عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: قراءة في مركزية النقد.. من خلال الأعداد الأولى لجريدة المنتقد

فرش إشكالي: في البدء كان السؤال، ثم كان النقد عنواناً للحقيقة وشرطاً لكل ثورة. فالأمم التي تكف عن مساءلة واقعها ونقده، وتستبدل التأمل بالصخب، لا تصنع حضارة ولا تورث مجداً، بل تغدو ظلاً باهتاً وخبراً من أخبار التاريخ.

حين نستعيد اليوم، بعد قرن كامل، تجربة جريدة «المنتقد» (1925)، فإننا لا نستعيد مجرد صحيفة صدرت في زمن استعماري مظلم، بل نستعيد لحظة وعي فلسفي نادرة، تجرأت فيها نخبة من الشباب الجزائري على أن تُعلن النقد مشروعاً لا مجرد مزاج، وأن تجعل منه أساساً للنهضة، وركناً من أركان البناء الحضاري.

النقد في المشروع الباديسي لم يكن تنظيراً عابراً في معزل عن الممارسة؛ كان رؤية للوجود وللاجتماع الإنساني. إنه فعل ثلاثي الأبعاد: رؤية سياسية تحدد الواقع وتفككه، وإرادة تهذيبية تعيد بناء الإنسان الذي استهلكه الاستبداد والجمود، ومنهج عقلي وأخلاقي يضبط إيقاع التغيير ويحميه من الانزلاق إلى فوضى الانفعالات. وكأن ابن باديس ورفاقه أدركوا، في لحظة تأسيسية، أن الضوضاء التي تحدثوا عنها هي ذاتها طوفان العواطف غير المروَّضة حين تختلط بالجهل، وأن الملوكية بكل تجلياتها تبدأ من لحظة تعطيل النقد في العقول قبل أن تترسخ في مؤسسات الدولة. لذلك قدموا لنا، في بضعة أعداد من جريدتهم، نموذجاً تطبيقياً نادراً: كيف نبني العقل الناقد بالقدوة؟ وكيف نُعرّي الاستبداد بمنطقه هو؟ وكيف نمارس النقد بوصفه خدمة للحق والوطن لا عداوة للآخرين؟

من خلال هذا المقال سنحاول الامساك بتلك اللحظة الفلسفية التأسيسية واستنطاقها. وسنقرأ المبادئ الثلاثة الكبرى التي أعلنتها الجريدة في عددها الأول قراءةَ من يبحث عن الأسس لا عن الشعارات. ثم نتتبع تجلياتها في نصوص العددين الثاني والثالث، إننا بإزاء مشروع لم يكتمل لأنه توقف عند العدد الثامن عشر، لكنه بقي حياً لأنه أودع في الضمير الجزائري سؤالاً لا يموت: كيف ننتقد لنحيا؟

العدد الأول: العقد النظري للمشروع النقدي

حين نفتح العدد الأول من «المنتقد»، لا نواجه مجرد افتتاحية صحفية، بل نواجه وثيقة تأسيسية تعلن وعياً نظرياً متكاملاً. لقد اختارت الجريدة أن تعرّف نفسها للقارئ منذ اللحظة الأولى: «جريدة سياسية تهذيبية انتقادية». هذه التسمية ليست وصفاً عابراً، بل هي إعلان عن بنية فكرية محكمة، يتكامل فيها النقد مع التهذيب والسياسة في مثلث لا يقبل التجزئة (المبدأ السياسي، المبدأ التهذيبي، المبدأ الانتقادي).

المبدأ السياسي

المبدأ السياسي في العدد الأول، هو نص استراتيجي من ثلاث طبقات متداخلة، تشكل معاً نظرية متكاملة في الفعل السياسي النقدي. إنها الطبقات التي تصنع موقفاً لا مجرد رأي.

