عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

سلوى ادريسي والي: الأمية في القرآن

قراءة في العلاقة بين الكتاب والسلطة الدينية في القرآن

مدخل: حين يصف القرآن الرسول بـ"الأمي" وأمته بـ"الأميين"، دأب كثير من القراءات على حصر المعنى في بُعد تقني ضيق: عدم القدرة على القراءة والكتابة، يُستدعى غالبًا كدليل إعجازي خارجي لا أكثر. غير أن تتبع السياقات التي يرد فيها لفظ "الأمي" وما يقترن به من أفعال - الكتابة، التحريف، لَيّ الألسنة - يكشف عن بنية دلالية أعمق: الأمية هنا ليست غياب مهارة، بل غياب انتماء إلى منظومة مؤسسية كانت تحتكر تاريخيًا حق التصرف في النص الديني ونقله وتأويله. هذا المقال يحاول تتبع هذا الخيط عبر الآيات التي يتأسس عليها، وصولًا إلى ما تمنحه هذه القراءة من فهمٍ لموقع الرسول من "الكهنوت" بوصفه بنية اجتماعية-تاريخية لا صفة شخصية.

أولًا: الأمية كوضع معرفي وليس كوصف تقني

يقول تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2)

اللافت في الآية أنها، بعد ذكر "الأميين"، لا تنتقل إلى الحديث عن تعليمهم القراءة والكتابة بما هي مهارة، بل تذكر مباشرة وظائف الرسالة: التلاوة، التزكية، تعليم الكتاب والحكمة. هذا الانتقال يشي بأن المشكلة التي تعالجها البعثة ليست الأمية بوصفها عجزًا تقنيًا، بل علاقة مضطربة بـ"الكتاب" ذاته - علاقة يفسرها القرآن في موضع آخر تفسيرًا صريحًا:

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: 78)

هنا يُربط لفظ "الأميين" مباشرة بانعدام العلم اليقيني بالكتاب، ومعرفة تقوم على الأماني والظن لا على تحقق. الأمية إذن، في هذا السياق، صفة نسبية إلى الكتاب لا صفة مطلقة في الفرد: هي انقطاع عن مصدر المعنى الديني، لا عجز عن الحرف. وهذا ما يفسر أن الجدير بالبيان بعد ذكر "الأميين" في الجمعة ليس تعليم الحرف، بل استعادة العلاقة بالكتاب من أساسها.

ثانيًا: الطرف المقابل - من يملك الكتابة ويصنع الالتباس

يقدم القرآن مباشرة بعد ذلك صورة الطرف الآخر من هذه العلاقة المضطربة:

﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (البقرة: 79)

هنا تتضح البنية الثنائية التي تحكم هذا السياق القرآني: فئة لا تملك معرفة يقينية بالكتاب (78)، وفئة أخرى تكتب بيدها وتنسب إلى الله ما كتبته (79). بين الفئتين تنشأ بيئة يصبح فيها احتكار المعنى الديني ممكنًا: من يملك أداة الكتابة يملك القدرة على صياغة "الكتاب" وفرضه على من لا يملك معياره الخاص للتحقق.

غير أن الكتابة هنا ليست الآلية الوحيدة لهذا الاحتكار في القرآن. ثمة آيات أخرى تصف الآلية ذاتها بصيغة لسانية لا يدوية:

﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ (النساء: 46)

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: 78)

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75)

هذا التوازي بين "يكتبون بأيديهم" (79) و"يلوون ألسنتهم" (آل عمران 78) و"يحرّفون الكلم" (النساء 46) يكشف أن العلة البنيوية ليست الكتابة بما هي فعل يدوي في ذاته، بل التصرف في الوسيط الناقل للمعنى الديني - يدًا كان أم لسانًا - من موقع مؤسسي يمنح صاحبه سلطة الادعاء: "هذا من عند الله". اليد واللسان هنا وجهان لآلية واحدة: من يملك حق التصرف في الوسيط يملك حق تحويل النص، مع بقاء الغطاء الشكلي بأنه "من عند الله" أو "من الكتاب".

ثالثًا: أمية الرسول

في هذا السياق تحديدًا يكتسب نفي الكتابة عن الرسول معناه الكامل:

﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48)

المنطق الداخلي للآية واضح: لا معنى لنفي صفة إلا في مقابل احتمال قائم فعلًا يُستبعد. والآية نفسها تصرّح بهذا حين تعلّق النفي بأثره: ﴿إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ - أي أن ثمة معيارًا معروفًا عند الخصوم يُستخدم للحكم على شرعية دعوى الوحي: هل صاحبها ممن اشتغل بالكتاب والكتابة من قبل أم لا. وجود هذا المعيار أصلًا دليل على وجود ممارسة كتابية-كهنوتية سابقة يُقاس عليها ويُشتبه بها.

هذا الاستدلال يخدم قراءتين متكاملتين لا متعارضتين. القراءة التقليدية توجّه الاحتمال المنفي نحو مصدر النص: لو كان الرسول يقرأ ويكتب، لأمكن الطعن في أصالة القرآن بوصفه منقولًا عن كتب سابقة. أما القراءة التي يقترحها هذا المقال فتوجّه الاحتمال المنفي نحو موقع القائل: لو كان الرسول يكتب بيده، لأمكن إدراجه ضمن صنف ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 79) - أي أن يُتّهم بإنتاج نص من موقع الكاتب-الكاهن الذي تنتقده الآية ذاتها. أمية الرسول التقنية إذن ليست فقط دليل إعجاز خارجي، بل هي الشرط البنيوي الذي يمنعه من أن يشغل الموقع الذي تصفه البقرة 79 وآل عمران 78: موقع من يملك أداة التصرف في الوسيط ويحتكر بها إنتاج المعنى الديني.

وهذا يعني أن نفي الكتابة عن الرسول هو، ضمنيًا، تبرئة له من الشروع في عمل كهنوتي سابق - وهذا النفي بذاته يفترض وجود منظومة كتابة وزور وكتاب كانت قائمة فعلًا في البيئة الدينية التي بُعث فيها، وأن الرسول يُعرَّف بالضبط بموقعه خارجها.

- يجدونه مكتوبا عندهم

تكتسب الآية السابعة والخمسون بعد المئة من سورة الأعراف أهمية خاصة في إعادة النظر في علاقة الرسول الأمي بالكتب السابقة. يقول تعالى:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾

الأعراف: 157

فالقرآن هنا يجمع، في تركيب واحد، بين ثلاث دلالات: الرسول، والأمية، ووجود الشهادة به في التوراة والإنجيل.

والتعبير القرآني ليس: «يجدون اسمه مكتوبًا»، وإنما: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ﴾. وهذا التفصيل مهم منهجيًا؛ لأنه لا يلزم من الآية أن تكون الحجة القرآنية قائمة على وجود اسم صريح للنبي في كل نص سابق، وإنما تقرر أن الرسول الذي جاء به القرآن كان له ذكر أو وصف أو بشارة في الكتب السابقة التي عند أهل الكتاب.

ومن هنا ينبغي ألا تُختزل البشارة في البحث عن لفظ اسمي واحد. فالاسم، من الناحية النظرية، عنصر واحد داخل منظومة أكبر؛ أما البشارة فقد تكون شبكة من الصفات والوظائف والموقع داخل التاريخ النبوي، بحيث تتضافر عناصرها لتشير إلى الشخصية النبوية القادمة.

وهذا لا يعني، من الناحية التاريخية، أن القرآن يثبت أن اسم النبي(محمد) قد حُذف فعلًا من النسخ المتداولة من التوراة أو الإنجيل؛ فهذه دعوى تحتاج إلى بحث مستقل في تاريخ النصوص والمخطوطات. لكن القرآن يقرر أمرًا آخر أكثر تحديدًا: أن الرسول كان مكتوبًا عند أهل الكتاب، وأن بعض ما في الكتاب كان موضوعًا للإخفاء والتحريف والتأويل المنحرف.

رابعًا: الكتاب مقترنًا دومًا باحتمال التزوير

يلاحظ أن الكتابة في هذا السياق القرآني لا تُذكر أبدًا بريئة محايدة. في كل موضع تُذكر فيه الكتابة اليدوية للكتاب الديني، تقترن باحتمال التزوير:

﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 79)

﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (آل عمران: 78)

فحين تنفي آية العنكبوت الكتابة عن الرسول، فإنها لا تنفي عنه مهارة تقنية معزولة، بل تنفي عنه الانتماء إلى الحقل الدلالي الذي يربط "الكتابة" بـ"احتمال التزوير" ربطًا بنيويًا في القرآن نفسه. أمية الرسول تصبح بذلك شهادة سلبية على نزاهة موقعه: هو خارج الحقل الذي يُنتَج فيه الزور باسم الله.

خامسًا: من الكتاب إلى التزكية - استعادة الوظيفة

لا تكتفي آية الجمعة بوصف الرسول بأنه يعلّم الكتاب، بل تُدرج ذلك ضمن سلسلة وظائف أوسع:

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2)

استعادة الكتاب هنا ليست استعادة نصية معزولة، بل استعادة لوظيفته الرسالية الكاملة: الكتاب لا يكتسب معناه إلا حين يفضي إلى تزكية، والتزكية لا تكتمل إلا بحكمة. هذا يفسر لماذا تكون الخطيئة الأصلية في هذا السياق هي احتكار الكتابة (البقرة: 79) لا الأمية في ذاتها: فحين يُختزل الكتاب إلى نص يُحتكر إنتاجه والتصرف فيه، تنقطع وظيفته التزكوية، ويتحول من أداة تحرير معرفي إلى أداة سلطة.

هذا يتسق مع نقد قرآني أوسع لتحول الوساطة الدينية إلى سلطة مطلقة:

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31)

فالمشكلة، كما يتضح من مجمل هذه الآيات، ليست وجود علماء دين أو حَمَلة كتاب في حد ذاته، بل تحوّل الوسيط الديني - عبر احتكاره أدوات إنتاج المعنى ونقله، كتابةً أو تحريفًا باللسان- إلى صاحب سلطة مطلقة على ما هو إلهي.

خاتمة:

يتضح مما سبق أن "الأمية" في هذا الحقل الدلالي القرآني مفهوم مركّب: هي في آنٍ واحد وضع معرفي جماعي (البقرة: 78 - انقطاع عن يقين الكتاب)، وموقع بنيوي فردي (العنكبوت: 48 - براءة من أدوات المؤسسة الكاتبة)، ونفي لاحتمال التزوير (البقرة: 79، آل عمران: 78). وهي بهذا المعنى ليست نقصًا يُعالَج بتعليم الحرف، بل استلابٌ معرفي لا يُعالَج إلا باستعادة وظيفته الأصلية: التلاوة المفضية إلى تزكية وحكمة، وليس الكتابة المفضية إلى احتكار وادعاء.

***

سلوى ادريسي والي

أديبة، باحثة في اللاهوت، كوتش معتمد

 

في المثقف اليوم