عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

آلاء صلاح: «مينتو».. تكنولوجيا الجسد وأزمة الهوية

قراءة نقدية في رواية عمرو عبد الحميد

مقدمة: تقدم رواية «مينتو» لعمرو عبد الحميد تصورًا لعالم يتحول فيه الجسد من كونه ملكية ثابتة للإنسان إلى كيان قابل للاستئجار والتداول وفق شروط محددة، لتطرح الرواية من خلال هذه الفكرة أسئلة عميقة حول العلاقة بين الإنسان وجسده، وبين الوعي والهوية، وبين الحرية والاختيار. ولا تكتفي الرواية بتوظيف التكنولوجيا في إطار الخيال العلمي، بل تجعلها وسيلة لإعادة التفكير في معنى الإنسان ذاته، إذ يصبح الجسد مساحة للصراع حول الذات والقرار والوجود.

وتتجلى خطورة هذا التحول في إمكانية أن يجد الإنسان نفسه خاضعًا لنتائج اختيار سابق لم يعد قادرًا على التحكم في تبعاته، فتنتقل الرواية من التساؤل حول ملكية الجسد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمدى امتلاك الإنسان لذاته. فإذا أمكن فصل الجسد عن صاحبه، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت الهوية تستند إلى الجسد أم إلى الوعي والذاكرة، وإذا أصبح الجسد موضوعًا للتعاقد، فإن ذلك يقود إلى التساؤل عما إذا كانت الحرية ذاتها يمكن أن تصبح قابلة للتنازل.

ومن ثم، تتجاوز «مينتو» حدود الخيال الروائي لتطرح أزمة تمس الإنسان المعاصر، مؤكدة أن التطور التكنولوجي لا يقتصر تأثيره على تغيير أدوات الحياة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل تصور الإنسان عن ذاته وهويته وحدود حريته وملكيته لجسده.

أولا: تكنولوجيا الجسد وتحول الإنسان إلى موضوع للتداول

تقوم الفكرة المركزية في «مينتو» على تصور يصبح فيه الجسد البشري قابلًا للاستئجار وفق شروط واتفاقات مسبقة، مما يحوله من مساحة خاصة للوجود إلى كيان يمكن إدخاله في علاقات تعاقدية. ويجد الإنسان نفسه أمام إمكانية انفصال جسده عن إرادته، فتتحول الملكية الشخصية من أمر بديهي إلى علاقة تحكمها الشروط والاتفاقات. وتظهر التكنولوجيا بوصفها الوسيط الذي يسمح بتحويل ما هو شخصي وحميم إلى شيء قابل للتبادل، بل وإعادة تعريف الجسد باعتباره موردًا يمكن استثماره. ومن هنا تطرح الرواية سؤالًا أخلاقيًا حول حدود ما يمكن أن يخضع للملكية والتعاقد، وما إذا كان تحويل الجسد إلى سلعة يؤدي بالضرورة إلى تحويل الإنسان نفسه إلى سلعة. كما تفتح فكرة استئجار الجسد مجالًا لفحص علاقة التكنولوجيا بالسلطة والاقتصاد والسيطرة على الإنسان.

وتكشف الرواية عن مفارقة أساسية تتمثل في أن التكنولوجيا التي تبدو وسيلة لتوسيع الخيارات قد تتحول إلى وسيلة لتقييد الإنسان، فكلما اتسعت قدرته على استخدام جسده بطرق جديدة، اتسعت إمكانية إخضاعه لأنظمة وشروط تتجاوز إرادته المباشرة. لذلك تظهر التكنولوجيا بوصفها قوة مزدوجة لا يمكن الحكم عليها باعتبارها خيرًا أو شرًا في ذاتها، إذ تتحدد قيمتها الأخلاقية وفق طريقة استخدامها والعلاقات التي تنتجها بين الأفراد. وفي «مينتو» لا تمثل التكنولوجيا مجرد خلفية للأحداث، بل تصبح جزءًا من بنية العالم، فتعيد تنظيم العلاقة بين الفرد وجسده، وبين الفرد والآخر، وبين الإنسان والنظام الذي يحكم حياته. وبذلك تنتقل من كونها أداة خارجية إلى قوة تؤثر في تعريف الذات نفسها، إذ لا يكتفي الإنسان باستخدام التقنية، وإنما يصبح معرضًا لأن تعيد التقنية تشكيل شروط وجوده. ومن هنا تتجاوز الرواية السؤال عن إمكان التكنولوجيا إلى السؤال عن نتائج استخدامها على الكرامة الإنسانية.

وتكشف فكرة الجسد المستأجر كذلك عن إمكانية تحوله إلى مساحة للصراع بين إرادات متعددة، فعندما يصبح الجسد قابلًا للاستئجار، لا يعود الشخص وحده صاحب القرار فيما يحدث داخله أو من خلاله. ويؤدي الانفصال بين الجسد والإرادة إلى زعزعة إحدى أكثر المسلمات رسوخًا في التجربة الإنسانية، وهي تعامل الإنسان مع جسده بوصفه الامتداد الأكثر مباشرة لذاته وخصوصيته. أما في عالم «مينتو»، فتصبح هذه العلاقة قابلة للتفاوض والتعاقد وإعادة التوزيع، ويظهر الجسد باعتباره مجالًا يمكن للسلطة أن تمارس من خلاله تأثيرها على الفرد. ولا تقوم السيطرة هنا بالضرورة على القوة المباشرة، بل يمكن أن تمر عبر الرضا والموافقة والشروط، وهو ما يجعل الرواية أكثر تعقيدًا؛ لأن الخضوع قد لا يأتي في صورة إجبار واضح، بل يبدأ من قرار يظنه الإنسان حرًا. ومن ثم تطرح الرواية سؤالًا حول طبيعة الحرية عندما يكون الإنسان هو من يوافق على شروط ستقيده لاحقًا، ليصبح الجسد نقطة التقاء بين التكنولوجيا والعقد والسلطة والإرادة الفردية.

ولا تقتصر دلالة تكنولوجيا الجسد في «مينتو» على المستقبل المتخيل، وإنما تمتد إلى واقع معاصر تتزايد فيه قدرة التكنولوجيا على اختراق خصوصية الإنسان. فقد أصبح الجسد حاضرًا في منظومات رقمية وطبية واستهلاكية واسعة تتعامل معه بوصفه مصدرًا للبيانات والمعلومات، مما يجعل الرواية قابلة للقراءة بوصفها تنبيهًا إلى مستقبل محتمل يتحول فيه الجسد إلى مورد تقني. وكلما ازدادت قدرة الأنظمة على جمع المعلومات عن الإنسان، ازدادت أهمية السؤال عن حدود السيطرة على جسده وحياته. وتستثمر الرواية الخيال العلمي لتضخيم هذه الإمكانية ووضعها في صورة أكثر حدة ووضوحًا، فلا تصبح التكنولوجيا عنصرًا غرائبيًا فحسب، بل أداة تكشف اتجاهات كامنة في الواقع. وتكمن القيمة النقدية في جعل القارئ يعيد النظر في الأشياء التي تبدو طبيعية في حياته اليومية، لأن ما يبدو خدمة أو اتفاقًا أو خيارًا تقنيًا قد يحمل مستقبلًا آثارًا أعمق على استقلال الإنسان. ومن خلال الجسد تكشف الرواية قدرة التكنولوجيا على إعادة صياغة الحدود بين الخاص والعام، وبين الإنسان والشيء، ليصبح «مينتو» تأملًا في مستقبل قد تتغير فيه طبيعة العلاقة بين الإنسان وجسده.

ثانيا: أزمة الهوية بين الجسد والوعي

تضع «مينتو» مفهوم الهوية أمام اختبار جذري من خلال جعل الجسد قابلًا للانفصال عن صاحبه، بعدما كانت الهوية في التجربة اليومية مرتبطة بالجسد والوجه والصوت والحضور المادي. ومن هنا تطرح الرواية سؤالًا حول ما يجعل الإنسان هو نفسه رغم تغير جسده: أهي الذاكرة، أم الوعي الذي يمنحه الشعور باستمرار وجوده، أم أن الجسد عنصر أساسي في تشكيل الهوية؟ ولا تقدم الرواية هذه الأسئلة باعتبارها مسائل نظرية مجردة، بل تجعلها جزءًا من الأزمة التي يعيشها الإنسان داخل العالم الروائي، فتحول أزمة الجسد إلى أزمة في تعريف الذات. فإذا فقد الإنسان يقينه بأن الجسد الذي يعيش فيه هو جسده، فقد معه أحد أهم مصادر يقينه بذاته. وتكشف الرواية أن الهوية ليست حقيقة بسيطة يمكن اختزالها في عنصر واحد، بل تتكون من شبكة معقدة من الذاكرة والجسد والتجارب والعلاقات والوعي بالذات، بحيث يؤدي اهتزاز أحد هذه العناصر إلى اضطراب صورة الإنسان عن نفسه.

وتنتج أزمة الهوية في «مينتو» عن انهيار العلاقة المألوفة بين الجسد والذات، إذ تحتاج الذات إلى مرجع تستند إليه لتأكيد استمراريتها عبر الزمن، لكن قابلية الجسد للتبديل أو الاستئجار تفقد هذا المرجع ثباته. وهنا تتحول الهوية إلى عملية مستمرة من البحث عن الذات وإعادة تعريفها، فلا يعود الإنسان قادرًا على الاعتماد على مظهره الخارجي بوصفه دليلًا نهائيًا على شخصيته، ويصبح مطالبًا بالبحث عن عناصر أعمق تمنحه الإحساس بأنه ما يزال هو نفسه. كما تطرح الرواية تناقضًا بين الهوية الداخلية والصورة الخارجية، فقد يحتفظ الفرد بذاكرته ووعيه ومشاعره، بينما يصبح الجسد الذي يظهر من خلاله مختلفًا عن الصورة التي اعتاد أن يعرف نفسه بها. وينتج عن ذلك انفصال بين الطريقة التي يرى بها الإنسان ذاته والطريقة التي يراه بها الآخرون، لأن المجتمع يتعامل غالبًا مع الأشخاص من خلال علامات الجسد والمظهر والاسم والهوية الظاهرة، بينما ترتبط التجربة الداخلية بالوعي والذاكرة والشعور بالاستمرارية.

وتكشف «مينتو» من خلال هذا التناقض هشاشة الهوية عندما تصبح العلامات الخارجية غير قادرة على التعبير عن الحقيقة الداخلية، وتطرح أسئلة حول معرفة الشخص الحقيقي، ونسبة الأفعال إلى صاحبها، والمسؤولية التي تترتب عندما تنفصل الأفعال عن الشخص الذي يعتقد أنه صاحب الجسد. وهكذا تتداخل أزمة الهوية مع أزمة المسؤولية الأخلاقية والقانونية، ويتحول سؤال «من أنا؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بالأساس الذي يمكن من خلاله نسبة الفعل إلى الإنسان. ومن خلال هذا الصراع، تؤكد الرواية أن الهوية ليست مجرد امتلاك اسم أو جسد، وإنما تجربة مستمرة من الإحساس بالذات، فالإنسان يحتاج إلى الشعور بوجود استمرارية بين ماضيه وحاضره ومستقبله. وعندما تنكسر هذه الاستمرارية، يصبح وجوده النفسي مهددًا حتى لو ظل وعيه حاضرًا، ولذلك لا تقتصر التكنولوجيا في «مينتو» على تغيير الجسد، بل تهدد البنية التي يستند إليها الشعور بالذات.

وتظهر قيمة الخيال العلمي في الرواية بوصفه وسيلة لاختبار الحدود القصوى للمفاهيم الإنسانية، إذ تأخذ «مينتو» مفهومًا مألوفًا مثل الهوية وتضعه في ظرف استثنائي للكشف عن مكوناته الخفية. ومن خلال هذا الاختبار يصبح القارئ أمام تساؤلات حول العناصر التي يصعب التخلي عنها في تعريف الإنسان لنفسه: هل يمكن أن يظل الإنسان هو نفسه إذا تغير جسده بالكامل؟ وهل يستطيع الوعي وحده الحفاظ على الهوية من الانهيار؟ وتظل هذه الأسئلة مفتوحة، بما يمنح الرواية بعدها التأملي والنقدي، ويجعل أزمة الجسد مدخلًا لإعادة التفكير في معنى الهوية واستمرارية الذات وحدود العلاقة بين الجسد والوعي.

ثالثا: الحرية والمسؤولية في عالم التعاقد التقني

تقدم «مينتو» مفهوم الحرية في صورة إشكالية، إذ لا تواجه الشخصيات دائمًا قوة تفرض عليها اختياراتها بصورة مباشرة، بل ينشأ جزء من الأزمة من موافقة سابقة على شروط تصبح نتائجها لاحقًا أكثر قسوة مما كان متوقعًا. ومن هنا تضع الرواية مفهوم الموافقة أمام اختبار أخلاقي، فتطرح سؤالًا حول مدى حرية الموافقة إذا لم يكن الإنسان قادرًا على إدراك نتائجها كاملة، وحول ما إذا كانت موافقة الشخص على الشروط تجعله مسؤولًا عن كل ما يترتب عليها. وتكشف الرواية أن العلاقة بين الحرية والمسؤولية تتجاوز مجرد الاختيار بين القبول والرفض، فالقرار قد يبدو حرًا لحظة اتخاذه، لكنه قد يتحول لاحقًا إلى قيد يصعب التخلص منه. وبذلك يمكن أن يتحول العقد من أداة لتنظيم الحرية إلى وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة، خاصة عندما تكون النتائج غير واضحة أو غير قابلة للتراجع، مما يجعل ليست كل موافقة تعبيرًا كاملًا عن الحرية.

ويظهر البعد الأخلاقي بصورة أوضح عندما تصبح مسؤولية الإنسان مرتبطة بجسد قد لا يكون تحت سيطرته، إذ لا تحدد الهوية الجسدية من يكون الإنسان فقط، وإنما قد تحدد أيضًا الأفعال التي يمكن أن تُنسب إليه. وعندما يحدث الانفصال بين الشخص والجسد، يصبح مفهوم المسؤولية موضعًا للتساؤل، فيبرز السؤال حول تحمل الإنسان مسؤولية فعل ارتُكب بجسد لم يعد يسيطر عليه، وإمكان فصل المسؤولية عن الوعي والإرادة. وهكذا تتحول أزمة الجسد إلى أزمة أخلاقية وقانونية في الوقت نفسه، لأن التكنولوجيا حين تعيد تشكيل الجسد تستطيع أن تعيد تشكيل المفاهيم التي قامت عليها المسؤولية الإنسانية. فالأنظمة الأخلاقية والقانونية تفترض عادة وجود علاقة واضحة بين الفاعل والفعل والجسد، لكن هذه العلاقة تصبح مضطربة في عالم يمكن فيه فصل الجسد عن صاحبه. ومن هنا يستخدم الخيال العلمي لاختبار صلاحية المفاهيم القديمة أمام التحولات التي تفرضها التكنولوجيا الجديدة.

وتكشف الرواية كذلك خطورة تحول الإنسان إلى طرف داخل منظومة تقنية لا يملك السيطرة الكاملة عليها، فكلما ازداد اعتماد الفرد على النظام الذي ينظم استخدام الجسد، أصبح أكثر ارتباطًا بالقواعد التي يضعها هذا النظام. وتظهر التكنولوجيا هنا بوصفها بنية اجتماعية وليست مجرد أدوات محايدة، لأن الخطر لا يأتي من الجهاز أو التطبيق وحده، وإنما من القواعد والمؤسسات والمصالح التي تحدد كيفية استخدامه. ومن ثم تنتقد «مينتو» فكرة أن التقدم التقني يعني بالضرورة مزيدًا من الحرية، فالتكنولوجيا قد تمنح الإنسان إمكانات جديدة، لكنها قد تفرض عليه في الوقت نفسه أشكالًا جديدة من التبعية. وقد يصبح الاختيار نفسه جزءًا من نظام أكبر يحدد الخيارات المتاحة مسبقًا، فتتداخل الحرية مع السلطة في علاقة يصعب الفصل بين عناصرها. لذلك يصبح السؤال الأهم ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا فعله، وإنما من يملك حق تحديد كيفية استخدامها، وبذلك تنتقل الرواية من نقد التكنولوجيا إلى نقد البنية الاجتماعية التي تمنحها سلطتها.

وفي النهاية، تستخدم «مينتو» الخيال العلمي لتفكيك عدد من المسلمات المتعلقة بالإنسان والجسد والحرية، فالجسد ليس مجرد مادة بيولوجية، وإنما مجال للصراع على الهوية والملكية والإرادة، والتكنولوجيا ليست مجرد وسيلة متقدمة، بل قوة يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته. أما الهوية فتظهر باعتبارها بناءً هشًا يتأثر بالجسد والوعي والذاكرة والآخرين، بينما تصبح الحرية أكثر تعقيدًا عندما تدخل التكنولوجيا في صميم الاختيارات الإنسانية. فقد يختار الإنسان، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على التحكم في نتائج اختياره، وقد يملك جسده، لكن ملكيته قد تصبح موضعًا للتفاوض داخل نظام تقني جديد. ومن هنا تكمن القيمة النقدية للعمل في تحويل سؤال المستقبل إلى سؤال عن الإنسان في الحاضر؛ فالرواية لا تسأل فقط عما يمكن أن تفعله التكنولوجيا بالجسد، بل عما يمكن أن تفعله بالمعنى الذي يمنحه الإنسان لذاته، ليصبح القلق الحقيقي فيها ليس فقدان الجسد وحده، وإنما احتمال فقدان الإنسان لقدرته على تعريف نفسه بنفسه.

خاتمة

تكشف رواية «مينتو» عن عالم يصبح فيه الجسد نقطة التقاء أساسية بين التكنولوجيا والهوية والحرية والمسؤولية، ومن خلال تحويله إلى كيان قابل للاستئجار، تضع الرواية التصورات التقليدية المتعلقة بملكية الإنسان لذاته أمام اختبار حاد. وفي قراءتي لهذا التصور، أرى أن خطورة الفكرة لا تتوقف عند إمكانية استخدام الجسد أو تداوله، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في العلاقة التي تربط الإنسان بجسده بوصفه جزءًا من هويته ووجوده. فالتكنولوجيا التي تبدو في ظاهرها وسيلة لتوسيع إمكانات الإنسان قد تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيله والسيطرة عليه، خاصة عندما يصبح الجسد خاضعًا لشروط واتفاقات تتجاوز الإرادة المباشرة للفرد. ومن هنا تكشف الرواية عن مفارقة أساسية تتمثل في أن التقنية قد تمنح الإنسان إمكانات جديدة، لكنها قد تفتح في الوقت نفسه مجالات جديدة للتبعية والسيطرة، وهو ما يجعل علاقتها بالإنسان بحاجة إلى مساءلة أخلاقية تتجاوز حدود الاستخدام التقني المباشر.

ومن منظور الباحثة، تبرز أزمة الهوية بوصفها إحدى أهم النتائج الفلسفية التي يثيرها انفصال الجسد عن صاحبه. فالإنسان اعتاد أن يرى جسده باعتباره امتدادًا مباشرًا لذاته، وأن يستند إلى ملامحه وصوته وحضوره المادي في تأكيد هويته واستمراريته. لكن «مينتو» تقلب هذا التصور عندما تجعل الجسد قابلًا للتبديل والاستئجار، فتفتح المجال أمام التساؤل حول العناصر التي تجعل الإنسان هو نفسه رغم تغير جسده. وهنا تتداخل أسئلة الجسد والوعي والذاكرة، إذ لم تعد الهوية حقيقة ثابتة يمكن ربطها بالجسد وحده، بل تصبح بناءً أكثر تعقيدًا تشترك في تشكيله الخبرات والذكريات والوعي بالذات. وتكشف الرواية، في هذا السياق، أن اضطراب العلاقة بين الجسد والذات يمكن أن يؤدي إلى اضطراب صورة الإنسان عن نفسه، لأن فقدان اليقين بالجسد يعني فقدان أحد المراجع الأساسية التي يستند إليها الشعور بالهوية. ومن ثم فإن تكنولوجيا الجسد لا تغير المظهر الخارجي للإنسان فحسب، وإنما تمس البنية التي يقوم عليها إدراكه لذاته واستمراره عبر الزمن.

وتتعمق هذه الأزمة عندما يرتبط استخدام الجسد بالاختيار والموافقة والتعاقد، إذ يصبح الإنسان أمام قرارات قد تبدو حرة لحظة اتخاذها، لكنها قد تتحول لاحقًا إلى التزام يصعب التراجع عنه. وهنا أرى أن الرواية تطرح مفهوم الحرية في صورته الأكثر تعقيدًا، لأن الحرية لا يمكن اختزالها في مجرد القدرة على القبول أو الرفض، وإنما ترتبط كذلك بمدى قدرة الإنسان على إدراك نتائج اختياره والتحكم في تبعاته. فإذا كان الإنسان يوافق على شروط لا يستطيع تقدير نتائجها بصورة كاملة، فإن مفهوم الموافقة ذاته يصبح موضعًا للتساؤل. كما تفتح الرواية بابًا أمام إعادة التفكير في المسؤولية، خاصة عندما يصبح الجسد منفصلًا عن صاحبه، إذ تظهر أسئلة تتعلق بمن يتحمل مسؤولية الفعل عندما لا يكون الجسد تحت السيطرة الكاملة لصاحبه، وما إذا كان يمكن فصل المسؤولية عن الوعي والإرادة. وبذلك يتحول الجسد في «مينتو» إلى مجال تتقاطع فيه الحرية مع السلطة، والتكنولوجيا مع العقد، والاختيار مع المسؤولية الأخلاقية والقانونية.

ولا تقف الدلالة النقدية للرواية عند المستقبل المتخيل، بل تمتد إلى الحاضر الذي تتزايد فيه قدرة التكنولوجيا على الوصول إلى خصوصية الإنسان والتعامل مع جسده بوصفه مصدرًا للبيانات والمعلومات. ومن خلال هذه الزاوية، يمكن قراءة «مينتو» بوصفها تنبيهًا إلى إمكانية مستقبلية يتحول فيها الجسد إلى مورد تقني واقتصادي، وتصبح الحدود بين الإنسان والشيء، وبين الخاص والعام، أكثر هشاشة. فالخطر، كما تكشف الرواية، لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في النظام الاجتماعي والمؤسساتي الذي يحدد كيفية استخدامها، وفي المصالح والقواعد التي يمكن أن تمنحها سلطة متزايدة على الإنسان. لذلك لا أرى أن الرواية تقدم التكنولوجيا باعتبارها شرًا مطلقًا أو خيرًا مطلقًا، وإنما تكشف طبيعتها المزدوجة؛ فهي قادرة على توسيع إمكانات الإنسان، وفي الوقت نفسه قادرة على إنتاج أشكال جديدة من التبعية إذا أصبحت جزءًا من منظومة لا يملك الفرد السيطرة الكاملة عليها. ومن هنا يصبح السؤال الفلسفي الأهم ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا فعله بالجسد، وإنما من يملك حق تحديد كيفية استخدامها، ومن يملك سلطة التحكم في نتائجها.

وبناءً على ذلك، أرى أن القيمة النقدية الأساسية لـ«مينتو» تتمثل في قدرتها على استخدام الخيال العلمي لتفكيك عدد من المسلمات المتعلقة بالإنسان وجسده وهويته وحريته. فالجسد في الرواية ليس مجرد مادة بيولوجية، وإنما يصبح مجالًا للصراع على الملكية والإرادة والهوية، بينما تتحول التكنولوجيا من أداة يستخدمها الإنسان إلى قوة يمكن أن تعيد تشكيل شروط وجوده. كما أن الهوية لا تظهر باعتبارها حقيقة ثابتة، وإنما بوصفها بناءً هشًا يتأثر بالجسد والوعي والذاكرة والعلاقات مع الآخرين. أما الحرية، فتغدو أكثر إشكالية عندما تدخل التكنولوجيا في صميم الاختيارات الإنسانية، لأن الإنسان قد يختار بإرادته، لكنه قد لا يملك دائمًا القدرة على التحكم في نتائج اختياره. ومن خلال هذا التحليل، يتضح أن المستقبل الذي ترسمه الرواية، رغم ظهوره في صورة بعيدة عن الواقع، يستند إلى أسئلة حاضرة بالفعل حول الخصوصية والجسد والاختيار والسيطرة. وهنا تكمن أهمية «مينتو» في أنها تحول سؤال المستقبل إلى سؤال عن الإنسان في الحاضر، وتدفعني كباحثة إلى إعادة التفكير في الحد الفاصل بين استخدام التكنولوجيا للإنسان واستخدام الإنسان للتكنولوجيا، وصولًا إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا أصبح الجسد قابلًا للتبديل والاستئجار، فما الذي يبقى للإنسان ليقول عنه بثقة: هذا أنا؟

***

آلاء صلاح - كاتبة وباحثة أكاديمية

في المثقف اليوم