عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

حمزة مولخنيف: مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر

من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة

ليس مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر لفظا عابرا من ألفاظ التداول الفلسفي الحديث ولا هو حدٌّ منطقيٌّ يُستوفى بالتعريف ثم يُطوى وإنما هو من المفاهيم التي استقرّت في قلب المعركة الفكرية والثقافية التي خاضها المغرب الحديث وهو يواجه أسئلة الذات والتاريخ والمصير. ذلك أنّ العقل في هذا السياق لم يُطرح من حيث هو ملكة ذهنية مجردة ولا من حيث هو أداة صورية للاستدلال فحسب، وإنما طُرح من حيث علاقته ببناء الإنسان وبكيفية تمثّل العالم وبطبيعة الصلة بين التراث والواقع وبحدود القدرة على استئناف فعل حضاري تعطّلت شروطه واختلّت موازينه. وقد اكتسب هذا المفهوم ثقله النظري وامتداده الحضاري لأنّ الكلام فيه كان كلاما في الوقت نفسه عن النهضة والإصلاح والحرية والهوية وعن إمكان الخروج من زمن التبعية إلى أفق الفعل التاريخي المنتج.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بالعقل ترفا فلسفيا ولا محاكاةً مدرسية لمباحث الفلسفة الغربية الحديثة وإنما كان استجابةً عميقةً لوضع تاريخي مأزوم تداخلت فيه آثار الانحطاط الطويل مع صدمة الحداثة ومع التوتر المستمر بين مرجعيات متنازعة. فقد بدا لكثير من المفكرين المغاربة أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة سياسة وحدها ولا أزمة اقتصاد أو إدارة أو تعليم بالمعنى التقني الضيق وإنما هي في جوهرها أزمة في نظام النظر نفسه وأزمة في كيفية اشتغال الوعي وأزمة في طرائق الفهم التي تحكم علاقتنا بالنصوص وبالوقائع وبالمفاهيم. لهذا لم يكن السؤال كيف ننهض فقط؟ بل صار قبل ذلك بأيّ عقل ننهض؟ وأيّ بنية معرفية تسند هذا النهوض؟ وأيّ علاقة ينبغي أن تُعاد صياغتها بين العقل والتراث وبين العقل والوحي وبين العقل والتاريخ وبين العقل والقيمة؟.

وقد ازداد هذا السؤال تعقيدا كلّما تعمّق الفكر المغربي في نقده لذاته لأنّ العقل الذي بدا في مرحلة من المراحل عنوانا للخلاص من التقليد والجمود سرعان ما صار هو نفسه موضوع مساءلة دقيقة. ذلك أنّ الرهان النهضوي الذي علّق على العقل آمالا واسعة لم يُفضِ إلى النتائج التي وُعد بها الوعي العربي الحديث، إذ لم تنجح الدعوات العقلانية وحدها في إنتاج حداثة متوازنة كما لم تستطع الشعارات التنويرية أن تمنع استمرار الازدواجية في المرجعيات أو أن توقف تمدد الخطاب الإيديولوجي أو أن تحسم العلاقة الملتبسة بين الأصالة والمعاصرة. وعند هذا المنعطف لم يعد العقل اسما لحلّ جاهز بل صار اسما لمشكلة مركبة وصار التفكير فيه يقتضي الانتقال من التمجيد الخطابي إلى الفحص النقدي ومن استعماله شعارا في السجال إلى جعله موضوعا للتحليل والحفر والكشف.

وهنا تتحدد القيمة الخاصة للفكر المغربي المعاصر في معالجته لمفهوم العقل إذ لم يكتفِ باستدعائه من خارج التاريخ ولم يذبه في تعميمات تجريدية فضفاضة، وإنما حاول أن يرده إلى شروطه الثقافية والمعرفية والأخلاقية وأن يقرأه من داخل التوترات التي صنعت مساره. ولهذا وجدنا العقل يتحول عند بعضهم إلى بنية إبستمولوجية تُفكّك أنظمة المعرفة العربية الإسلامية ويتحوّل عند بعضهم إلى أفق أخلاقي وائتماني يعيد وصل الفكر بالفعل والمعرفة بالقيمة ويتحوّل عند آخرين إلى وعي تاريخي صارم لا يرى إمكانا للفعل إلا بامتلاك المفهوم واستيعاب منطق العصر. إن البحث في مفهوم العقل داخل الفكر المغربي المعاصر ليس بحثا في لفظٍ فلسفيّ محدود الدلالة وإنما هو بحث في صورة الذات المغربية والعربية وهي تختبر قدرتها على فهم ماضيها وعلى نقد حاضرها وعلى تشييد أفقٍ جديد تتصالح فيه مع نفسها من غير انغلاق وتنفتح فيه على العالم من غير ذوبان.

إذا كان سؤال النهضة قد مثّل في الوعي العربي الحديث أشدّ الأسئلة إلحاحا وأوسعها امتدادا فإنّ الفكر المغربي المعاصر قد منح هذا السؤال صيغة أكثر تعقيدا وأعمق تركيبا حين ربطه منذ وقت مبكر بمسألة العقل لا بوصفه مجرد ملكة ذهنية من جملة الملكات ولا بوصفه أداة استدلال صورية محايدة، وإنما بوصفه الإطار الذي تنتظم داخله علاقة الإنسان بالعالم وبالتراث وبالزمن التاريخي وبإمكان الفعل الحضاري نفسه. فالعقل في هذا السياق لم يُطرح باعتباره حدا منطقيا يكتمل بالتعريف وإنما طُرح باعتباره مشكلةً تاريخية وثقافية وحضارية تتقاطع فيها الأسئلة المعرفية بالأخلاقية وتتداخل فيها رهانات الإصلاح بمآلات الهوية ويتعالق فيها نقد الموروث بإمكان استيعاب الحداثة من غير ذوبان ولا انغلاق.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بمفهوم العقل انشغالا تجريديا صرفا ولا كان استعادة مدرسية لمباحث الفلسفة القديمة أو الحديثة وإنما كان استجابةً واعيةً لوضع حضاري مأزوم بدا فيه أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة أدوات أو مؤسسات فحسب وإنما هي قبل ذلك أزمة في طرائق النظر وأزمة في بنية الوعي وأزمة في شروط إنتاج المعرفة وأزمة في صورة الإنسان عن نفسه وهو يحاول أن يقرأ تاريخه ويحدّد موقعه من العالم. ومن هنا جرى الانتقال من سؤال بسيط في ظاهره لماذا تأخرنا؟ إلى سؤال أكثر عمقا وأشدّ خطورة كيف يشتغل العقل الذي أنتج هذا التأخر؟ وهل العطب كامن في غياب العقل أم في نمط مخصوص من التعقل أم في علاقة مختلة بين العقل والنص وبين العقل والتاريخ وبين العقل والسلطة وبين العقل والأخلاق؟.

ولعلّ أول ما ينبغي تقريره في هذا المقام أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل بوصفه مفهوما واحدا بسيطا وإنما تعامل معه بوصفه مفهوما كثيفا تتنازعه مستويات متعدّدة من الدلالة. فالعقل قد يكون بنية معرفية وقد يكون منهجا في النظر وقد يكون سلطةً معياريةً تضبط الحكم والتمييز وقد يكون قابليةً أخلاقيةً تحفظ للإنسان توازنه في الفعل وقد يكون وعيا تاريخيا يدرك منطق التحولات العميقة في الاجتماع والعمران. ولهذا لم يكن الخلاف بين مفكري المغرب المعاصرين حول العقل خلافا في الاصطلاح وحده وإنما كان خلافا في المنبع والمجال والوظيفة والغاية. وهذا ما يفسّر أنّ العقل ظلّ حاضرا في قلب السجال المغربي المعاصر حضورا مركزيا لأنّ كلّ مشروع فكري كبير اضطرّ إلى أن يحدّد موقفه منه صراحةً أو ضمنا وأن يربط به تصوّره للتراث وللحداثة وللإنسان.

وإذا أردنا أن نفهم هذا الحضور الكثيف للعقل في الفكر المغربي المعاصر وجب أن نستحضر أنّ المغرب لم يدخل الحداثة من باب الترف النظري وإنما دخلها من باب الصدمة التاريخية. لقد جاءت الحداثة في العالم العربي عموما وفي المغرب خصوصا مقترنةً بتجارب الاستعمار والهيمنة والاختلال البنيوي في موازين القوة، فجعلت سؤال التقدّم متصلا اتصالا عضويا بسؤال التحرر. غير أنّ التحرر لم يكن ممكنا من غير مراجعة عميقة لأدوات الفهم نفسها. ولهذا كان العقل عند المفكر المغربي الحديث والمعاصر عنوانا مزدوجا، عنوانا للتحرر من الخارج وعنوانا للتحرر من الداخل. التحرر من الخارج يقتضي مقاومة التبعية والهيمنة. والتحرر من الداخل يقتضي نقد التقليد والجمود والتكرار وكسل المفهوم. ونفهم هنا لماذا لم يكن استدعاء العقل في الثقافة المغربية الحديثة مجرد ترديد لشعارات الأنوار وإنما كان محاولة لتشييد ذات قادرة على مقاومة الاستلاب الحضاري من غير أن تسقط في انغلاق دفاعي يعيد إنتاج أسباب الضعف.

ولا يمكن إغفال الخلفية التراثية العميقة التي ظلّت تؤطر النقاش المغربي حول العقل، لأنّ المغرب الفكري لم يبدأ من فراغ ولم يدخل إلى سؤال العقل من خارج تاريخه. فالمجال المغربي الأندلسي قد ورث تقاليد عقلية راسخة تتجلى في الفلسفة الرشدية وفي علم أصول الفقه وفي بعض وجوه النظر الكلامي وفي الممارسة الاجتهادية التي لم تكن تنفصل عن التقدير العقلي للمصالح والمآلات. وليس من قبيل المصادفة أن يظلّ ابن رشد حاضرا في الضمير الفلسفي المغربي الحديث حضورا استثنائيا. فالرجل الذي قرّر في فصل المقال أنّ «الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» لم يكن يقدّم عبارةً بلاغيةً تُستشهد للزينة وإنما كان يضع قاعدة كبرى في إمكان التساند بين البرهان والوحي، بين النظر العقلي والهداية الشرعية وبين الحكمة والشريعة. وقد ظلّت هذه العبارة على امتداد الفكر المغربي المعاصر أشبه بمرجع ضمني يعاد استدعاؤه كلما احتدم النزاع حول موقع العقل في الثقافة الإسلامية.

وليس ابن رشد وحده هو الذي يمدّ هذا النقاش بمواده العميقة بل إنّ التراث الأصولي نفسه قد ظلّ مصدرا مهما في فهم العقل ووظيفته. فحين يشتغل الأصولي على القياس والاستصحاب والاستحسان وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه فإنّه لا يمارس مجرد صناعة فقهية جزئية وإنما يمارس عقلا استدلاليا مركّبا، عقلا يربط النص بالواقع والجزئي بالكلي والعلّة بالحكم والمآل بالمقصد. ولذلك الشاطبي حين كان يقول إنّ «وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل» يفتح أفقا لعقل مقاصدي لا يقف عند ظاهر الدليل من غير فقه لعلله وغاياته. وكان القرافي حين يميّز بين التصرفات بحسب المقامات والعلل والآثار يكشف عن حسّ عقلي دقيق لا يمكن اختزاله في حرفية النصوص. إنّ الفكر المغربي المعاصر حين عاد إلى سؤال العقل لم يكن مضطرا إلى استيراده من الخارج على نحو كامل لأنّ في تراثه نفسه إمكانات عقلية معتبرة، غير أنّ هذه الإمكانات كانت في حاجة إلى إعادة قراءة ونقد وإعادة ترتيب.

إنّ مجرد التذكير بوجود تقاليد عقلية في التراث لم يكن كافيا عند مفكري المغرب المعاصرين، لأنّ المشكلة لم تكن في إثبات أنّ أسلافنا عقلانيون، بل كانت في فهم كيف تعطّلت فعالية هذه العقلانية وكيف تحوّلت في مراحل لاحقة إلى أنماط من التكرار المذهبي أو الانغلاق المدرسي أو التبرير السلطوي. هنا انتقل السؤال من مجرد الدفاع عن العقل إلى الحفر في شروط انكساره التاريخي. ولم يعد المقصود أن نردّ على من يتهم الثقافة الإسلامية باللاعقلانية فقط وإنما صار المقصود أن نسأل أنفسنا بصرامة لماذا لم يتحول ما نملكه من رصيد عقلي إلى قوة حضارية متجددة؟ ولماذا انتهت كثير من أدواتنا المفهومية إلى العجز عن مواكبة التحولات الكبرى في العالم؟ ولماذا صار الاجتهاد استثناءً والتقليد قاعدة؟ ولماذا انكمش العقل العمومي أمام سلطات متعددة سياسية واجتماعية ورمزية؟.

تتبدّى القيمة الكبرى هنا لهاته المشاريع الفكرية المغربية المعاصرة لأنها لم تتوقف عند حدود الخطاب الإصلاحي العام بل نقلت النقاش إلى مستوى أكثر عمقا حيث صار العقل نفسه موضوعا للتفكيك والتحليل. ويبرز في هذا السياق محمد عابد الجابري بوصفه أحد أكثر المفكرين المغاربة وعيا بأنّ سؤال النهضة لا يُجاب عنه من خارج بنية العقل العربي ذاته. فالجابري لم يتعامل مع العقل العربي على أنّه جوهر عرقي أو ماهية ثابتة وإنما نظر إليه بوصفه منظومةً من القواعد الضمنية التي تشكلت تاريخيا داخل الثقافة العربية الإسلامية ووجّهت طرائق الفهم والاستدلال والتصنيف والبرهنة. ولهذا كان يفرّق بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، أي بين القدرة المنتجة للمعرفة من جهة وبين الترسبات الثقافية والمؤسساتية والمعيارية التي تحدّد كيف يشتغل العقل فعليا من جهة أخرى. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأنه يجعلنا نخرج من وهم القول بأنّ المشكلة في الإنسان العربي من حيث طبيعته لنفهم أنّ المشكلة في بنية ثقافية تاريخية قابلة للنقد وإعادة البناء.

ومن هذا المنظور جاءت قراءته الشهيرة لأنظمة المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية حيث ميّز بين البيان والعرفان والبرهان. وليس هذا التمييز مجرّد تصنيف أكاديمي للمعارف بل هو تشخيص عميق لبنية العقل كما تشكّلت في التاريخ العربي الإسلامي. فالبيان عنده يمثل سلطة اللغة والنص والقياس الفقهي والكلامي في صيغته المهيمنة، والعرفان يمثل الأنساق الباطنية والإشراقية والهرمسية التي جعلت المعرفة ضربا من الكشف والذوق والاتصال، أمّا البرهان فيمثل أفق العقل الفلسفي الأرسطي كما استوعبه الفلاسفة المسلمون وخصوصا في ذروته الرشدية. وقد كان الجابري يرى أنّ اختلال التوازن بين هذه الأنظمة هو أحد أسباب العجز الحضاري لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على نفسها أو تمدد العرفان حين يهيمن على مجالات لا يضبطها يؤديان إلى إضعاف البرهان بوصفه أداة للنقد والتمييز والصرامة المفهومية.

وهنا نفهم لماذا كان ابن رشد عند الجابري ليس مجرد اسم من أسماء الفلاسفة بل كان رهانا حضاريا ومنهجيا. لقد رأى فيه نموذجا لعقلانية عربية إسلامية قادرة على التمييز بين مجالات القول وعلى ضبط العلاقة بين الشريعة والحكمة وعلى تحرير النظر من الخلط بين مقتضيات البرهان ومقتضيات الخطابة أو الجدل. ولذلك لم يكن دفاع الجابري عن الرشدية حنينا إلى ماضٍ ذهبيٍّ يُستعاد على نحو متحفي وإنما كان فعل اختيار داخل التراث نفسه، أي تمييزا بين عناصر تصلح لبناء حداثة عربية نقدية وأخرى تمثل عوائق معرفية ينبغي تفكيكها. وقد عبّر في أكثر من موضع عن هذا المعنى حين جعل من «نقد العقل العربي» شرطا في إمكان أيّ نهضة لأنّ النهضة لا تتحقق بتكديس الشعارات ولا باستيراد التقنيات وإنما تتحقق بإعادة بناء أدوات الفهم ذاتها.

غير أنّ مشروع الجابري على قوته واتساع أثره لم يمرّ دون مساءلة عميقة بل لعلّ قيمته الكبرى تكمن في كونه فتح بابا واسعا لإعادة تعريف العقل نفسه. فإذا كان الجابري قد راهن على البرهان والنقد الإبستمولوجي والقطيعة مع البنيات المعرفية الموروثة التي رآها معيقة فإنّ طه عبد الرحمن سيأتي ليقول إنّ هذا الرهان على ضرورته يظلّ ناقصا إذا لم يُستكمل بردّ العقل إلى مجاله الأخلاقي والروحي. فالعقل عند طه ليس مجرد آلة استدلال أو جهاز مفهومي أو أداة تفكيك للأنساق وإنما هو فعل وجودي وأخلاقي يتحدد بقدر ما يقدر الإنسان على التخلّق وعلى الوفاء وعلى الائتمان. ولهذا فإنّ الاقتصار على العقل البرهاني أو الأداتي يفضي في نظره إلى صورة مبتورة من الإنسان، صورةٍ تفصل بين المعرفة والقيمة وبين النظر والعمل وبين الفكر والسلوك.

إنّ طه عبد الرحمن لا يرفض العقل كما يتوهم بعض قرّائه السطحيين بل يمكن القول إنّه من أكثر المفكرين المغاربة دفاعا عن العقل، غير أنّه يدافع عن عقل موسّع لا عن عقل مختزل. وهو يذكّر في غير موضع بأنّ العقل إذا انفصل عن الأخلاق تحوّل إلى مكر وإذا انفصل عن العمل تحوّل إلى ترف ذهني وإذا انفصل عن الروح تحوّل إلى سلطة تقنية قد تبهر الإنسان وتستعبده في آن واحد. ومن هنا جاءت مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«التسديد» و«الائتمانية» و«فقه الفلسفة» لتؤكد أنّ العقل الحق لا يكتمل بصرامة البرهان وحدها وإنما يكتمل حين يظلّ موصولا بأفق قيمي يزكّيه ويهذّبه ويمنع تحوّله إلى مجرد فاعلية أداتية. وفي هذا المعنى يلتقي من جهة بعيدة مع تحذيرات فلاسفة الحداثة النقديين في الغرب أنفسهم الذين نبّهوا إلى مخاطر العقل الأداتي. فهابرماس مثلا تحدّث عن «استعمار العالم المعيش» بواسطة الأنظمة التقنية والإدارية حين ينفصل العقل عن التواصل والمعنى. وأدورنو وهوركهايمر في جدل التنوير أشارا إلى أنّ التنوير نفسه قد ينقلب إلى أسطورة جديدة إذا تحوّل العقل إلى أداة سيطرة محضة. غير أنّ طه يذهب أبعد من ذلك حين يربط إصلاح العقل بإصلاح الإنسان في باطنه وظاهره معا.

ويتجلّى هنا التحول العميق من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي الأفق النهضوي كان العقل يظهر غالبا بوصفه العلاج المباشر للتقليد والجمود، وكان يكفي في كثير من الأحيان أن نرفع شعار العقلانية والنقد والاجتهاد لنظنّ أنّنا اقتربنا من الحل. أمّا في الأفق الذي تبلور لاحقا داخل الفكر المغربي المعاصر فقد صار العقل نفسه موضع مساءلة لأنّ التجربة التاريخية كشفت أنّ مجرّد الدعوة إلى العقل لا تكفي. لقد رفعت النخب العربية الحديثة شعارات العقل والتنوير والإصلاح، ومع ذلك ظلّت البنيات العميقة للتخلّف فاعلة بل أفرزت أشكالا جديدة من الازدواجية والتبعية والانفصام بين القول والممارسة. ولم يعد السؤال كيف ننتصر للعقل؟ بل صار أيّ عقل نريد؟ وكيف نضمن ألّا يتحول إلى أيديولوجيا؟ وكيف نحول دون انفصاله عن المجتمع وعن الأخلاق وعن شروطه التاريخية الفعلية؟ .

ولا يمكن إغفال عبد الله العروي في هذا السياق، لأنّ حضوره في النقاش المغربي حول العقل حاسم وإن لم يشتغل دائما بالمصطلح نفسه بالقدر الذي فعل الجابري أو طه. فالعروي يفكّر في العقل من خلال التاريخية الصارمة ومن خلال المفهوم ومن خلال ضرورة استيعاب منطق الحداثة الحديثة لا الاكتفاء بالتغني بها أو التلفظ بمفرداتها. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لأنماط من الوعي الملتبس الذي يريد أن يجمع بين أزمنة متباعدة من غير حسم ويستعمل المفاهيم الحديثة استعمالا لغويا أو شعاريا من غير أن يدخل في شروطها البنيوية. فالعقل عند العروي ليس مجرد استعداد نظري وإنما هو قدرة على التمثل التاريخي الدقيق وعلى إدراك أنّ المفاهيم الكبرى مثل الدولة والحرية والتاريخ والعقلانية لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ بل تُكتسب داخل مسار تاريخي صعب يقتضي وعيا صارما بالتحولات العميقة التي صنعتها.

