان أي استثمار طويل الأجل سيكون بلا معنى لها.
الحل يأتي من توفر فرصة لشراء عقد ايجار منتهي الصلاحية في المقبرة المحلية. مقابل أربعة الاف فرنك عُرضت عليها قطعة ارض كاملة مع قبر من الرخام الأسود. المرأة قررت الشراء وقامت بتجهيز الجزء الداخلي من القبر ليكون جاهزا لإستقبال بقاياها عندما يحين الوقت. هي أيضا جعلت اسمها محفورا على الرخام الأسود بحروف ذهبية. في كل يوم احد، المرأة المسنة "تزور ذاتها"، تدخل قبرها وتركع وحيدة على المذبح. انها وسيلة الترفيه الوحيدة لديها وهو الوقت الوحيد الذي تغادر به بيتها. في احدى المناسبات، هي تصل الى المقبرة لتكتشف ان شخصا ما وضع زهورا على قبرها. شخص رقيق، طيب القلب، شاهد قبرا غير مزيّن بالزهور، ترك بعض مما لديه. لجميع الأغراض والمقاصد، هذه المرأة التي زارتها كل يوم احد هي ميتة سلفا، في ذهنها واذهان الاخرين. هذه القصة الأخيرة لمرأة مسنة مهملة، وحيدة في نهاية حياتها، تشكل خاتمة للمجموعة.
***
حاتم حميد محسن
....................
Albert Camus’s Early Philosophy in the wrong side and the right side, The collector, April 22,2026







