عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: كيف تحولت رواندا

من بلد أنهكته الحروب إلى دولة تهتم بالبناء والتعليم؟

وما الذي يمكن للعراق أن يتعلمه منها؟

رواندا دولة غير ساحلية تقع في شرق وسط أفريقيا، وتُعدّ من أكثر دول القارة كثافة سكانية. نظام الحكم فيها جمهوري رئاسي، والبرلمان من مجلسين. يبلغ عدد سكانها نحو 14.9 مليون نسمة (تقديرات 2026)، وتتكون من ثلاث مجموعات عرقية رئيسية هي الهوتو والتوتسي والتوا، وتتحدث غالبية السكان لغة الكينيارواندا إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والسواحيلية كلغات رسمية.

تُعدّ تجربة رواندا من التجارب اللافتة في تاريخ الدول الإفريقية الحديثة؛ فقد انتقلت، خلال نحو ثلاثة عقود، من الإبادة الجماعية والدمار الاجتماعي عام 1994 إلى مرحلة من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتطوير التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتحديث البنية التحتية. ولم يحدث هذا التحول بين ليلة وضحاها، ولم يكن خالياً من التحديات؛ فقد اجتمعت فيه القيادة السياسية، وإعادة بناء المؤسسات، والاستثمار في الإنسان، والاستفادة من المساعدات والاستثمارات الخارجية، إلى جانب سياسات تثير نقاشاً بشأن الحريات السياسية وحقوق الإنسان.

أولاً: نقطة التحول الكبرى — إبادة عام 1994

شهدت رواندا في عام 1994 إبادة جماعية مروّعة، تُقدَّر أعداد ضحاياها بنحو 800 ألف شخص خلال قرابة مئة يوم، معظمهم من التوتسي، إلى جانب هوتو معتدلين ومعارضين للإبادة. وترتبط جذور المأساة بتاريخ من التمييز والصراع السياسي والإرث الاستعماري، فضلاً عن الحرب الأهلية التي بدأت عام 1990. خرجت البلاد من هذه الكوارث وهي تعاني من:

- انهيار واسع في مؤسسات الدولة والخدمات العامة.

- فقدان أعداد كبيرة من المعلمين والأطباء والموظفين.

- تمزق النسيج الاجتماعي وانعدام الثقة بين فئات المجتمع.

- انتشار الفقر وتضرر المدارس والمستشفيات والبنية التحتية.

كان التحدي الأول هو إعادة بناء دولة قادرة على توفير الأمن والخدمات، ومنع تجدد العنف، وإعادة الحياة إلى مجتمع أصابته صدمة عميقة.

ثانياً: العوامل التي ساعدت على التحول

1.  قيادة سياسية وضعت إعادة بناء الدولة أولوية

بعد انتهاء الإبادة، تولّت الجبهة الوطنية الرواندية السلطة، وأصبح بول كاغامي الشخصية المحورية في قيادة البلاد، ثم رئيساً لها عام 2000. تبنّت القيادة نهجاً يركز على الأمن والاستقرار، وتعزيز الإدارة الحكومية، وتحديد أهداف تنموية طويلة الأجل. وقد ساعدت مركزية القرار والانضباط الإداري على تنفيذ مشاريع الدولة، لكن تركّز السلطة نفسه أثار انتقادات تتعلق بالتعددية السياسية والحريات، وتعزّزت هذه الانتقادات بالتعديلات الدستورية لعام 2015 التي سمحت بتمديد فترات الرئاسة.

2. جعل التعليم أساساً لإعادة بناء المجتمع

أدركت رواندا أن إعادة بناء المدارس وإعداد المعلمين هي الوسيلة الأهم لإعادة بناء الدولة والمجتمع معاً. ومن أبرز الخطوات:

- توسيع التعليم الابتدائي المجاني منذ عام 2003.

- توسيع التعليم الأساسي المجاني ليشمل المرحلة الإعدادية الدنيا عام 2007.

- بناء مدارس جديدة وتدريب المعلمين وتطوير المناهج.

- توسيع فرص التحاق الفتيات بالتعليم.

ووفق تقارير اليونسكو، ارتفعت نسبة إتمام التعليم الابتدائي المقدّرة إلى نحو 69% لدى الفئة العمرية 14–16 عاماً بحلول 2024، مع احتساب المتأخرين عن سن التخرج الرسمي؛ وهو ما يدل على تقدم مهم، مع استمرار تحديات التسرب وجودة التعلّم الأساسي.

3. خطط تنموية طويلة الأجل

أطلقت الحكومة استراتيجية «رؤية 2020» عام 2000، ثم واصلت التخطيط ضمن رؤى واستراتيجيات لاحقة. شملت الخطط تطوير الطرق والكهرباء والاتصالات والخدمات العامة، وتشجيع الاستثمار، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد الكبير على الزراعة. وتكمن أهمية هذه التجربة في أن التنمية لم تُترك لمبادرات متفرقة؛ بل رُبطت بأهداف حكومية وبرامج تنفيذية ومتابعة للنتائج.

4. توسيع الرعاية الصحية والخدمات الأساسية

اتجهت رواندا إلى توسيع الخدمات الصحية، وتعزيز التأمين الصحي المجتمعي، والاستفادة من العاملين الصحيين في المناطق الريفية. وقد أسهم الاستثمار في الصحة والتعليم في تحسين عدد من مؤشرات التنمية البشرية. فالاستقرار لا يتحقق بالأمن وحده؛ يحتاج المواطن إلى مدرسة ومركز صحي وفرصة عمل وشعور بأن الدولة موجودة لخدمته.

5. المصالحة الوطنية ومحاولة تجاوز الانقسامات

عملت الدولة على تعزيز الهوية الوطنية، والحد من الخطاب القائم على الانتماءات الإثنية، واستخدمت المحاكم التقليدية المعروفة باسم «غاكاكا» في معالجة أعداد كبيرة من قضايا الإبادة، إلى جانب المحاكم النظامية. وقد أُشيد بدور «غاكاكا» في تسريع العدالة والمصالحة المجتمعية، غير أنها واجهت انتقادات تتعلق بمدى توافق إجراءاتها مع معايير المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. كما اشتهرت رواندا بمبادرات العمل المجتمعي، ومنها «أوموغاندا»، الذي يشارك فيه المواطنون في أنشطة لخدمة المجتمع. ومع ذلك، فإن المصالحة العميقة تحتاج أيضاً إلى الثقة والعدالة وإتاحة المجال لمختلف فئات المجتمع للتعبير عن تجاربها.

6. الاستفادة من المساعدات الدولية وجذب الاستثمارات

استفادت رواندا من دعم المؤسسات الدولية والجهات المانحة، ومن الشراكات الاقتصادية والاستثمارات الخارجية. وسعت إلى تحسين بيئة الأعمال، وتطوير الخدمات، والسياحة، والمؤتمرات، والتكنولوجيا. وأسهم هذا الدعم في توفير الموارد والخبرات اللازمة للتعافي، لكنه لا يلغي أهمية بناء اقتصاد منتج يوفر فرص العمل ويقلل الاعتماد على التمويل الخارجي.

ثالثاً: هل نجحت رواندا في كل شيء؟

من المهم ألّا نخلط بين التقدم الملحوظ في بناء الدولة وبين اكتمال التنمية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الرواندي حقق نمواً قوياً في السنوات الأخيرة، لكن البنك نفسه ينبه إلى أن خلق الوظائف الكافي واتساع الاستفادة من النمو لا يزالان تحدّيين أساسيين. كما تصنف منظمة «فريدوم هاوس» رواندا ضمن الدول غير الحرة سياسياً في تقاريرها الدورية.

رابعاً: ما الذي يمكن للعراق أن يتعلمه من رواندا؟

أهم ما يستحق التأمل في التجربة الرواندية ليس تقليد نظامها السياسي، وإنما فهم السياسات التي ساعدت مجتمعاً أنهكته المأساة على استعادة قدرته على البناء:

1. تقديم التعليم على المصالح السياسية الضيقة: لأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه بقية مؤسسات الدولة.

2. اعتماد خطط وطنية تمتد لعقود: بحيث لا تتغير الأولويات الأساسية مع كل حكومة جديدة، مع ربط الموازنة بأهداف قابلة للقياس (مثل معدلات إتمام التعليم وجودته، ونسب الوصول إلى الخدمات).

3. اختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والنزاهة: وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.

4. توفير الأمن وسيادة القانون: مع حماية الحقوق والحريات، حتى لا يتحول الاستقرار إلى غياب للصوت المعارض.

5. مكافحة الفساد وتحسين الخدمات: وتوجيه المال العام نحو المدارس والمستشفيات والبنية التحتية وفرص العمل.

6. تعزيز المواطنة والمصالحة الوطنية: وعدم السماح للانقسامات الطائفية أو الإثنية بأن تتحول إلى أساس لتوزيع السلطة والثروة.

هذه المبادئ تتفق مع الدروس العامة المستخلصة من دراسات إعادة بناء الدولة الرواندية، مع ضرورة مراعاة اختلاف ظروف كل بلد وإمكاناته.

الخلاصة

تقدّم تجربة رواندا درساً مهماً: الدول لا تنهض بمجرد انتهاء الحروب، وإنما حين تتحول الأولويات الوطنية من الصراع على السلطة إلى الاستثمار في الإنسان وبناء المؤسسات. لكن نجاح التنمية لا يقتصر على بناء الطرق الحديثة ومعدلات النمو وحدها؛ فالأهم من ذلك هو جودة التعليم، وعدالة توزيع الفرص، وكرامة المواطن، وحرية التعبير، وقدرة المؤسسات على الاستمرار بعيداً عن هيمنة الأفراد.

وربما يكون الدرس الأهم للعراق هو أن موارده البشرية والطبيعية الكبيرة يمكن أن تشكل أساساً لنهضة حقيقية، إذا اقترنت برؤية وطنية واضحة، وإدارة كفؤة، وتعليم جيد، ومؤسسات تحترم القانون، وتضع مصلحة المواطن فوق المصالح الحزبية والشخصية. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف يمكن أن نجعل التعليم وبناء الإنسان والمواطنة أهدافاً ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات؟

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم