أقلام حرة
صادق السامرائي: ثقوبنا السوداء!!
لست بصدد مناقشة نظرية الثقوب السوداء أو نظرية الكم أو لإثبات أن الشيء يمكن أن يكون موجودا في مكانين في وقت واحد عندما يغيب الزمن ويفقد المكان قيمة ارتباطه به ويتحول كل ما في الكون إلى وجود طاقوي فحسب.
والبشر رغم مادية الوجود ومعالم المكان، فانه طاقة ووجود متحرك في فضاءات يحيطها الغلاف الجوي الأرضي ويضغطها بقوة، قد تستخرج غضبها وإنفعالاتها وتحولها إلى ثقوب سوداء لا تعرف الضوء من شدة الضغط، الذي يتسبب بإرتفاع درجة الحرارة وإقتراب المفردات المضغوطة من بعضها، مما يدفع إلى إحتكاكها وزيادة الحرارة المنبعثة منها، والتي تزيد في الأجواء الإختناقية داخل الصندوق الأرضي المضغوط وفوق سطح الأرض، التي تغلي في أعماقها وتتلاطم أمواج بحارها ومحيطاتها وتهيج، فتصنع سونامي وبراكين متكررة وزلازل لا ترحم البشر بل تبتلعه وكأن الأرض تجوع فتلتهمه.
الأرض تدور وهي ليست ثابتة، بل تغلي كالقدر الذي يفور وتئز من شدة الحرارة التي يسببها الضغط الجوي وحرارة الشمس التي تبعث الحياة والموت معا.
والأرض تحاول أن تحني ظهرها من كل الآتيات من فضاءات الأكوان، لكنها قد تُصاب بالتعب والحزن والكآبة والقلق وقد تقرر الإنتحار ذات يوم.
وإنتحار الأرض بسيط إذ تحتاج للتوقف عن الدوران بضعة ساعات فقط، هذه الساعات كافية لمحو الحياة من على ظهرها لأن نصفها سيتحول إلى جحيم ونصفها سيكون في زمهرير الفناء الأكيد، فتتحول إلى وجود صامت حالها حال الأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها.
وبما أننا نعيش عليها فان أخلاقنا من أخلاقها وسلوكنا من سلوكها، والكثير منا يعاني من أوجاع الضغط الجوي ويصاب بالغثيان من شدة دورانها وعدم مثولها إلى الراحة.
فالأرض تدور من أجلنا لكنها تصاب بالكثير من أضرار الدوران.
القِدر الأرضي يغلي ونحن في مائه نفور ونتحول من حالة إلى أخرى، نبدأ من التراب ونعود إلى التراب، وما بين التراب والتراب حالة فعالة ومعبرة عن صوتها وإرادتها في تحقيق الكثير من رغباتها وسعيها للبقاء والخلود في جسد الكون المتنامي.
ومن على سطحها امتلكنا القدرة على أن نبصر مجموعات شمسية في أعماق الكون وأدركنا الثقوب السوداء، والتي هي عبارة عن نقاط إرتباط بين الأكوان يُلغى فيها دور الزمن، ويتحقق الوجود الشامل في أكثر من مكان في جسد الكون المتمدد إلى حيث يشاء الله.
وبرغم هذه الثقوب الكونية السوداء التي أعيت الناظرين إليها وأصابتهم بإضطرابات فكرية وعقائدية وفلسفية، تجدنا لا نعي الثقوب السوداء البشرية وما يعتمل في النفوس من إنحدارات وإبتلاعات هائلة، كأنها سَوْرة مياه تبتلع مَن يدخلها وتدفنه في قاعها، الذي يتحول إلى بقعة تشفط من يدخل مجالها الشفاط المرعب.
وهكذا نحن البشر نتحول إلى حالات ظلماء وكأننا ثقوب سوداء في الأرض المبتلاة بحملنا على ظهرها والدوران بنا حول الشمس، فتقلبنا تقليبا لكي تحافظ على أسباب وجودنا وبقائنا المتنامي.
إنها تريدنا وأظنها تتغذى علينا وتستمد طاقات الدوران من الأجساد التي تحملها، وما أكبر شراهتها وجوعها وإدمانها على أكلنا. وأحيانا تصاب بنوبات نهم شديدة فتدفع بنا إلى حروب طاحنة، لكي تأكل أجسادا طرية وتشرب دماء حارة. وأحيانا تجلب علينا الأوبئة لتحصدنا بالملايين.
الأرض لا تشبع منا فطعم أجسادنا لذيذ والأرض شرهة وبحاجة إلى طاقة لكي تدور، وهي تريدنا لأننا طعامها وسبب كل شيء فيها.
إن الأرض تموت بدوننا ونحن نموت بدونها. فعلاقتنا بها علاقة تكافلية.
وبعد هذه المقدمة الثقيلة دعونا نعود إلى ثقوب البشر السوداء، وكيف نخرج منها ونرى الحياة، ولا نريد أن نكون في مكانين في آن واحد.
نريد أن نكون مع أنفسنا وواقعنا ولا نعيش في غربة وتشرد وتشظي وإنشقاق ونحسب أننا فينا وفي غيرنا.
إن نظرية الكم النفسية والفكرية تسحقنا وتقضي علينا لأنها تحولنا إلى موجودات ذات تأثير في المكان والزمان، بل تلغي وجودنا الزماني وتحقق لنا وجودا مكانيا واسعا، وتخرجنا من حدود الذات إلى هلامية الملامح وميوعة الوجود في المكان المحدود والزمن المفقود.
النفوس البشرية السيئة العمياء هي ثقوبنا السوداء، التي تلتهم مقومات الخير والمحبة والألفة والتفاعل الإيجابي ما بين المخلوقات الآدمية.
هذه النفوس التي تختزن طاقات مروعة من الرغبات المفلوتة التي لا تعرف الإنضباط والإحترام والتواصل الرحيم مع الآخرين، وإنما هي ذات درجة عالية من العدوانية والتوحش والإفتراس، الذي يفضي إلى تفاعلات آدمية دامية ومروعة.
"أنت جرم صغير إنطوى فيك الجرم الأكبر" هكذا هو حالنا ومساحة رؤانا وتواصلاتنا اللامرئية، التي تجلب علينا الويلات وتؤسس للمعاناة القائمة على سطح الأرض منذ آلاف السنين.
هذا الجرم البشري الصغير الذي يدور في فلك النفوس المتنوعة، والتي تتحكم بحركته وإتجاهات إراداته وتطلعاته الأرضية، وتمنحه القدرة على الإنقضاض أو التداعي والإنتحار مثلما تنتحر الأجرام السماوية، وتتحول إلى هباء كوني لا نراه بعيوننا القاصرة، ولا نحن بقادرين على سماع صراخ النجوم الأجرام، التي تئن من عذابات العصر والضغط والتمدد والإنفجار، ولا نحن بحواسنا المحدودة بقادرين على فهم ما يدور حولنا من الأحداث، التي تؤثر فينا وتعيد تخليق نفوسنا وبرمجة عقولنا لكي تحقق ما تريده من خلالنا.
فنحن ندري ولا ندري ونرى ولا نرى ونسمع ولا نسمع، لأننا مكبلين بالمحدودية الخلقية التي أرادت لنا أن نعيش في هذا الفضاء ونراها وفقا لحواسنا لا كما هو، وأن نفسر ما يدور من حولنا وفقا لمحدودية قدراتنا وليس وفقا لما هو حاصل حقا، فنتوهم المعرفة ونحن في غاية الجهل واللامعرفة واللادراية والوعي.
نحن نتفاعل وكأننا ندري وفي حقيقة أمرنا لا ندري، وبرغم كل هذا الجهل العاصف فينا والأدلة الكونية والرسالات السماوية، التي تريد أن تساعدنا على فهم أنفسنا ودورنا فوق الأرض، فأننا نتعنت ونكابر ونرفض، ونحسب أننا ندري ونزداد جهلا ومكابرة وطغيانا على بعضنا البعض، ونمضي في دروب الظلام ونقرر وفقا لرؤانا مما يزيد العالم سوءا وألما، ونرى ما نفعله خيرا ومفيدا لنا ولغيرنا من الأحياء الراكضة إلى مصيرها بسرعة فائقة لكننا نراها تمشي ببطء شديد. وهكذا ترى كلا منا عبارة عن ثقب أسود متحرك في دروب المجهول، ولا هم له إلا أن يشفط ما يحلو له من المخاطر الذاتية والجمعية، ويكتنز بكل الوسائل حتى لتراه ينفجر فجأة ويقضي على ما فيه ويندس لقمة طرية في فم الأرض، الذي لا يتعب من هضم الأجساد الحية بعد أن تغادر معاقل القدرة على الحياة، وتمنح طاقتها للأرض لكي تدور وتتمتع بالحياة الكونية التي وجدت نفسها فيها، ورأت أن عليها أن تدور وتبقى في حالة غثيان دائم، لكي لا تفكر وتتحسس بل تبقى مشغولة بنفسها وبطعامها الذي يسعدها كثيرا ويمنحها مبررات الحياة الكونية السعيدة، وإلا فأنها ذات يوم ستتعب وتقرر أن تقضي نحبها وتكون هباءً كونيا يبحث عن ثقب أسود يشفطه، وينقله إلى عالم آخر قد يبدأ مشواره فيه من جديد.
إن معادلة الصيرورة الآدمية الأرضية فيها من الجهل واللاأدري الكثير، وأن دوران الأرض الدائب فينا هو الذي يمنعنا من الرؤية، ويوفر لنا ما يتجمع من طاقة الدوران من الأفكار التي ربما قد تنفعنا وقد تضرنا، وذلك يعتمد على نوع الشوائب الفكرية التي تأتي إلى الأرض، وهي في دورانها وقدرتها على تكثيفها وتحويلها إلى طاقات قادرة على الإستحواذ على العقول الآدمية، وإستخدامها لتحقيق دورها فوق الثرى.
ويبدو وجود الكثير من التسريبات الفكرية التي تهرب من أجرامها وتدفعها الثقوب السوداء بسرعة فائقة، وتعجيل مطلق يخترق غلاف الأرض ويأتي إليها ليتوطن الرؤوس ويفعل فعله بالأحياء المسجونة على سطحها، والتي تزيدها لتنقصها وتتطعم بمذاق أجسادها الدامية أو المشوية بنيران الحروب والصراعات المتواصلة.
وربما جهد البشر السلبي الذي أدى إلى خلخلة الغلاف الجوي قد دفع بالكثير من الإختراقات والجرثومية الكونية التي ستصيب البشرية بالآفات النفسية والفكرية وبالعديد من الأمراض العقلية والروحية والعضوية ويحولها إلى مستنقع من المخلوقات المترنحة من شدة الداء الذي لا تستطيع أن تجد له دواءً ناجعا.
***
د. صادق السامرائي







