اقتصاد المستقبل وأمان المواطن
لم يعد التقدم العلمي محصورًا في اختراع آلة جديدة أو تطوير وسيلة إنتاج تقليدية، بل اتسع ليشمل بناء منظومات رقمية متكاملة أعادت تشكيل طريقة عمل المؤسسات وتواصل المجتمعات وإدارة الاقتصادات. وفي مقدمة هذه التحولات يأتي التحول الرقمي، الذي يوظف الحواسيب وشبكات الاتصال والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وأنظمة الدفع الإلكتروني، لتحويل كثير من الإجراءات التقليدية إلى عمليات أكثر سرعة ودقة ومرونة، متى أُحسن تصميمها وإدارتها وتأمينها.
ولا يقتصر هذا الإنجاز على استبدال الورق بالشاشات أو نقل المعاملات القديمة إلى تطبيقات حديثة، بل يمثل تغييرًا في أسلوب التفكير والعمل واتخاذ القرار. فالمعلومات التي كان الحصول عليها يستغرق وقتًا طويلًا يمكن تداولها خلال لحظات، والمعاملات التي كانت تستنزف وقت المواطن وماله يمكن إنجازها إلكترونيًا، والمشروعات الصغيرة تستطيع الوصول إلى أسواق تتجاوز حدود مدنها ومحافظاتها. وهكذا تتجاوز قيمة التحول الرقمي حدود التقنية لتلامس حياة الإنسان اليومية، وتفتح آفاقًا جديدة للعمل والإنتاج والاستثمار، شريطة اقترانها بالإدارة الواعية والتشريعات المناسبة والثقافة الرقمية المسؤولة.
ومن هنا يبرز سؤالنا: كيف نوظف هذا الإنجاز العلمي والاقتصادي لبناء عراق أكثر كفاءة وازدهارًا، ونحوّل إمكاناته إلى منفعة حقيقية للمواطن والمجتمع، من دون التفريط بأموال الناس أو خصوصية بياناتهم؟
التحول الرقمي.. من الإنجاز العلمي إلى التنمية الاقتصادية
تتجلى أولى فوائد التحول الرقمي في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطن؛ إذ يستطيع إنجاز معاملاته الحكومية والمصرفية بوقت أقل ونفقات أدنى، فيما تتاح أمام الشباب فرص أوسع للعمل عن بُعد، وتسويق المنتجات، وإطلاق المشروعات الصغيرة والوصول إلى أسواق جديدة. وعلى مستوى الدولة، تساعد الأنظمة الرقمية على تحسين إدارة الموارد، ومتابعة الإيرادات والنفقات، وتقليل الهدر، وتعزيز الشفافية، متى اقترنت برقابة فاعلة ومساءلة واضحة.
ولا تتوقف هذه الفوائد عند حدود توفير الوقت والنفقات، بل تمتد إلى تحسين فرص الإنتاج والاستثمار، وتمكين أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى الزبائن بتكاليف أقل، ومساعدة الأفراد على اكتساب مهارات جديدة تفتح أمامهم أبوابًا للعمل والدخل. وبهذا يمكن للتحول الرقمي أن يصبح وسيلة لدعم النشاط الاقتصادي، بشرط أن تتوافر البيئة المناسبة التي تحول الإمكانات التقنية إلى نتائج ملموسة.
العراق أمام فرصة لبناء اقتصاد المستقبل
في العراق، تمثل الاستراتيجية الوطنية الأولى للشمول المالي للفترة 2025–2029 خطوة في اتجاه توسيع وصول الأفراد والشركات إلى الخدمات المالية المناسبة والآمنة، وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وحماية المستهلك. غير أن نجاح هذه التوجهات يتطلب بنية اتصالات موثوقة، وتشريعات تحمي الحقوق، وكوادر مؤهلة، وتدريبًا مستمرًا للمواطنين، مع ضمان وصول الخدمات إلى سكان المدن والمناطق النائية، وعدم استبعاد كبار السن أو ذوي المهارات الرقمية المحدودة.
ولكي تتحول هذه الإمكانات إلى واقع ملموس، ينبغي ربط الخدمات الرقمية بفرص الإنتاج والعمل والاستثمار، وتسهيل إجراءات تأسيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتبسيط المعاملات الحكومية. كما يتطلب الأمر تقييم النتائج بمؤشرات واضحة تقيس الوقت والنفقات التي جرى توفيرها، وجودة الخدمات، ومدى استفادة المواطنين منها؛ فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد التطبيقات التي نطلقها، بل بما تحققه من تحسن في حياة الناس.
ومن الضروري كذلك أن يترافق هذا التوجه مع نشر الثقافة الرقمية بين مختلف فئات المجتمع، حتى لا تتحول الفجوة التقنية إلى عائق جديد أمام الحصول على الخدمات أو فرص العمل. فالدولة التي تسعى إلى بناء اقتصاد رقمي تحتاج إلى الإنسان المؤهل بقدر حاجتها إلى الأجهزة والشبكات والبرامج.
حماية الحسابات الرقمية.. أساس الثقة بالمستقبل
لكن هذا التوسع، على الرغم من فوائده، يضعنا أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن التنمية الاقتصادية، تتمثل في حماية الحسابات والأموال والبيانات الشخصية. ومع انتشار التعاملات الإلكترونية، تبرز مخاطر الاحتيال وسرقة المعلومات وانتحال الهوية، الأمر الذي يجعل الوعي الرقمي وحماية الحسابات ضرورة لا يمكن تجاهلها. فقد يتلقى المواطن رسالة توهمه بوجود مشكلة في حسابه، أو اتصالًا من شخص يدّعي أنه موظف مصرفي، ثم يُطلب منه الضغط على رابط مجهول أو كشف رمز التحقق أو بيانات بطاقته؛ وقد تؤدي الاستجابة لمثل هذه الحيل إلى خسارة أموال يصعب استردادها.
لذلك، ينبغي أن يبدأ الأمان الرقمي من وعي المواطن، باستخدام كلمة مرور قوية ومختلفة لكل حساب، وتفعيل التحقق متعدد العوامل متى توفر، وعدم مشاركة الرقم السري أو رمز التحقق مع أي شخص. كما يجب تجنب الروابط والرسائل المشبوهة، وتنزيل التطبيقات من مصادرها الرسمية، وتحديث الهاتف وبرامجه باستمرار، وتفعيل إشعارات المعاملات المالية ومراجعة حركة الحساب بانتظام. ومن الضروري أيضًا عدم تحويل الأموال استجابة لاتصال يزعم أن ذلك سيحميها؛ بل يجب التحقق من أي طلب عبر التواصل المباشر مع المصرف باستخدام قنواته الرسمية.
ومع ذلك، لا يجوز تحميل المواطن وحده مسؤولية الحماية؛ فالدولة والمصارف ومقدمو خدمات الدفع الإلكتروني مطالبون بتأمين أنظمتهم، وحماية البيانات الشخصية، ومراقبة العمليات المشبوهة، وتوفير قنوات واضحة للشكاوى والإبلاغ عن الحوادث، والاستجابة السريعة عند الاشتباه بسرقة الأموال أو اختراق الحسابات. كذلك ينبغي نشر التوعية الرقمية بلغة مبسطة تصل إلى مختلف شرائح المجتمع، حتى تصبح الحماية ممارسة يومية لا معرفة نظرية فحسب.
إن مستقبل العراق لا يُبنى بالتكنولوجيا وحدها، بل بحسن إدارتها وعدالة توزيع فوائدها وصيانة حقوق مستخدميها. فالتحول الرقمي الناجح هو الذي يوفر وقت المواطن وماله، ويفتح أبواب العمل أمام شبابه، ويرفع كفاءة مؤسسات الدولة، ويحمي مدخرات الناس وخصوصياتهم.
إننا لا نريد عراقًا يمتلك التكنولوجيا فحسب، بل عراقًا يحسن توظيفها لبناء اقتصاده، وخدمة مجتمعه، وصون حقوق أبنائه؛ فالثقة والأمان هما الأساس الذي لا يكتمل بدونه أي تقدم رقمي.
***
بقلم: صبيح الكعبي
.........................
المصادر والمراجع
1. البنك المركزي العراقي، الاستراتيجية الوطنية الأولى للشمول المالي للفترة 2025–2029.
2. البنك المركزي العراقي، تعليمات وضوابط تقنية المعلومات والمدفوعات، ومنها ضوابط الصمود السيبراني للقطاع المالي والمصرفي.
3. وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية (CISA)، إرشادات حماية العالم الرقمي: كلمات المرور القوية، والتحقق متعدد العوامل، والتصدي للتصيد الاحتيالي.
https://www.cisa.gov/secure-our-world
4. لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC)، إرشادات بشأن رموز التحقق والاحتيال المالي.
https://consumer.ftc.gov/consumer-alerts/2024/03/whats-verification-code-why-would-someone-ask-me-it