الطبقة الأولى: فيها تأكيد على ان الهوية مصدر للقوة المعنوية « فلأننا مسلمون » ليست عبارة تعصب، بل هي إعلان عن مورد ذاتي لا يُنزع: الدين بوصفه «قواماً» أخلاقياً و«قوة عظيمة لا يستهان بها». ابن باديس هنا لاينطلق من نقطة ضعف بل من قوة الاعتزاز بالإسلام وهو لا يضع الدين في مواجهة الدولة، بل يؤسس لتمييز منهجي: «لا نعني بهذا أن نخلط بين الدين والسياسة... ولا أن يتداخل رجال الدين في سياستنا». هذا تمييز نقدي دقيق: يحول الدين الى مصدر للقيم وللتماسك، لا أداة للحكم الثيوقراطي. إنه يريد أمة متماسكة الضمير، لا دولة رجال دين.

الطبقة الثانية: القومية كإرادة للنهوض – « ولأننا جزائريون» ينتقل من البعد الروحي إلى البعد الوطني. «لم شعث الأمة الجزائرية» و«إحياء روح القومية» انه يؤسس لمشروع للاستقلال الحضاري. يربط فيه بين القومية والنهوض المعرفي يخاطب الأمة الجزائرية من خلال: «ترغيبهم في العلم النافع والعمل المفيد». وهنا يظهر النقد الخفي: الأمة الجزائرية ليست «ضعيفة ومتأخرة» لأنها تفتقر إلى الموارد، بل لأنها لم تستكمل وعيها بذاتها كأمة لها «حق الحياة والانتفاع في العالم». وهو يربط هذا الحق بواجب: «خدمة الإنسانية».

الطبقة الثالثة: الاستعمار كتناقض يجب كشفه – « ولأننا مستعمرة» وهنا تكمن العبقرية النقدية. لا يقول: «نحن ضد فرنسا»، بل يقول بالحرف: «نسعى لربط أواصر المودة... وتحسين العلائق». لكنه يتابع فوراً بما يشبه التقرير القانوني: «إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها نحو فرنسا في أيام عسرها ويسرها... ومع الأسف لم نرَ الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون جزاءها». هذا هو النقد بالمبدأ: أنتِ، أيتها الجمهورية، تدَّعين «الحرية والمساواة والأخوة»، ونحن نطالبك بهذه المبادئ تحديداً: «رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم... وتشريكنا تشريكاً صحيحاً سياسياً واقتصادياً». إنه يُلزم فرنسا بمنطقها، لا بمنطقه هو.

ثم تأتي الجملة الأخطر: «لقد قامت فرنسا بما يناهز القرن في الجزائر... غير أنها – ويا للأسف – ليست لها تلك الأيادي ولا نصفها في تحسين حال الأهالي العلمي والأدبي». إنه يشهد بالمنجز المادي (الأمن، العمران، الاقتصاد) لينزع عنها شرعية الفراغ الروحي والعلمي الذي تركته. ثم يضع يده على الجرح النرجسي لفرنسا: «مع الذي يناسب سمعة فرنسا ومبادئها». والخيط الناظم هنا هو: «الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء» فالمبدأ السياسي ليس مهادنة ولا استسلاماً، بل هو نقد استراتيجي يُمسك المستعمِر من لسانه. إنه يترجم الشعار المؤسس إلى خطة عمل: الحق (المبادئ المعلنة) يُوضع فوق كل أحد (بما في ذلك الدولة المستعمِرة)، والوطن (الجزائر كأمة حية) يُوضع قبل كل شيء (بما في ذلك المصالح الضيقة). إنه نقد يرفض أن يكون ضجيجاً، ويختار أن يكون مرافعة عقلية وأخلاقية. وهكذا، يتحول «المبدأ السياسي» من مجرد بند في افتتاحية، إلى مختبر للنقد التأسيسي.

المبدأ التهذيبي

إذا كان المبدأ السياسي قد حدد ساحة المواجهة ورسم استراتيجية النقد من الداخل، فإن المبدأ التهذيبي يجيب عن سؤال أعمق: من هو الإنسان القادر على هذه المواجهة؟ وأين يُصنع؟ الجواب في هذا النص الذي ينقلنا من معركة السياسة إلى معركة الوعي. إنه ليس دعوة وعظية إلى «الأخلاق»، بل هو نظرية نقدية متكاملة في بناء الذات القادرة على النقد. حيث يبدأ النص باستعارة أنثروبولوجية دالة: «كما تحتاج الأبدان إلى غذاء من المطعوم والمشروب كذلك تحتاج العقول إلى غذاء من الأدب الراقي والعلم الصحيح». هذه ليست بلاغة، بل موقف فلسفي. ذلك ان الدماغ ليس آلة جاهزة، والعقل كملكة تفكير كائن حي ينمو أو يضمر، يُغذَّى أو يُجوَّع. والمشروع الإصلاحي كله يقوم على هذه الفرضية: أن العقول الجزائرية قد جُوِّعت زمناً طويلاً بالجهل والخرافة، وأن النقد لا يمكن أن ينبت في تربة جدباء. فأن تُغذّي العقول معناه أن تصنع الشروط الحيوية لإمكان النقد ذاته. ثم ينتقل النص من الفرد إلى الجماعة: «ولا يستقيم سلوك أمة وتنقطع الرذيلة من طبقاتها وتنتشر الفضيلة بينهم إلا إذا تغذت عقول أبنائها بهذا الغذاء النفيس». هنا يكشف النص عن منطقه النقدي العميق: المشكلة ليست في «الرذيلة» فقط، بل في أنها عرض لمرض أعمق هو سوء تغذية العقول. إصلاح الأمة لا يكون بتكثير الوعاظ، بل بتغيير «نظام الغذاء العقلي» كله. وهذا نقد مزدوج: نقد للرذيلة الظاهرة، ونقد للتصور الساذج الذي يظن أن محاربتها تكون بالخطاب وحده. وذلك بالانفتاح كممارسة نقدية: «من صحف الشرق والغرب وأقلام كتاب الوطن وهنا يأتي أحد أخطر أبعاد هذا المبدأ: «فنحن ننشر المقالات العلمية والأدبية وكل ما يغذي العقول من منظوم ومنثور من صحف الشرق والغرب وأقلام كتاب الوطن». هذا الانفتاح على «الغرب» هو في ذاته ممارسة نقدية في وجه موقفين: موقف المنغلقين الذين يرون في الانفتاح خيانة، وموقف المستعمِر الذي يحتكر العقل والعلم. ولا يتحقق هذا الهدف الا من خلال تفكيك الخرافة ونقد الذات ومقاومة «البدع التي أدخلت على الدين «نحارب بالخصوص البدع التي أدخلت على الدين الذي هو قوام الأخلاق فأفسدته». هذا نقد ذاتي موجع وضروري. ثم يختم النص بقاعدة منهجية جامعة: «فلسنا مع الجامدين في جمودهم ولا مع المتنطعين في طفرتهم وتنطعهم والوسط العدل هو الذي نؤيده وندعو إليه». وهو موقف نقدي بالغ الصعوبة: أن تنتقد فريقين في آن، وأن ترفض أن تكون أسير ثنائية «التراث ضد الحداثة». فالنقد الباديسي هنا جدلي: يحفظ من التراث ما كان «حسناً وموافقاً لحالنا»، ويأخذ من الغرب ما كان صالحاً، ويرفض من التراث ما كان بدعة، ومن الغرب ما كان «قبيحاً أو مبايناً لمجتمعنا». إنه نقد مستمر، لا يستريح إلى جاهزية أي جواب.

المبدأ الانتقادي

لعل أخطر ما في هذه الوثيقة التأسيسية هو التعريف الدقيق لمجال النقد. لقد حدد ابن باديس مبدأه الانتقادي بقاعدة منهجية صارمة: النقد يتوجه إلى الأعمال العامة والأدوار التي يباشر بها الأفراد شؤون الأمة، لا إلى أشخاصهم في خصوصياتهم. يقول النص بوضوح لافت: «فأما صفاتهم الشخصية وأعمالهم الخاصة فلا... لا يجوز لنا أن التعرض لها بشيء». وفي هذا الضابط يكمن سر الفعل النقدي الباديسي كله: إنه نقد مؤسساتي ووظيفي، لا تشهيري ولا شخصي. ثم يضيف قاعدة إجرائية: «فإذا نظر من الناس إلى أعمالهم لا إلى أشخاصهم». هذه القاعدة هي التي تفسر لماذا استطاعت «المنتقد» أن تنتقد الحكام والقضاة والعلماء دون أن تتحول إلى ساحة للتصفية، ولماذا قال ابن باديس لاحقاً لأحد منتقديه: «تخطأ الخطأ الفاضح إذا توهمت أن المنتقد عدو أحد». النقد هنا محكوم بأخلاق تجعله ممكناً ومحمياً من الانزلاق.

وحدة السياسي والتهذيبي والانتقادي

لا نقرأ هذه المبادئ الثلاثة قراءة صحيحة إذا تصورناها ثلاثة أقسام منفصلة. إنها في الحقيقة طبقات متداخلة في بناء واحد: السياسي يحدد الموقع ويصف الداء، والتهذيبي يبني الذات التي ستتصدى للداء، والانتقادي يضبط الأداة التي ستستخدمها تلك الذات في فضاء السياسة. إنها دورة متكاملة: لا سياسة بلا إنسان مهذب، ولا تهذيب بلا قدرة على نقد الذات والواقع معاً، ولا نقد بلا أخلاق تحميه من التحول إلى إرهاب فكري أو «ضوضاء» (كما سيأتي في العدد الثالث).

وهكذا، يخرج العدد الأول من كونه مجرد تصدير لصحيفة، ليصبح عقداً نظرياً يحدد بدقة: لماذا ننتقد؟ (للحق والوطن)، ماذا ننتقد؟ (الأدوار العامة المختلة)، وكيف ننتقد؟ (بالتمييز بين العام والخاص، وبالبناء التهذيبي الموازي). وما الأعداد التالية إلا تجسيد عملي لهذا العقد، كما سنرى في المحاور القادمة.

المبدأ التهذيبي من منظور مقال «عظماء الرجال وشغف الناس بهم»

إذا كان العدد الأول قد أعلن أن العقول «تحتاج إلى غذاء من الأدب الصحيح والعلم الصحيح»، فإن العدد الثاني قدم لنا، دون ضجيج، نموذجاً تطبيقياً لهذا الغذاء في أسمى صوره: النقد بالقدوة. في مقاله «عظماء الرجال وشغف الناس بهم»، لم يختر محمد التهامي التيضامي (الترجمان) أن يكتب مقالاً مباشراً في ذم الجهل أو التقليد أو الجمود، بل اختار – بتوجيه من روح المشروع الباديسي – أن يبني عقلاً ناقداً بطريق غير مباشر: أن يضع أمام القارئ نماذج إنسانية رفيعة، ويدعوه إلى التأمل والمحاكاة. وفي هذا الاختيار تكمن عبقرية الدرس النقدي الأول.

لقد أدرك المشروع الباديسي مبكراً أن الإنسان لا يعيش بلا قدوة. فإذا أفرغت عقله من القدوة المنحطة، ولم تملأه بقدوة سامية، بقي في فراغ روحي وعقلي يملؤه أول ناهب. لذلك لم يمارس النقد هنا بوصفه هدماً للموروث الفاسد وحده، بل بوصفه بناءً لنسق بديل كامل من النماذج. يقول المقال: «المرء في قطع أدوار حياته لا يكتفي بمجالسة أقرانه... بل يحاول ما هو أرفع من ذلك وأنفس... يحاول التشبه بعظماء الرجال الذين ابتهج بهم التاريخ». هذه فلسفة نقدية كاملة: أن تُخرج الإنسان من أفق المألوف المنحط إلى أفق العظمة الإنسانية؛ وحين يفعل، يصبح قادراً تلقائياً على نقد واقعه لأنه صار يمتلك معياراً أعلى يقيس به.

ان النقد بالمقارنة الحضارية من أخطر ما في هذا المقال فهو يمارس النقد بالمقارنة الحضارية الواثقة، لا بالعزلة المنغلقة. إنه لا يخشى أن يضع في قائمة «العظماء» سقراط وأفلاطون ونيوتن وديكارت وباستور إلى جوار الفارابي وابن سينا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهذا التجميع ليس سذاجة انبهار بالغرب، بل هو نقد مزدوج: نقد للذات التي تظن أن العظمة وقف على أجدادها وحدهم فتركت إلى الماضي، ونقد للاستعمار الذي يدَّعي احتكار الحضارة. كأن المقال يقول للقارئ: العظمة الإنسانية مشاع، فخذ منها ما يبنيك، وقس عليها واقعك لترى تخلفه. وهكذا يصبح الانفتاح الواعي شرطاً للنقد، لا استلاباً. ولم يمارس المقال نقده للواقع في الفراغ، بل وجه بوصلته نحو الفئة الأكثر قابلية للتشكل: الشباب. يقول: «إذا كانت هكذا أهمية التشبه بعظماء البشر عند مطلق الناس فما عسى أن تكون عند الأولاد الصغار خاصة؟» ثم يحلل: «لأن حبه لذاته لم يأخذ وقتئذ ما أخذه منه... ولأن مخيلته فائضة على جميع مشاعره». هنا يكتمل الدرس النقدي: النقد ليس مجرد تشخيص لعلل الحاضر، بل هو رهان على المستقبل. إن توجيه النقد إلى عقول لا تزال لينة قابلة للتشكيل أجدى من الصراخ في آذان صماء. إنها استراتيجية النقد البعيد المدى، الذي يزرع اليوم ليحصد بعد جيل. ثم يختم المقال بإشارة منهجية بالغة الذكاء: «ولنا والحمد لله تاريخ مفعم بفطاحل الرجال... فسيرة سيدنا عمر مثلاً وحدها كافية». هذه العبارة ليست استطراداً عاطفياً، بل هي ممارسة نقدية موجعة. حين أذكِّر شباب اليوم بعمر، فأنا لا أمجد الماضي لذاته، بل أنقد الحاضرَ الذي لم يعد ينجب «عُمَراً»، وأقول له بصوت خفيض: أين أنت من هذا المعيار؟ وهكذا يتحول التاريخ من مخدر يعطل الهمم إلى معيار نقدي يوقظها.

وبهذا، يكون العدد الثاني قد أنجز أول تطبيق للمبدأ التهذيبي: نقد للواقع المنحط بالقدوة لا بالخطاب المباشر، بناء للعقل الناقد بالتوجيه الهادئ نحو نماذج السموّ، لا بالتوبيخ والتقريع. وهو ما يمهد، منطقياً، للعدد الثالث حيث سيأخذ النقد شكله السياسي الصريح.

المبدأ السياسي من منظور مقال «الملوكية ضمن الجمهورية»

إذا كان العدد الثاني قد علَّمنا كيف ننتقد بالقدوة، فإن العدد الثالث يأخذنا إلى قلب العتمة: نقد السلطة التي تحتكر الحق والمصير. في مقاله «الملوكية ضمن الجمهورية!!»، لا يقدم مبارك الميلي مجرد تحليل سياسي، بل ينفِّذ، بقسوة المنطق ووضوح الرؤية، المبدأَ السياسي الذي أعلنه العدد الأول. إنه يمسك المستعمِر من كلمته، ويكشف عن التناقض الصارخ بين شعار «الجمهورية» وواقع «الملوكية»، في عملية نقد من الداخل تجرِّد الاستعمار من قناعه الحضاري. وتحاصر فرنسا بديمقراطيتها ولفهم العمق الاستراتيجي لهذا المقال، لا بد أن نضعه في سياق التصريح المؤسِّس للعدد الأول: «نعمل لسعادة الأمة الجزائرية بمساعدة فرنسا الديموقراطية». هذه العبارة ليست استجداءً ولا تملقاً، بل هي فخ أخلاقي وقانوني. إنها تقول لفرنسا: أنتِ تدَّعين الديمقراطية، وهذا هو منطق الديمقراطية، فأين أنتِ منه في جزائرنا؟ مقال الميلي هو الجواب الصاعق على هذا السؤال. إنه ينتزع قناع «الجمهورية» ليكشف تحتها «ملوكية» بالية، ويثبت أن الاستعمار لا يحكم الجزائريين بمبادئ الثورة الفرنسية، بل بمنطق القهر الذي يسبق تلك الثورة بقرون. وأولى خطوات النقد الباديسي في السياسة هي التعريف الدقيق. الميلي لا يصف «الملوكية» وصفاً عاطفياً، بل يعرّفها تعريفاً يكشف جوهرها: «نظام بالٍ... يسمح للقائم بحفظه... أن يستبد على الأمة في شؤون حياتها... ولا يسمح للأمة بنقد ما قرر لسعادتها أو شقائها». فالملوكية ليست مجرد حكم فرد، بل هي أي نظام يمنع الأمة من ممارسة النقد على ما يُقرَّر لها. بهذا التعريف، يتحول النقد من كونه حقاً سياسياً إلى كونه حدّاً فاصلاً بين الحرية والاستعباد. الأمة التي لا تنتقد ليست محكومة فحسب، بل هي مستعبَدة وجودياً. ثم ينتقل النقد من التعريف إلى التحليل. الميلي لا يكتفي بوصف القهر الظاهر، بل يخترق الأقنعة ليكشف عن آليات أخطر: إفساد النخبة. يقول: «وقد يكون في الأمة عظماء ذوو اتباع ونفوذ يخشى الملك مخالفتهم... فيلاطف أهواءهم ويسمع أقولهم سماعاً لا يزيد على مقدار تأثيرهم في الأمة». ان الاستبداد لا يحتاج دائماً إلى السوط، بل يكفيه أن يروِّض النخبة بالمناصب، ويمنحها وهماً بالمشاركة، ويفرغ صوتها من أي أثر حقيقي. وهنا يصبح النقد الباديسي نقداً مزدوجاً: نقداً للحاكم المستبد، ونقداً للنخبة التي تقبل هذا الدور المسلوب الإرادة. واهم ما في تحليل الميلي أنه لا يفصل بين البنية السياسية والبنية الحضارية. إنه يربط بين «ضيق المملكة» (أي الاستبداد) ونتيجته الحتمية: «يمد الفقر رقابته لمعاقة تلك الأمة، والفقر والجور أحدق دليل على فساد الاخلاق واحسن معول لهدم صرح المجد وأعطف ريح لاقتلاع أصول المروءة». هذه ليست مبالغة بلاغية، بل قانون حضاري: حيث يُمنع النقد، ينتشر الفساد، ويزول الإنتاج، وتنهار الأخلاق. إنه نقد كلي يرى في غياب النقد السياسي سبباً مباشراً للخراب الشامل، لا مجرد خطأ في أسلوب الحكم. ثم يوجه الميلي نظره إلى الأمة نفسها: «نظام الملوكية هو النظام الواحد الذي عرفه الإنسان الأول لذلك نراهم إذا أنفوا من البقاء تحت دولة وأمكنهم ضعفها من رغبتهم أسسوا نهضتهم على قواعد الملك». هذا نقد ذاتي قاسٍ ومربك: المشكلة ليست في هذا المستبد أو ذاك فحسب، بل في العقلية التي تختزن «الملوكية» كنظام أوحد للحكم، فما إن تتحرر الأمة من مستبد حتى تلد آخر على صورته. وبهذا يصل النقد الباديسي إلى أعمق طبقاته: إنه نقد للبنية الذهنية المنتجة للاستبداد، لا فقط للأشخاص الذين يمارسونه. وهذا هو شرط الإصلاح الحقيقي: أن ننتقد «الملوكية» التي تسكن فينا نحن أيضاً.

وهكذا، يكون العدد الثالث قد أنجز التطبيق العملي للمبدأ السياسي: نقد للاستعمار من داخل نسقه القيمي، تفكيك لميكانيزمات القهر، تحليل للثمن الحضاري للصمت، ونقد ذاتي يمنع المشروع من السقوط في وهم المؤامرة الخارجية وحدها.

أخلاق النقد في الممارسة

بعد أن رأينا كيف تجسد المبدأ التهذيبي في بناء القدوة، وكيف تجسد المبدأ السياسي في تفكيك الاستبداد، نصل إلى السؤال المنهجي الأهم: كيف يُمارس هذا النقد؟ وكيف يحمي المشروعُ الإصلاحي نفسَه من آفة النقد ذاته؛ من أن يتحول إلى «ضوضاء» أو إلى استبداد جديد؟ الجواب في العدد الثالث نفسه، حيث نجد نصين متكاملين: الأول تنظيري، والثاني تطبيقي. معاً، يشكلان «المختبر العملي» للمبدأ الانتقادي.

الأول افهموا ثم إن شئتم فانقموا حيث يضع ابن باديس قاعدة منهجية صارمة. إنه يشخِّص الداء أولاً: «من الناس قوم لا يقرؤون أو يقرؤون ولا يفهمون أو يفهمون ولا يتأملون ثم يسارعون فيغضبون ويصخبون». هذا توصيف دقيق لثلاثية التخلف والتبلد الفكري: الجهل، الفهم السطحي، غياب التأمل. والنتيجة واحدة: «تضيع الحقائق بين هذه الضوضاء». ثم يأتي الدواء في جملة جامعة: «يا هؤلاء السادة إذا أردتم الحق والإنصاف فافهموا ثم إذا شئتم فانقموا». إنه دستور كامل: الأولوية للعقل على العاطفة، وللتأمل على رد الفعل. بل إن ابن باديس يذهب إلى أبعد من ذلك حين يضيف: «فإنكم ربما لو فهمتم لما نقمتم». هذه هي الوظيفة القصوى للنقد الإصلاحي: أن يحل المشكلة من جذورها بإزالة سوء الفهم، لا أن يكتفي بالتعبير الصاخب عن الرفض. وعبقرية ابن باديس لا تكمن في التنظير وحده، بل في أنه يعلِّم بالقدوة. في ركن «ملاحظاتي» من العدد الثالث، ينشر رسالة من أحد القرَّاء، هو السيد «ابن وطاف»، ويعقِّب عليها نقطة بنقطة. هذا الرد القصير هو مصغَّر لكل ما ندَّعيه عن النقد الباديسي.

- أولاً: مبدأ الانفتاح وحرية النقد. ينشر الرسالة «على ما فيها من خلط وغمز وهمز»، لأن المبدأ فوق الشخص. هذا تجسيد لإعلان العدد الأول أن النقد للجميع، وأن «المنتقد» ليست نادياً مغلقاً.

- ثانياً: نقد النقد بالفهم لا بالغضب. يلتقط ابن باديس نقطة سياسية حساسة، وبدل أن يثور أو يسخر، يصحِّح بهدوء: «البت النهائي في المسألة موقوف على ما يقرره مجلس الحكومة». ثم يضيف ملاحظته النقدية اللاذعة ولكن المهذبة: «سياستكم... لا يدركها إلا المحنكون... خصوصاً إذا كانوا في الشهور الأولى من اتصالهم بها وفي نشوة الطرب بمعرفتها». إنه يطبِّق حرفياً: «افهموا ثم انقموا». هو ينتقد خصمه لا لأنه اختلف معه، بل لأنه أصدر حكماً قبل أن يفهم بعمق.

- ثالثاً: نقد الذات والتواضع. الجملة التي قد لا يلتفت إليها كثيرون هي: «لا يستحيل أنكم قد تغلطون». هذا اعتراف ضمني بأن «المنتقد» نفسها ليست معصومة. هذا هو الشرط الأخلاقي الذي يمنع النقد من التحول إلى وصاية: أن تعترف أنك أيضاً تحتمل الخطأ.

- رابعاً: نفي منطق العداوة. ربما كانت العبارة الأهم في الرد كله هي: «تخطأ الخطأ الفاضح إذا توهمت أن “المنتقد” عدو أحد». بهذا يكمل ابن باديس بناء فلسفة النقد: النقد ليس حرباً، وليس تصفية حسابات، وليس بحثاً عن أعداء. إنه خدمة للحق والوطن، حتى للمنتقَد نفسه.

- خامساً: دعوة إلى الاستمرار. وأخيراً، يختم الرد بدعوة السيد «ابن وطاف» إلى معاودة الكتابة، مع «كل إخلاص واحترام». بهذا، يتحول النقد من طقس إقصائي إلى عملية تربوية متواصلة. ابن باديس لا يريد أن يصمت منتقدوه، بل يريدهم أن يصبحوا ناقدين أفضل.

وهكذا، لا يكون العدد الثالث قد قدم نقداً سياسياً للاستبداد فحسب، بل قدم، في الآن نفسه، نموذجاً عملياً لنقد لا يستبد. إنه نقد يمارس على نفسه ما يطالب به غيره، ويحمل في داخله مصلحاته الذاتية ضد «الملوكية» التي قد تتسلل إلى الناقد نفسه.

اليوم نحن نقف، بعد مائة عام من تلك اللحظة التأسيسية، لنطرح السؤال الذي ربما كان ابن باديس يوجهه إلينا من خلال أسطر «المنتقد»: ماذا فعلنا بالنقد؟ لقد رأينا كيف أن المشروع الإصلاحي لم يكتفِ برفع شعار النقد، بل بنى له عقداً نظرياً في العدد الأول، وجسَّده في العدد الثاني بناءً تهذيبياً بالقدوة، وفي العدد الثالث تفكيكاً سياسياً للاستبداد، ثم تكلل كله في العدد الثالث ذاته بدرس تطبيقي في أخلاقيات النقد. أربع حلقات، في ثلاثة أعداد فقط، تكفي لتشييد نظرية متكاملة في النقد الإصلاحي: تعرف لماذا تنتقد، وماذا تنتقد، وكيف تنتقد، والأهم: كيف تحمي نقدك من أن يتحول إلى وبال على صانعيه.

لقد أثبتت قراءتنا التتبعية هذه أن النقد في مشروع ابن باديس لم يكن مجرد «ركن» من أركان الجريدة، بل كان العمود الفقري الذي انتظمت عليه المبادئ كلها. السياسي حدَّد ساحة المواجهة وجرَّد المستعمر من قناعه بمبادئه هو، والتهذيبي بنى الإنسان القادر على المواجهة، والانتقادي ضبط إيقاع المواجهة وحماها من فوضى الانفعال و«الضوضاء». بهذا التكامل تحول النقد من مزاج عابر إلى منهج حياة، ومن سلاح في يد الغاضبين إلى خدمة للحق والوطن.

ولعل إيقاف «المنتقد» عند العدد الثامن عشر، وهو العدد نفسه الذي توقفت عنده «العروة الوثقى»، لم يكن نهاية المشروع، بل كان اكتمالاً لدورته الأولى. لقد أودعت تلك الأعداد القليلة في الضمير الجزائري بذرة نقدية لم تمت، بل انتظرت من يسقيها. وها نحن اليوم، في زمن تسوده «الضوضاء» التي حذَّر منها ابن باديس، وتتجدد فيه «الملوكية» بأقنعة مختلفة، وتضيع فيه الحقائق بين «الغضب والصخب»، نكتشف أن أسئلة «المنتقد» ما تزال أسئلتنا: كيف ننتقد لنحيا، لا لنفني بعضنا بعضاً؟ كيف نمارس نقداً يبني ولا يهدم؟ وكيف نستعيد ذلك النقد التأسيسي الذي كان يرى في الفهم العميق شرطاً للنقمة الراشدة؟

لعل الجواب ما يزال حيث تركته «المنتقد»: في أن نجرؤ على النقد، ولكن بشجاعة العقلاء لا بتهور الغاضبين. في أن نفتح صدورنا للنقد المضاد، كما فتح ابن باديس صدره لرسالة «ابن وطاف». في أن نمارس على أنفسنا النقدَ الذي نمارسه على غيرنا. وفي أن نتذكر، مع كل كلمة نكتبها أو نقولها، قولَ الرجل الذي لم يجعل من «المنتقد» عدوّاً لأحد، بل مرآةً لأمة تريد أن ترى وجهها الحقيقي لتنهض.

***

الأستاذ: عمرون علي