عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فؤاد بنبشينة: أشكال جرحى الجسد والرّوح.. «العطاء وضد العطاء»

في رواية «فوضى الفراشات» للكاتب عزيز قشاني

تناولت الأعمال الإبداعية العربية عموما والمغربية خصوصا في شموليتها واختلاف أجناسها الأدبية قضية «الجرح العربي: جسدا وروحا» وفق استرجاع ذاكرة حالات الاستعمار والهزيمة، وقدمّت مواضيع السخط على الواقع كشكل من أشكال الفشل، أي فشل البطل في الإنتاجية الإبداعية عموما وعجزت في إنجاز الموضوع-القيمة واكتفت بالتلميح والإشارة إلى أسباب فشل-البطل في الحكاية وعَمِلت على تمطيط الأسئلة مُتشبِثة بالأمل والحلم وتنويع طرائق هذا الأمل للشباب. وعليه، فالإبداعية العربية التي شهدت تراكما في السنوات الأخيرة شكلّت نوعا من الانفجار الإبداعي الإيديولوجي في تناول الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعيشها الذوات في علاقة بالمجتمع وهذا تستضيحه الوفرة الإنتاجية وكذلك التنوّع والكثرة في العناوين والتشابه.

تنوُّع الشكل وموت البطل

لقد اتخذ الحلم شكل أسطورة في علاقة بمسارات البطل في الرواية المغربية، باعتبار أنّ الفنّ الروائي المغربي قد شهد تحوّلات على مستوى شكل المعمارية أي البناء ومنظورات السرد (من يتكلّم في الرواية؟ من هو البطل؟) وأيضا في اللغة المتمفصلة بين الوصف والتصنيف وحالات اللسان في نقل مواضيع ترتبط وحالات المجتمع والواقعي وتعقيدات التخييلي للمتلقي الذي هو الآخر يُسهم في تطوير النصوص الروائية بالقراءة والنقد والاحتفاء بحالات «القول الحقيقة السردية» مكتفيا بجراح ماض يتعثر في لملة هزائمه التي يراها سببا في تعطيل مواضيع-قيمة ومنها الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والهجرة ...إلخ، في المقام الأوّل هي مجموع القيم الإنسانية التي اتخذت عناوين بارزة في الخطاب الاجتماعي-السياسي.

ومن هنا يمكن أن نعود إلى زمنية ما بعد الاستعمار أي زمنية تحقق الاستقلال حيث نجد أن الرواية المغربية في آواخر الستينيات وبداية السبعينيات تناولت موضوع «الجنس بالمقابل» وأيضا حالات «الاغتصاب والعبودية» وتسخير جسد الأنثى لللذة والعنف وتمزيق نسيج الأسرة المغربية، داخل هذا التمزُّق يشتغل «البوتلاتش Potlatch»؛ وقد رامت نصوص عبد الكريم غلاب توضيح أهم العوامل التي تعيق «دفن الماضي» ومنها مسألة العطاء الوطني وضد العطاء الوطني، وما الدفن إلى تجاوز وإعادة بناء الإنسان والمجتمع، فمِن أسوأ العوامل المعيقة في بناء الإنسان هي الوساطة الجنسية التي كانت تقوم على دور النخاسة والتجارة في البشر أي الفتيات من خلال الشخصية «الوسيط الجنسي بنكيران» وإعادة تكريس الطبقات الهامشية واستغلالها ماديا ورمزيا «حتى النساء ألفن رؤية الجيش يعبث فساداً في بيوتهن»

السارد يصف النخاس بن كيران ب: «النخاس الماهر» يقول السارد:

«وفي «دار ابن كيران» وجد الحاج محمد فتاة سمراء ذات جمال وفتوة وشباب، اختطفت من ناحية دكالة، بلاد الغنى والخصب. ولم تطل استشارته طويلا...فاشتراها حالا دون أن يستشير أو يجرب»

من هذا الملفوظين في زمنية السبعينيات نستضيح أزمة إصلاح الجسد سواء الذكوري المتمثل في عطاء الوسيط السلبي أو العطاء المضاد المتمثل في الزبون أو إصلاح الجسد الأنثوي الذي يتلّمس شكل حياة جيّدة خارج قانون «البوتلاتش» أي العطاء الجسدي الموازي للدعارة باختلاف أنواعها وطبقاتها الاجتماعية، هنا العطاء وضد العطاء يتخذ شكل التباهي بالإنفاق واستعراض القدرة المالية والاستغلال وشراء المكانة والنفوذ الطبقي، وهي أشكال تأسست عليها النصوص الروائية فتراكمت مواضيع الخطاب الروائي الاجتماعي "الذي يجعل الإنسان موضوعا له" .

حكايات الجسد: جراح العطاء المضاد

في رواية «فوضى الفراشات» للكاتب عزيز قشاني الصادرة عن منشورات المركز العلمي للأبحاث والرؤى الفكرية في طبعتها الأولى 2026، يُقدّم لنا الكاتب في الفصل الأول من الحكاية التي تشمل حكايات الشخصيات الأنثوية صعوبة المسك بخطية الحكي وتراتبية زمنيته، وهي مسألة «الحيرة» التي طالعته كما تتوافق وحيرة الكاتب محمد برادة في روايته «حيوات متجاورة» التي تناولت موضوع «الدعارة الراقية» أو ما اصطلح عليه محمد برادة ب: «ليالي المفاجاءات الجريئة»، يقول السارد: «هاد الليلة غادي نْعريوْ على اللاَّصْ»، أيضا تناولت الرواية الجنس –المعيب- (ذكر مع ذكر) شخصية ولد هنية مع الشخصية الألمانية.

والسؤال هو: لماذا الكتابة الإبداعية الروائية تناولت موضوع «الجسد» في ثنائية الأنثى والذكر وحالات الدعارة؟ وفق ثنائيات: «الروح والجسد»، «المقدس والمدنس»، «الجسد الثابت القار الطبيعي والجسد المتحوّل المتغير». هل لأنّ الجسد هوالمقوّم الأوّل الذي تنبني عليه مقومات أخرى وفق تراتبية كونية وهي: «مُقَوِّم العقل، مُقوِّم الدين، مُقوِّم النسل ثم أخيرا مُقوِّم المال». وهي أسئلة مرتبطة بالقيم والهوية الدينية والأخلاقية والوطنية؛ إذن نحن نقترب من ثنائية الجسد في تناظرية: «الجسد الجيّد» و «الجسد المزيّف»، التباس الجسد الروائي وفق ما قد تستطيع اللغة تمثيله كواقع على الورق.

رواية الجسد: الصوت واالصوت المضاد

في  رواية «فوضى الفراشات» يُشكل السرد مسارا موازيا أولاحقا لمسارت سردية سابقة عليه؛ مثلا روايات كل من (محمد شكري في الخبز الحافي وزمن الأخطاء) ، (عبد الكريم غلاب في رواية دفنا الماضي)، (محمد برادة في رواية حيوات متجاورة وموت مختلف)، (حسن بحراوي في رواية بنات ونعناع) وهذه فقط أمثلة ربطت الدعارة بمبدأ العطاء وضد العطاء.

البوتلاتش: قوّة الأسرة باعتبارها قوّة مصّب الجسد

هل هي الكتابة المغربية قد اتخذت شكل (بوتلاتش Putlach) داخل مفهوم العطاء وضد العطاء كما تناوله عالم الاجتماع الفرنسي «مارسيل موس-Marcel Maus» (1872-1950) في كتابه:

Essai sur le don. Forme et raison de l’échange dans les sociétés primitives »

بحث في العطاء أو الهبة: شكل التبادل وأسبابه في المجتمعات البدائية. الصادر في 1925

يعتبر موريس موس أن أشكال العطاءات أو المبادلات قد تبدو حرّة ومجانية، لكنها تنطوي على الإكراه والمصلحة، وأنها تتخذ شكل الوهم والكذب الاجتماعي.

من منظور الكذب الاجتماعي وفق علاقة الهبة والهبة المضادة نسأل: هل أننا افتقدنا حليب الوطن والوطنية «باعتبار أن الرضاعة الوطنية، حليب الوطن، ستنتصر لقيم بناء الوطن، وهزم وطرد كل اللا-أخلاقيات والصور المُشوهة التي أصبحنا نتخبط فيها وسيطر علينا من خلالها الخوف من اللا-متوقع، وهي تمظهرات: تمزق الطبقات الفقيرة ومظاهر المقارنة السلبية وسط عوالم الاستهلاك»

لقد رامت الرواية «فوضى الفراشات» كشف بعض أشكال الكذب الاجتماعي داخل المجتمع ومقاربة الدعارة ليس من وجهة نظر أخلاقية واقتصادية (الفقر) فقط، بل من منظورات مختلفة: مثل: المنفعة، المفسدة، السلطة في اختلاف طبقاتها، الجسد الحرّ/ الجسد العبد، المال، المخدرات، العطاء، ضد العطاء والإذلال والإكراه.

أعطيك شيئا ما فأنت تبادلني العطاء شيئا آخر بالضرورة هي سلطة الواهب الأوّل المتواري وراء مصلحة ما تقابلها بالضرورة مفسدة ما، هذا الواهب الأوّل من منحه حق العطاء؟ هل هي سلطة مادية أم رمزية تختفي وراء أشياء مسكوت عنها ولو أن القانون المغربي يجرم مسألة الدعارة المشائية التي تتمظهر في الشارع العام، لكن هذا مستوى أوّل من دعارة شخصيات الهامش كما أوضحتها لنا الرواية وهي الطبقة الفقيرة النازحة من القرى مثلا، أو ما أنتجته هامشية مركز المدينة صناعيا أي دور الصفيح وانعدام فرص العمل، وإن تسنى هذا ىالعمل بشرف فهو عمل إذلال كما نادت به الباحثة: مريم شيخ، أستاذة الأنثروبولوجيا بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس ، في كتابها:

Les filles qui sortent. Jeunesse, sexualité et prostitution au Maroc.

الفتيات اللواتي يخرجن: الشباب والجنسانية والدعارة في المغرب.

Éditions de l’Université de Bruxelles, Bruxelles, 2020.

 وهي دراسة ميدانية أنجزتها بين سنة 2008 و 2015، وأجرتها مع شابات بمدينة طنجة من طبقات شعبية، وأولت لدراستها مفهوم «الدَّرِّياتْ لِي تَيْخُرجُو».

ورامت الربط بين الحالات الحضرية والاقتصادية والقانونية، والعلاقات الحميمية التي تقوم على التفاوض بشأن الخدمات الجنسية في إطار علاقات جندرية غير متكافئة. كما اعتمدت على ملاحظة أماكن ممارسة الدعارة، مثل الحانات والنوادي الليلية، وعلى تحليل المواقع الإلكترونية والمنتديات الدولية المخصصة لزبائن الدعارة.

في الرواية «فوضى الفراشات» نتبين أن الكاتب الضمني رام الاشتغال على حالات بعض الذوات اللواتي تمتهن الدعارة:

(...لم تكن كبقية الفتيات / العاملات/ العاهرات/ اللواتي اشتغلتُ معهن- عليهن) ص.10

إن بناء حكايات «فوضى الفراشات» اعتمد فيه الكاتب الضمني على مبدأ المحاورة مع الشخصيات لتمثيل حقيقة الواقعي بالتخييلي، يقول:

(لقد قضيت سنة مع مجموعة من الفتيات، بمن فيهن صديقتها، ولم أصرح لهن من قبل بحقيقة مجالستي لهن، لم يكن أحد يعلم بمشروعي، ولا بهدفي الحقيقي من وراء التقرب من جماعة "المنشطات الاجتماعيات") ص.14-15

تتأسس الحكايات على الواقعي وحقيقة حالات الشخصيات ومبدأ المحاورة:

- على لسان الشخصية الساردة «سارة»:

«... يا أستاذ، دعك من كلام المثقفين، وأنصِت لي إذا كنت حقا تبحث عن الحقيقة، فأنا خير من خبِر هذا الميدان» ص.17.

إذن توالد الحكايات سيبدأ مع «راوية الرواية» وهي الشخصية «سارة» ويلحقها السارد بسمات (مثقفة/ وسط اجتماعي جيّد/ متحررة/ تستمع بالسهر/ تزاوج بين متعتها وتربية أبناءها والسهر على تعليمهم بأحسن المدارس الخصوصية/ مطلقة/ شابة ساحرة...) وهي الشخصية التي ستُنتِج الحكايات وفق منطق «الخروج» كما أوضحته الباحثة «مريم شيخ» وارتياد إحدى مقاهي السهر بوسط المدينة ليلا وتدخن السيجارة وترقص على موسيقى كناوة، وهي سمات الشخصية الراوية، يقول السارد:

«.... ذات ليلة...تقوم بتوزيع الشموع على الطاولات والبخور الذي أخرج السكارى من دائرة سكرهم...» ص.5

يتدرج السارد في وصف سمات الشخصية «سارة»: «.. المرأة الفاتنة...القوام الممشوق.. فتنة للناظرين.. سحر عينيك» ص.9

 إنّ «الخروج» مبدئيا نتفق مع الكاتب على أنّه سَلّمها لعبة الحكي، لكننا في الهندسة الروائية نتبين أنها ليست السارد الضمني، وعليه فهندسة رواية «فوضى الفراشات» شيدها عزيز قشاني مستلهما الإرث العربي القديم في معمارية الحكايات، وقام بتوزيع الحكايات على إحدى عشرة فصلا تقريبا جُلّها موسوم باسم شخصية من شخصيات الحكاية الإطار:

- الفصل الأوّل: الصدفة التي غيّرت كل شيء

- الفصل الثاني: سهيلة: الوجود في الفراغ.

- الفصل الثالث: من أعماق السكون: حيث يولد الصوت الخفي.

- الفصل الرابع: بثينة: عندما تصبح الضحية صيادا...والصياد طعما.

- الفصل الخامس: سامية: بين قيد الترف وشبح الضياع.

- الفصل السادس: كامليا: بين الخيال والواقع، يضيع الجسد وتموت الروح.

- الفصل السابع: هند: بين ماض ينزف ومستقبل يتوارى خلف السراب.

- الفصل الثامن: حلومة: قصة الضياع تحت سقف الحلم.

- الفصل التاسع: فتحيّة: حيوات بين الأنوار والظلال.

- الفصل العاشر: سارة: الجميلة التي تروي حكايات القبح.

- الفصل الحادي عشرة: تجلي الصوت الخفي والصوت الذي لا يسمع.

بناء على آلية التقطيع، تكشف لنا معمارية الرواية على تعددية الحكايات داخل الحكاية المتسمة بالفوضى كنسق سردي يتوالد داخله العطاء وضد العطاء الذي يفضي إلى القبح والضياع وموت الجسد والروح، أيضا هي حكايات أجساد مختلفة تحيل على حالة سراب، وهي حين أن تُعطي ما لا يُعطى بالإكراه والإغراء يفتقد الجسد الموهوب قيمته. هذه الحكايات المتشعبة استضاحت عن ذوات مُستغلّة وأخرى استغلالية، هو شكل عبودية يُجدّد شكله باستمرار وفق مهارات الوسيط السلبي والمُستغِل كما سلف ذكره مع الوسيط «النخّاس الماهر» بن كيران.

فالشخصيات هي حاملة لسمات وظيفية جنسية تقوم على العطاء وضد العطاء داخل حالات الفقر والسلطة والمال وسرقة الشهادة بدون كفاءة والسطو على المناصب بمؤهلات لا-أخلاقية كما يكشف لنا السرد عند الشخصية «كاميليا» وهو عطاء مقابل الخضوع، أيضا حالات المتعة وهو عطاء ملتبس يقوم على الهدية والوعد ويستعمل للحصول على الجنس، وهو شكل ضغط غير متكافئ يتستند على الوهم والكذب الاجتماعي.

اللحظة السردية الأولية: هوية الرواية وصدمة أثر الفراشة.

يقوم الحكي على معرفة ما قد يحدثه أثر الفراشة في حيوات الشخصية مثل «مخلص» وكذلك الشخصيات التي تنسجها بنية الجامعة والمجتمع باعتبار أن الفراشات هي بنية فوضوية، إنّهن أسيرات التحوّل، وانطلاقا من المقهى الذي تأوي إليه الشخصية «سارة» للسّمر واصطياد زبون ما بسهم العيون والحديث مع الزبناء وممارسة طرائق الإواء عليهم، هنا تبدأ فوضى الحكاية الكبرى المتضمنة لإحدى عشرة حكاية، غير أن السرد في الفصول اللاحقة سنجد حكاية كل من الشخصية «سهيلة وكاميليا وبثينة وسامية وهند وفطومة وفتحيّة» وهو حكي يتسم بالتدفُّق من بداية الفصل إلى نهايته، كل مقطع يقدم حكاية جزئية أو ميكروسكوبية تتصل بالشخصية «الراوية سارة» فهي الشخصية المنظمة للحكيات المؤطرة داخل الرواية، إنها حكايات شكل حيوات الشخصيات التي مَنحن جسدهن تحت سلطة المال أو الطموح أو المتعة المشيّدة على الوهم والكذب الاجتماعي.

مقوّم الجسد الضائع: من أعطى جسده فليُتبِعه عقله وما تبقى له.

في فصل : «كاميليا: بين الخيال والواقع، يضيع الجسد وتموت الروح»، يشتغل بقوّة «البوتلاتش» كما حدّده موريس موس: «الأداءات التبادلية وما يقابلها من أداءات مضادة، تُقدَّم في شكل يبدو طوعيًا إلى حد ما، من خلال الهدايا والعطايا والمنح، رغم أنها في جوهرها ملزمة إلزامًا صارمًا، بحيث إن الإخلال بها قد يؤدي إلى اندلاع حرب خاصة أو عامة.

وقد اقترحنا أن نطلق على مجموع هذه الممارسات اسم:

 «نسق الأداءات الكلية Le système des prestations totales »

إنّ الشخصية «كامليا» تحدث «سارة» عن العطاء الجسدي اللا-متناهي لقضاء مصلحتها، والعطاء المضاد يبدأ مع العون الإداري بالجامعة، ويتكرر العطاء المضادء اللا-عادل من خلال سلطة الشخصية الأستاذ الكهل «بوقنبة»، يستضيح الملفوظ ذلك: «... بدأ اهتمامه بها عندما لاحظ تفوّقها في التملّق والتغزل والتحرش الفاضح... حصلت على كل ما أرادته، توصيات ودرجات عالية وفرص عمل... كان أن عبث بجسدها عبثا عشوائيا حيوانيا..» ص.159-160

إن المحادثة بين «سارة» و«كامليا» تؤكد هذه الأخيرة على أن «ضد العطاء» يكون لا إنسانيا: «كلهم متشابهون يا سارة، رجال يحملون وجوها براقة في النهار، وفي الليل يبحثون عن الظلام الذي نخفيه..» ص.157

إن العطاء وضد العطاء يشتغل وفق السلطة السلبية، يقول زبون «كاميليا» وهو شخصية نافذة في وزارة التعليم: «كاميليا أنت فتاة طموحة جدا، لكن لطموح وحده لا يكفي ، والعالم لا يعطي الفرص بالمجان» ص.163

سؤال النقد.

مذا أعطت هذه الشخصية لتتمتع بسلطة ضد العطاء في اللا-عدالة المهنية، ربما أعطى أكثر مما منحته إياه كامليا؟ في المقام الأوّل نتفق مع موريس موس على أنّ البوتلاتش هو «نسق الأداءات الكليّة» الجسد المعذّب يعطي كل ما لديه وإلا قامت حرب ما من طرف الآخر الذي يتمتع بسلطة السيطرة على الهبة.

«كاميليا» شخصية وسط نسق فوضى الفراشات الكلّي عرفت الاغتصاب في طفولتها في سن الحادية عشر، واستعملت ماضيها الذي أضاع حقوقها في العطاء الجسدي وفق سلطة العطاء المضاد وما سيحققه لها، إنها شخصية بكثرة العطاء تدرَّبت على امتلاك زبائن من مختلف طبقات سلطة المجتمع، تقول: «لم أكن مجرد عاهرة عابرة في حياتهم، بل أصبحت طبيبة نفسية لهم» ص.165

إنّ «فوضى الفراشات» اتخذت هندسة حكاية تؤطر حكايات شخصيات وهبن جسدهن وفقدن التوازن داخل المجتمع، والقبيح هو أن هذا العطاء سينقلب هو الآخر إلى عطاء مضاد تستعمله بعض الشخصيات مثل «كاميليا» في شكل «قِوادة جنسية» بمعنى وساطة سلبية أي «نخاسّة ماهرة» حيث ستعمل على استمالة فتيات أخريات طالبات وتغرر بهن وتقدمهن جسدا لزبائن تجاوزوها في حين أنها تنتقم بالعطاء المضاد مثل ما فعله زبائنها معها.التجاوز بمعنى أنها أعطت كل شيء ولم يتبقى لها لا شيء داخل نسق المبادلات الكليّة.

نستضيح أن الرواية تشيّد على منطق واقعي يؤشر على حالات مجتمعية لا-أخلاقية وفق تنظيم مقاطع متداخلة فيما بينها حيث كل مقطع يقدم حكاية واسترسال هذه الحكايات الجزئية تُشكِّل صورة الشخصية «سارة»  أو شكل حياة الشخصيات وهذه الصُّوَّر للشخصيات تُمثِل مظهرا من الشخصية على مستوى سِماتها وأفعالها وطبقتها الاجتماعية لكنها ليست منعزلة وإنما تشكل وحدة النص/ الحكاية وهذه الآلية في تركيب العلائق تولد آثار المعنى في الرواية وتشييد دلالتها وفق خصوصية جغرافية محدّدة ونسق يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والقوانين، أيضا اختلاف شكل النقص والحرمان، واختلاف منظورات الديمقراطية والحرية وحقوق المواطنة؟

على سبيل الختم

إن هذه الحكايات هي نسيج سردي يتضمن حكايات من بعض التاريخ الاجتماعي، وعلم الجغرافيا، كما تكشف لنا عن بعض الاستنتاجات الأخلاقية، والممارسة السياسية والاقتصادية، التي تمثلها الكاتب في مقاربة موضوع يسمه بالعوالِم المتشابكة. إذن هي حكايات لها امتدادات في مختلف الحقول المعرفية الإنسانية وكذلك الحقل الديني، وأخبار اليومي على المواقع الإخبارية الرقمية أو الصجف الورقية وتناولتها السردية الروائية، وهي حكايات قد لا تقودنا في نهاية المطاف إلى المسك أو القبض على حلول جاهزة لشدّة تعقيد الذات البشرية، ولكنها رامت في نهاية الفصل الأخير إلى طرح أسئلة ارتبطت مع بدايات الإنسان، لكنها تَظلّ مُتجددة على الدوام وفي صيغ جديدة داخل فوضى جديدة ونسق آخر جديد، وكشف السارد في اللحظة السردية الختامية على أن: «الخلاص في حوار حقيقيبين الأجيال المختلفة لتغيير ملموس، وأن الشباب هم مفتاح المستقبل، رغم صعوبة الطريق أمامهم» الرواية، ص.281-282.

وفي السطر الأخير من الحكاية، يستضيح أثر النصوص النثرية التراثية العربية، يقول السارد:

« .... لن أضيف أكثر من هذا، والله أعلم، وعليكم منّي السلام .... وسكت الصوت الخفي عن الكلام، وبقيت الملفات مفتوحة، أما المحاكمة، فلم يحن موعدها بعد» (ص. 289).

«...وسكت الصوت...» تؤشر على إيقاف قتل الجسد، كذلك على الاستمرارية في تعزيز القيم الإنسانية المغربية وما يرتبط بها من مواضيع-قيمة مثل التعليم، الأسرة والطفل والمصالحة.

***

د. فؤاد بنبشينة

في المثقف اليوم