قراءات نقدية
فؤاد لوطة: قراءة في رواية "الموتشو" لحسن أوريد
ليست رواية «الموتشو» لحسن أوريد عملًا سرديًا بالمعنى التقليدي، بل هي أقرب إلى مرآة نقدية حادّة تعكس أعطاب الواقع العربي في مرحلة ما بعد الربيع العربي. فمن خلال حكاية متخيلة وشخصيات مثقلة بالأسئلة والهويات المتشابكة، يضع أوريد القارئ أمام تجربة وجودية قاسية، عنوانها الإخفاق، وموضوعها الإنسان العربي العالق بين حلم التغيير وواقع الانسداد.
في «الموتشو»، لا تحضر الرواية كوسيلة للترفيه، بل كفضاء للمساءلة، حيث يتحول السرد إلى فعل تفكير، وتغدو الشخصيات أدوات رمزية لفهم ما آل إليه مشروع النهضة العربية، ولماذا أخلف الموعد مرة أخرى.
تندرج رواية «الموتشو» لحسن أوريد ضمن الأعمال السردية التي تتجاوز حدود الحكاية إلى مساءلة الواقع العربي في أكثر تجلياته تعقيدًا. فهي رواية «كذب صادق» بتعبير صاحبها، إذ تستثمر التخييل لا للهرب من الواقع، بل لكشف تناقضاته العميقة، واستنطاق مسكوتاته السياسية والثقافية والهوياتية.
يلفت عنوان الرواية الانتباه منذ الوهلة الأولى، لأنه لا يحيل مباشرة إلى مضمونها، بل يشتغل بوصفه عتبة رمزية مضلِّلة/كاشفة في آن واحد. فـ«الموتشو» ليس مجرد لقب، بل بنية دلالية كثيفة تختزن معنى الاختلاف، والتفرّد، والالتباس، وهي صفات تنسحب على الشخصية المحورية كما على العالم العربي الذي ترمز إليه.
فالموتشو، واسمه الحقيقي أمين الكوهن، شخصية مشبعة بالتناقض: يهودي الأصل، عربي الانتماء، يساري التوجه، قومي الوجدان، ومناضل في حركة 20 فبراير. هذا التركيب الهوياتي المعقّد يجعل منه مرآة لتمزق الذات العربية المعاصرة، العالقة بين التاريخ، والواقع، والحلم المؤجل.
لا تخفي الرواية انشغالها العميق بإخفاق الربيع العربي، وتحديدًا تجربة حركة 20 فبراير، التي شكّلت أفقًا للتغيير قبل أن تنتهي إلى الإحباط. فالموتشو هو ابن هذه اللحظة، تشكّل وعيه داخلها، واكتوى بانكساراتها، ليصبح نموذجًا لجيلٍ راهن على التحول الديمقراطي، فوجد نفسه أمام انسداد تاريخي جديد.
من الناحية البنيوية، اعتمد حسن أوريد بناءً سرديًا متعدّد الأصوات، تتقاطع فيه الشخصيات دون أن تذوب في صوتٍ واحد. فالرواية لا تقدّم حقيقة مطلقة، بل تتيح لكل شخصية أن تترافع عن تصورها للعالم، مما يكرّس الطابع الحواري للنص، بالمعنى الذي قصده ميخائيل باختين.
تكتسب شخصية بنيس أهمية رمزية خاصة، رغم غيابها الفعلي عن مسار الأحداث. فالرجل الراقد في غيبوبة إثر حادث سير يمثل جيلًا من المثقفين العرب الذين أدركوا عمق الأزمة، لكنهم انتهوا إلى العجز واليأس. الغيبوبة هنا ليست حالة طبية فقط، بل استعارة كبرى لشلل الوعي العربي.
في مقابل هذا السكون، تتحرك شخصية الموتشو في فضاء الرواية بوصفها قوة دينامية، تحاول الفعل والتأثير، لكنها تصطدم باستمرار بجدران الواقع. هذا التوتر بين الحركة والسكون يعكس الصراع بين جيلين: جيل انهكته الخيبات، وجيل ما زال يراهن — ولو بوهم — على التغيير.
تبرز شخصية نعيمة بلحاج، الطبيبة المعالجة لبنيس، بوصفها عنصرًا إنسانيًا وأخلاقيًا في النص. فهي تمثل صوت العقل والرحمة، وتحيل رمزيًا إلى إمكانية الشفاء، وإن كان مشروطًا. علاقتها بأمين لا تخلو من التوتر، لكنها تكشف عن حاجة الذات المنكسرة إلى سند إنساني وسط الخراب.
في المقابل، تجسّد شخصية إستير كوهن البعد الصهيوني في الرواية، ليس بوصفه خطابًا سياسيًا فقط، بل باعتباره بنية ذهنية وثقافية. فاستدعاء الهولوكوست، والدفاع عن «أحقية» إسرائيل في الأرض، يضع القارئ أمام صراع سردي حاد بين الذاكرة والحق، بين المأساة والتبرير.
أما شخصية محند امزيان، المثقف الأمازيغي، فتمثل بعدًا آخر من أزمة الهوية، قوامه «جرح الاعتراف» والتهميش الثقافي. غير أن أوريد لا يقدمه في صورة انعزالية، بل كمثقف منفتح على المشترك الإنساني، وهو ما يجنّب الرواية السقوط في خطاب الهويات المغلقة.
زمن الرواية محكوم بإطار تاريخي دقيق (2018–2019)، وهو زمن التحولات الكبرى والانكسارات الرمزية، من اغتيال خاشقجي إلى انسداد الأفق السياسي العربي. هذا التحديد الزمني يمنح النص طابعًا توثيقيًا، دون أن يفقده بعده التخييلي.
أما المكان، وعلى رأسه مدينة الدار البيضاء، فيؤدي وظيفة سيميائية واضحة، بوصفه فضاءً للتناقضات الاجتماعية والفكرية. فالمستشفى، والجريدة، والمقهى، ليست مجرد أمكنة محايدة، بل بؤر للصراع وإنتاج المعنى داخل السرد.
لغويًا، يزاوج أوريد بين العربية الفصحى والدارجة المغربية، بما يخدم واقعية الحوار، ويعكس تنوّع الخلفيات الثقافية للشخصيات. هذا التعدد اللغوي ينسجم مع الرؤية العامة للرواية، التي تقوم على الاختلاف لا على التوحيد القسري.
تعتمد الرواية على شبكة من الاستعارات المركزية، أبرزها استعارة الغيبوبة، والرحلة، والتشظي الهوياتي. وهي استعارات تمنح النص عمقًا فلسفيًا، وتفتح أفق التأويل أمام القارئ، وفق منظور هيرمينوطيقي يجعل المعنى في ترحال دائم.
لا تخفي الرواية نزعتها النقدية الحادة تجاه النخب العربية، والجامعة، والإعلام، وما سماه أوريد بـ«الضحالة الفكرية». غير أن هذا النقد لا ينزلق إلى التبسيط أو الإدانة الأخلاقية، بل يُصاغ ضمن رؤية معرفية تحفر في الجذور لا في الأعراض.
في الختام، يمكن القول إن رواية «الموتشو» تشكّل إضافة نوعية للمشهد الروائي العربي، لأنها لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تجعل من الرواية فضاءً للتفكير في المصير العربي، وفي أسئلة الهوية، والحرية، والتغيير. إنها رواية تُزعج القارئ أكثر مما تُرضيه، وتلك إحدى علامات الأدب العميق.
***
فؤاد لوطة - كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية






