عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الأدب السرياني

ذاكرةُ المشرق الحيّة وجسرُ التفاعل بين الآرامية والعربية

يُعَدُّ الأدب السرياني واحداً من أعرق المنجزات الأدبية والفكرية التي أنجبتها المشرق القديم، وأحد الفروع الأكثر ثراءً في شجرة الأدب الآرامي الذي نما في بيئة حضارية متعددة اللغات والثقافات والأديان. وليس من الإنصاف النظر إلى السريانية بوصفها مجرد لغة كنسية أو أداة للطقوس الدينية، فهي، في تاريخها الطويل، لغة شعر وفلسفة ولاهوت وتاريخ وطب وفلك وترجمة وموسيقى، ووعاء لذاكرة حضارية امتدت قروناً، وأسهمت في حفظ جانب مهم من التراث الشرقي واليوناني، وفي نقله وإعادة إنتاجه داخل المجال العربي الإسلامي.

والسريانية، في أصلها، إحدى اللهجات الآرامية التي تطورت في شمال بلاد الرافدين وبلاد الشام، ثم غدت لغة أدبية ذات نظام راسخ، وازدهرت خصوصاً في مراكز حضارية كالرها ونصيبين، ثم انتشرت في مدارس ومراكز علمية ودينية امتدت آثارها إلى مناطق واسعة من المشرق. ومن خلال هذا الانتشار تشكل أدب سرياني غني، تداخل فيه الديني بالإنساني، والروحي بالفلسفي، والشعري بالتاريخي، حتى غدا مرآة لروح المشرق في واحدة من أكثر مراحله تعقيداً وخصوبة.

أولًا: الجذور التاريخية للأدب السرياني:

ينتمي الأدب السرياني إلى المجال الآرامي الأوسع، لكنه اكتسب شخصيته المستقلة نتيجة تطور اللغة السريانية وازدهارها بوصفها لغة أدبية وعلمية. وقد كان ظهور المسيحية في المشرق عاملاً مهماً في اتساع مجالها الأدبي، غير أن حصر الأدب السرياني في البعد المسيحي وحده يُفقده كثيراً من قيمته الحضارية؛ إذ إن السريانية كانت أداة للمعرفة، وحاملةً لتراث فكري متنوع، ومجالاً للتفاعل بين الثقافات.

وقد شكلت مدارس الرها ونصيبين، ثم مراكز أخرى، بيئة علمية أسهمت في ازدهار التأليف والترجمة والتعليم. وفي هذه المؤسسات نشأت تقاليد أدبية وفكرية عريقة، كان لها أثر في تكوين الوعي العلمي والفلسفي في المشرق. كما اضطلع السريان بدور بارز في حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ثم من السريانية إلى العربية، ولا سيما في العصر العباسي، حيث شارك علماء ومترجمون سريان في نقل علوم الطب والفلسفة والمنطق والفلك والرياضيات.

ومن هنا، فإن تاريخ الأدب السرياني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تاريخ أدب طائفة أو جماعة فحسب، بل بوصفه جزءاً من التاريخ الثقافي للمشرق، ومن المسار الطويل الذي أسهم في تشكيل الحضارة العربية الإسلامية.

ثانياً: أبرز خصائص الأدب السرياني وميزاته:

يمتلك الأدب السرياني خصائص فنية وجمالية وفكرية متفردة، لعل أبرزها الميل إلى الشعر الروحي والتأمل الفلسفي، وكثافة الرمز، وحضور الطبيعة، واستدعاء الصور الكونية الكبرى: النور والظلمة، الحياة والموت، الصحراء والماء، الجسد والروح، الأرض والسماء.

ويتميز الشعر السرياني، خصوصاً في نماذجه المبكرة والكلاسيكية، بقدر كبير من الموسيقى الداخلية، وباعتماده على التكرار والتناظر والإيقاع، وهو ما جعله قريباً من الإنشاد والترتيل. وقد تطورت فيه أشكال شعرية متعددة، من التراتيل والأناشيد إلى الميامر والمناظرات الشعرية والحِكم والمواعظ المنظومة.

كما يتميز هذا الأدب بقدرته على تحويل الفكرة المجردة إلى صورة حسية، وعلى بناء جدلية شعرية بين المتناقضات. فالزمن، في كثير من نصوصه، ليس مجرد تعاقب للأيام، بل قوة فاعلة في مصير الإنسان؛ والموت ليس نهاية، بل سؤالًا وجودياً؛ والطبيعة ليست خلفية محايدة، بل كائناً حياً يشارك الإنسان قلقه وتأمله.

ومن خصائصه أيضاً التداخل بين الأدب والفكر؛ فالشاعر السرياني كثيراً ما يكون لاهوتياً وفيلسوفاً ومفكراً، ولذلك تتجاوز قصيدته حدود التعبير الجمالي إلى مساءلة الوجود والإنسان والمصير والحقيقة.

ثالثاً: أفرام السرياني ويعقوب السروجي ونرساي

يأتي أفرام السرياني في مقدمة أعلام الأدب السرياني، وقد اشتهر بشعره الديني والروحي، وبقدرته الفائقة على توظيف الإيقاع والصورة والاستعارة والرمز. ويكشف شعره عن حساسية أدبية عالية، وعن معرفة عميقة باللغة وموسيقاها، حتى عُدَّ من أبرز الشعراء الذين أسسوا تقاليد الشعر السرياني الكلاسيكي.

أما يعقوب السروجي، فقد كان من كبار شعراء السريان، واشتهر خصوصاً بالـ«ميمر»، وهو نمط شعري طويل يقوم على السرد والتأمل والحجاج، وقد أتاح له هذا الشكل أن يجمع بين الفكر والشعر، وبين القصص الديني والأسئلة الأخلاقية والوجودية.

ويبرز كذلك نرساي، الذي ارتبط اسمه بالتعليم والشعر والمدرسة الفكرية، وأسهم في تطوير الشعر السرياني التعليمي والتأملي، وفي ترسيخ تقاليد شعرية تقوم على الإيقاع والتناظر والمقابلة.

ولا تقتصر أسماء الأدب السرياني على هؤلاء، بل تمتد إلى عدد كبير من المؤلفين والمؤرخين والفلاسفة والأطباء والمترجمين، الذين أسهموا في بناء ذاكرة ثقافية واسعة، وجعلوا من السريانية إحدى اللغات الكبرى في تاريخ المشرق الوسيط.

رابعاً: الأدب السرياني وعلاقته بالأدب العربي:

العلاقة بين الأدب السرياني والأدب العربي ليست علاقة انفصال، بل علاقة تفاعل تاريخي وحضاري عميق. فاللغتان تنتميان إلى الأسرة السامية، وتلتقيان في كثير من الجذور والأبنية والتراكيب، كما عاشتا قروناً في فضاء جغرافي وثقافي واحد، الأمر الذي جعل التأثير والتأثر بينهما أمراً طبيعياً.

وقد بلغت هذه العلاقة ذروتها في حركة الترجمة خلال العصر العباسي، حيث كان للعلماء السريان دور مهم في نقل علوم اليونان إلى العربية. ويأتي في مقدمة هؤلاء حنين بن إسحاق، الذي كان من أعلام الترجمة والطب، وأسهم في نقل مؤلفات علمية وفلسفية واسعة، كما برز قسطا بن لوقا ويحيى بن عدي وغيرهما من العلماء والمترجمين الذين شاركوا في بناء الجسر المعرفي بين التراث اليوناني والمجال العربي.

ولم يكن هذا التأثير محصوراً في العلوم، بل أسهمت حركة الترجمة في إثراء المصطلح العربي وتوسيع أفق التفكير الفلسفي والعلمي، وفي ترسيخ تقاليد الحوار بين اللغات والثقافات.

وفي الأدب العربي الحديث والمعاصر، يمكن ملاحظة صدى غير مباشر للتراث السرياني والمشرقي في بعض الاتجاهات الشعرية والرمزية، وفي استعادة الأساطير والرموز القديمة، وفي النزعة إلى البحث عن جذور ثقافية تتجاوز الحدود القومية الضيقة. وقد ظهرت هذه الروح بدرجات مختلفة لدى عدد من الأدباء والمفكرين المنتمين إلى المشرق، ومنهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، ثم في تجارب شعرية حداثية لاحقة مثل تجربة علي أحمد سعيد إسبر المعروف باسمه المستعار أدونيس ويوسف الخال، مع ضرورة التمييز بين التأثر المباشر المثبت وبين التشابه الحضاري أو التفاعل غير المباشر.

وهنا تكمن أهمية الأدب السرياني بالنسبة إلى الأدب العربي المعاصر: إنه يفتح باباً لاستعادة مفهوم المشرق بوصفه فضاءً حضارياً متعدد اللغات، لا بوصفه وحدة لغوية مغلقة. ومن ثم فإن العودة إلى التراث السرياني ليست عودة إلى الماضي من أجل الماضي، بل محاولة لإعادة اكتشاف طبقات عميقة من الذاكرة الثقافية التي أسهمت في تكوين الشخصية الحضارية العربية.

خامساً: موقف النحاة البصريين والكوفيين وفقهاء اللغة العربية من السريانية واللغات السامية:

ينبغي الحذر هنا من إسقاط مفاهيم علم اللغة الحديث على مواقف النحاة القدماء؛ إذ لم يكن مصطلح «اللغات السامية» معروفًا لديهم بالمعنى العلمي الذي استقر في الدراسات اللغوية الحديثة. ومع ذلك، فإن كتب النحو واللغة والتفسير والتراث العربي تكشف عن وعي واضح بوجود لغات ولهجات متجاورة، وبوقوع التداخل بينها، وبوجود ألفاظ غير عربية الأصل دخلت العربية واستقرت فيها.

وقد اتسمت المدرسة البصرية، في جانب كبير منها، بالميل إلى التقعيد والقياس والاحتجاج باللغة الفصيحة الموثوقة، ولا سيما لغة القرآن والشعر العربي القديم وكلام العرب المحتج بهم. أما المدرسة الكوفية فكانت أوسع نسبياً في قبول الرواية واللغات واللهجات، وأكثر مرونة في الاحتجاج بالشواهد المتعددة. غير أن هذا الفرق لا يعني أن البصريين كانوا ينكرون وجود اللغات الأخرى، أو أن الكوفيين كانوا يرون العربية مجرد خليط من اللغات؛ فالمسألة أعقد من ذلك.

وقد أسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه في تأسيس منظومة دقيقة لدراسة العربية، بينما وسّع الكسائي والفراء دائرة النظر في اختلاف اللهجات والروايات. أما ابن جني، فقد قدم رؤية عميقة لطبيعة اللغة وتطورها، وناقش قضايا الاشتقاق والأصوات والتقارب بين اللغات، في حين تناول ابن فارس قضية أصول اللغة وخصائصها ضمن تصوره لنظام العربية ومادتها.

ومن المهم أن نلاحظ أن التراث العربي القديم لم يكن يجهل ظاهرة الاقتراض اللغوي، وإن لم يستخدم المصطلح الحديث نفسه. فقد عرف العلماء ألفاظاً أعجمية أو معرّبة، وناقشوا ما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر من ألفاظ ذات أصول غير عربية، كما بحثوا في لغات العرب ولهجاتهم. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين العربية والسريانية ضمن سياق أوسع من التفاعل اللغوي بين اللغات السامية.

أما عبد القاهر الجرجاني، فإن أهميته تتجاوز قضية الأصل اللغوي إلى النظر في النظم والعلاقة بين اللفظ والمعنى؛ وهو ما يتيح لنا اليوم أن نقرأ الأدب السرياني والعربي من زاوية جمالية مشتركة، تقوم على أن القيمة الأدبية لا تكمن في المفردة منفردة، بل في طريقة انتظامها داخل السياق، وفي قدرتها على إنتاج المعنى والصورة والإيقاع.

وقد أكد علماء اللغة العرب، بصورة أو بأخرى، أن اللغات تتجاور وتتفاعل، وأن اللغة الحية لا تنمو في عزلة مطلقة. وهذا ما تؤكده الدراسات اللسانية الحديثة التي ترى أن التبادل بين اللغات ظاهرة طبيعية من ظواهر التطور الحضاري.

سادساً: النقد الحديث وإعادة اكتشاف الأدب السرياني:

أعاد النقد الحديث النظر في الأدب السرياني باعتباره جزءاً من التراث الثقافي للمشرق، لا مجرد أدب ديني محدود الوظيفة. وأصبح من الممكن قراءته عبر مناهج متعددة: البنيوية والأسلوبية والسيميائية والتأويلية والمقارنة، فضلًا عن الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية.

ومن خلال هذه المناهج يمكن الكشف عن ثراء الرموز السريانية، وعن حضور الأسطورة، والطبيعة، والموت، والقيامة، والرحلة، والبحث عن الخلاص، فضلًا عن بنيته الإيقاعية والصوتية.

كما أن الأدب السرياني يتيح للنقد المقارن أن يعيد التفكير في العلاقات بين الآرامية والعربية واليونانية والفارسية، وأن يدرس كيف تنتقل الأفكار والصور والمصطلحات بين الثقافات، وكيف تعيد كل لغة إنتاج ما تستقبله وفق نظامها الخاص.

خاتمة: السريانية بوصفها ذاكرةً لا هامشاً:

إن الأدب السرياني ليس هامشاً منسياً في تاريخ الأدب الشرقي، ولا أثراً متحجراً في متحف اللغات القديمة؛ إنه ذاكرة حيّة من ذاكرات المشرق، وشاهد على أن الحضارات لا تنمو في جزر معزولة، بل تتكون من التفاعل والتجاور والترجمة والاقتباس وإعادة الخلق.

لقد أسهم السريان في حفظ المعرفة ونقلها، وفي إثراء المجال العربي الإسلامي بالعلوم والفلسفة والطب، كما أسهم أدبهم في تكوين تقاليد شعرية وروحية وفكرية ذات قيمة جمالية وتاريخية كبيرة. ومن ثم فإن دراسة الأدب السرياني ليست مجرد استعادة لتراث لغوي قديم، بل هي إعادة قراءة لتاريخ المشرق نفسه، بوصفه فضاءً تعددياً التقت فيه الآرامية والسريانية والعربية واليونانية والفارسية، وتفاعلت فيه الأديان والثقافات والمدارس الفكرية.

ولعل القيمة الكبرى للأدب السرياني اليوم تكمن في قدرته على تذكيرنا بأن الهوية الثقافية ليست جداراً مغلقاً، بل نسيجاً تتداخل فيه الخيوط، وأن اللغة لا تعيش إلا بالحوار، وأن الأدب، في جوهره الأعمق، هو الذاكرة التي تتجاوز حدود الجماعة لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

ومن هذه الزاوية، فإن استعادة الأدب السرياني في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة ليست ترفاً معرفياً، بل ضرورة لإعادة بناء صورة أكثر اتساعاً وعمقاً للتراث المشرقي؛ صورة لا تُقصي التعدد، ولا تنكر التفاعل، ولا تجعل من اللغة أداة للفصل بين البشر، بل جسراً يعبر عليه التاريخ من ماضٍ متعدد الأصوات إلى مستقبل أكثر رحابة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم