أول كتاب وضعته في مكتبتي هو المنجد وثاني كتاب هو شرح بن عقيل، لأن صاحب المكتبة في مدينتنا طلب أن أمهله بضعة أيام ليجلبه من بغداد، وأنا في المرحلة الإبتدائية فعلت ذلك.
كنت أعرف كتاب شرح بن عقيل من والدي الذي كان يحفظ معظم ألفية بن مالك، ويردد أبياتها في مسامعي، أما المنجد فقد جذبني إسمه وحجمه وما سمعته عنه، ورحت أغوص في الكلمة ومعناها ولا زلت مهووسا بذلك، وبرغم التقدم التكنولوجي، لا يزال المنجد يرافقني.
وقد تسبب لي كتاب شرح بن عقيل بمشاكل في المدرسة، لأن معلم العربية كان يستخدمني لتوبيخ طلبة الصف السادس والخامس إبتدائي، عندما لا يعرفون إعراب جملة ما، فيستدعيني لإعرابها أمامهم، وكانوا يغضبون مني ويؤذوني أثناء الفرصة.
وما سألني ذلك المعلم كيف تعلمت الإعراب، بل كان يناديني "سيبويه"، ولا يعرف أنني كنت أقرأ كتاب شرح بن عقيل مع والدي كل يوم جمعة.
تذكرت ذلك وأنا أتساءل، أنت طبيب لماذا تكتب وتهدر وقتك؟
في كثير من الأحيان أرى أن الكتابة سلوك وسواسي أو إدماني، له منطلقاته الأولية، وربما يكون للمنجد وألفية بن مالك تأثيرهما على تفاعلاتي مع الكلمة وإصابتي بداء الكتابة، فالتعرض لهكذا كتب في سن مبكرة لابد أن يترك أثرا ما في الدماغ.
من المتعارف عليه أن الكتابة هواية أو موهبة، لكنها على ما يبدو تتشكل دوائرها في الأدمغة منذ الصغر، فتعرض الدماغ الفتي إلى مؤثرات ما تترك فيه ما يؤهله لما يتناسب ومكنوناتها، وبهذه الطريقة ربما كان العرب يصنعون شعراءهم، لأنهم يعلمون الأطفال فن التنغيم ويتفاعلون معهم بنصوص إيقاعية ترسم ملامح صيرورتهم المستقبلية.
فالأدمغة إبنة بيئاتها، والأواني تنضح بنا فيها، وما نضخه في أدمغتنا أثناء طفولتنا يتدفق بكينونات ذات علاقة بمحتوياتها وما إستطاعت أن تفاعله في أعماقها.
ومَن شب على شيئ هل يشيب عليه؟!!
أليمٌ أنْ تُسابقنا خُطانا
ويَصْرعُنا بها بغتاً مُنانا
تخطّى وعْينا زمناً شقياً
وكان العلمُ مَشروعاً مُدانا
تَرامى في ضَبابِ اليأسِ طفلٌ
تُساقيهِ المَواجعُ إحْتِرانا
***
د. صادق السامرائي