ومن هنا كان العروي شديد الحذر من كلّ نزعة توفيقية ساذجة لأنّ التوفيق عنده قد يتحول إلى ستر للعجز عن الحسم المفهومي. وهو بهذا المعنى ينتمي إلى ذلك المزاج الفكري الذي يرى أنّ الأزمة ليست في نقص الحماسة ولا في ضعف النوايا وإنما في غموض المفاهيم واختلاط الأزمنة والتردد في مواجهة مقتضيات العصر. وهذا وجه آخر من وجوه التفكير في العقل، وجه يجعل العقل وعيا بالتاريخ قبل أن يكون مجرد أداة تحليل. فإذا كان الجابري يحفر في بنية العقل العربي وكان طه يردّ العقل إلى أفقه الأخلاقي الائتماني فإنّ العروي يربط العقل بالصرامة التاريخية وبالقدرة على امتلاك المفهوم الحديث امتلاكا فعليا لا إنشائيا.

إنّ هذا التعدد في المقاربات لا يعني تشتتا عقيما كما قد يتوهم بعض القرّاء، وإنما يدلّ على نضج استثنائي في الفكر المغربي المعاصر. فاللحظة التي يتوقف فيها المفكرون عن ترديد الشعارات العامة ويشرعون في مساءلة أدواتهم نفسها، هي لحظة انتقال من الخطابة إلى الفكر. ولهذا فإنّ القيمة الكبرى للنقاش المغربي حول العقل أنّه لم يكتفِ بتمجيد العقل كما تفعل كثير من الأدبيات التنويرية السطحية بل جعل من العقل نفسه موضوعا للنقد وسأل عن حدوده وعن أنماطه وعن إمكان انحرافه وعن علاقته بالسلطة وعن قابليته لأن يتحول من أداة تحرير إلى أداة تبرير. وهذه منزلة عالية في التفكير لأنّها تضعنا أمام حقيقة مفادها أنّ العقل ليس خيرا خالصا في ذاته إذا لم يُضبط، وليس قوةً منقذةً بمجرد الإعلان عنها بل هو فاعلية تاريخية مركبة قد تُنتج التحرر وقد تُنتج الوهم وقد تُنير وقد تُضل بحسب البنية التي يعمل داخلها والغاية التي يتجه إليها.

ولذلك فإنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقالا من الأمل إلى اليأس، وإنما بوصفه انتقالا من بساطة الوعي إلى تعقيده ومن الحماس الإصلاحي العام إلى الصرامة النقدية. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نقول إنّ الخلل في التقليد وإنّ العلاج في العقل والاجتهاد، أمّا بعد تراكم التجارب والإخفاقات فقد صار واضحا أنّ المسألة أشدّ عمقا. فالعقل الذي ندعو إليه قد يكون هو نفسه مشروطا بتراث لم يُفهم بعد أو بحداثة لم تُهضم بعد أو بمؤسسات لا تسمح له أن يتحول إلى ممارسة اجتماعية أو بنخب تستعمله استعمالا سجاليا أكثر مما تستعمله استعمالا بنائيا. ومن هنا غدا العقل في الفكر المغربي المعاصر اسما لمعضلة كبرى لا لأنه فقد قيمته وإنما لأنّ قيمته نفسها صارت مشروطةً بحسن تعريفه وبسلامة مجاله وبالقدرة على التمييز بين مستوياته وبإدخاله في صلب مشروع حضاري لا يكتفي بالنقد النظري.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح في تحويل العقل من شعار عام إلى إشكال فلسفي وحضاري مركب. لقد أخرجه من فضاء المديح الخطابي وأدخله فضاء التحليل والحفر والمساءلة. وهذا في حدّ ذاته مكسب كبير لأنّ الأمم لا تتقدم بمجرد الإيمان بالعقل في المستوى الشكلي وإنما تتقدم حين تجعل من العقل موضوعا لتربية مؤسساتها ولمناهج تعليمها ولطرائق اجتهادها ولأساليب تدبيرها السياسي والثقافي ولصورة الإنسان التي تريد أن تبنيها في المستقبل. وهنا بالضبط تتجلى الخصوصية المغربية: ليس في مجرّد الدفاع عن العقل وإنما في جعل الدفاع عنه مشروطا بنقده وجعل نقده بابا لإعادة تأسيسه وجعل إعادة تأسيسه جزءا من سؤال أوسع هو سؤال الذات وهي تبحث عن سبيلها بين تراث يطالبها بالوفاء وعصر يفرض عليها شروطا قاسية وأزمة تتجاوز حدود الفكر إلى عمق الوجود التاريخي نفسه.

وإذا كنا قد بينا أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل باعتباره مفهوما ساكنا أو شعارا إصلاحيا بسيطا، فإنّ التعمق في مواقف أعلامه الكبار يبيّن أنّ هذا المفهوم تحوّل بالفعل إلى ساحة كبرى للتنازع الفلسفي والمعرفي والأخلاقي وأنّ هذا التنازع نفسه هو الذي منح التجربة الفكرية المغربية فرادتها داخل الفضاء العربي الحديث. ذلك أنّ المغرب لم يُنتج فقط دعوات عامة إلى التنوير أو اجتهادات جزئية في الإصلاح وإنما أنتج مشاريع فكرية متماسكة جعلت من العقل محورا لإعادة بناء العلاقة بالتراث وبالحداثة وبالإنسان. غير أنّ هذه المشاريع على تباينها تكشف في الوقت نفسه أنّ سؤال العقل لم يعد قادرا على البقاء داخل أفق النهضة وحده، لأنّ الوعي العربي بعد عقود من الوعود الكبرى والإخفاقات المتراكمة دخل مرحلة صار فيها العقل نفسه موضع مساءلة لا من حيث قيمته في ذاته بل من حيث شروطه التاريخية وحدوده العملية ومخاطر انحرافه وإمكان تحوّله من أداة تحرر إلى أداة تبسيط أو اختزال أو حتى هيمنة.

ولعلّ محمد عابد الجابري يمثّل أوضح صورة لهذا التحول، لأنّ مشروعه لم يكن مجرد مساهمة في الفلسفة العربية المعاصرة بل كان محاولة شاملة لإعادة صياغة سؤال النهضة من داخل بنية العقل العربي ذاته. لقد أدرك الجابري أنّ التفسير الأخلاقي العام للتخلّف لم يعد كافيا وأنّ الخطاب الذي يكتفي بلعن الاستبداد أو التباكي على الماضي أو التغني بالعلم لا يلامس جوهر المشكلة. ومن هنا جاء رهانه على ما سمّاه «نقد العقل العربي»، وهو عنوان بالغ الدلالة لأنّه ينقل التفكير من مجال التشخيص السطحي إلى مجال الحفر في الشروط العميقة التي تنظّم إنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالعقل العربي عنده ليس طبيعةً بيولوجية وليس جوهرا قوميا وليس وصفا نفسيا للأفراد وإنما هو نسق ثقافي تاريخي تشكّل عبر قرون ترسّبت فيه قواعد للفهم والاستدلال والتصنيف وصارت تعمل عمل البداهات المضمرة التي توجّه الوعي من غير أن يشعر بها دائما.

وقد جاءت أهمية تفريقه بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، فالعقل المكوِّن هو تلك القدرة البشرية الكونية على الإنتاج والإبداع والنقد والتركيب. أمّا العقل المكوَّن فهو ذلك البناء الثقافي الموروث الذي يحدّد في كل حضارة ما الذي يُعدّ معقولا وما الذي يُقبل بوصفه دليلا وما الذي يُستبعد من دائرة المشروعية المعرفية. وهذا التفريق يفتح بابا بالغ الأهمية في فهم الأزمة لأنه يرفع عن الذات العربية تهمة العجز الجوهري ويحوّل المشكلة إلى مستوى البنيات التاريخية القابلة للنقد والتجاوز. لذلك لم يكن الجابري بصدد إدانة العقل العربي من حيث هو عقل وإنما كان بصدد تفكيك أنماط اشتغاله كما تشكّلت في التاريخ ليكشف مواطن القوة ومواطن الاختلال معا.

وليس من المصادفة أن ينتهي هذا المسار إلى التمييز الشهير بين البيان والعرفان والبرهان. فهذا الثلاثي ليس مجرد تصنيف مدرسي للمعارف الإسلامية وإنما هو في العمق إعادة رسم للخريطة الذهنية التي تشكّلت بها الثقافة العربية الإسلامية. فالبيان يمثّل سلطة النص واللغة والقياس والاشتغال الفقهي والكلامي في صورته الغالبة. والعرفان يمثّل أنماطا من المعرفة تقوم على الكشف والذوق والإشراق والباطن. والبرهان يمثّل العقل الفلسفي المنضبط بقوانين الاستدلال الأرسطي وبطلب الضرورة والعلّية والاتساق المفهومي. وقد رأى الجابري أنّ أزمة الثقافة العربية الحديثة لا يمكن فهمها من غير فهم العلاقة المضطربة بين هذه الأنظمة، لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على ذاتها تنتج عقلا يعيد إنتاج الموروث من داخل منطقه اللغوي والقياسي وتمدد العرفان حين يخرج من مجاله ينتج عقلا يستعيض عن البرهنة بالذوق أو الرمز أو الإيحاء، أمّا البرهان فقد ظلّ في تاريخنا محدود الامتداد مقموع الأثر غير قادر على التحول إلى روح ثقافية عامة.

ولهذا السبب بالذات كان استدعاء ابن رشد عند الجابري استدعاءً تأسيسيا لا زخرفيا. فابن رشد لم يكن بالنسبة إليه مجرد فيلسوف كبير من الماضي وإنما كان إمكانا تاريخيا لم يكتمل. لقد رأى فيه ذروةً لعقلانية عربية إسلامية كان يمكن أن تتطور لو لم تتعثر شروطها السياسية والثقافية ولو لم يُغلق عليها باب الامتداد داخل المجال الإسلامي. ويغدو الدفاع عن الرشدية دفاعا عن إمكان مهمل في الذات لا عن ذكرى ثقافية فحسب. وليس بعيدا عن هذا ما كان يقوله الجابري من أنّ «التراث ليس هو ما ورثناه فقط بل هو أيضا ما نختاره منه». فاختيار ابن رشد هنا هو اختيار لنمط من التعقل، لنمط من العلاقة بين النص والبرهان، بين الشريعة والحكمة وبين الفقه والفلسفة. وهذا يبيّن أنّ الجابري لم يكن يريد قطيعة مع التراث بوصفه تراثا وإنما كان يريد قطيعة مع كيفية معينة في التعامل معه، قطيعة مع التراث حين يتحول إلى سلطة غير مفكّر فيها أو إلى جهاز لإعادة إنتاج الماضي داخل الحاضر.

غير أنّ هذا المسار الجابري على ما فيه من قوة منهجية وصرامة تحليلية أثار سؤالا بالغ الحساسية، هل يكفي ردّ الاعتبار إلى البرهان وإلى العقل النقدي لكي نتجاوز الأزمة؟ وهل يمكن لعقلانية إبستمولوجية أن تنهض وحدها بمشروع حضاري تتشابك فيه المعرفة بالأخلاق والتقنية بالمعنى والمؤسسة بالإنسان؟ هنا يتدخل طه عبد الرحمن لا لينقض قيمة العقل بل ليكشف أنّ العقل الذي يقتصر على ذاته قد يفضي إلى صورة من النقص وأنّ العقل الذي ينفصل عن الأخلاق والروح قد يتحول إلى فاعلية مبتورة. إنّ طه يعيد ترتيب السؤال من أساسه. فالمشكلة عنده ليست في العقل من حيث هو عقل وإنما في «صورة العقل» التي سادت في الحداثة الغربية ثم انتقلت إلى المجال العربي في صيغ مقلَّدة. فالعقل حين يُختزل في الآلة المفهومية أو في الفاعلية البرهانية الصرفة أو في القدرة على السيطرة التقنية يفقد بعدا جوهريا من أبعاده، لأنّ الإنسان ليس كائنا يستدلّ فقط وإنما هو كائن يتخلّق ويشهد ويأتمن ويُبتلى ويُحاسب.

من هنا نفهم لماذا لم يجعل طه عبد الرحمن من «الأخلاق» مجرد مجال مضاف إلى العقل بل شرطا في كماله. وهو يصرّ على أنّ كل عقلانية تنفصل عن العمل الأخلاقي تبقى ناقصة لأنّها تملك أدوات الحكم ولا تملك ضمانات السلامة في الاستعمال. وقد عبّر عن هذا المعنى في صيغ متعددة حين نبّه إلى أنّ الفعل الإنساني لا يُختزل في المنفعة وأنّ الحداثة التي تجعل من الإنسان مركزا مكتفيا بذاته قد تفضي إلى استبداد جديد، هو استبداد الإنسان المتضخم على الطبيعة وعلى الغير وعلى المعنى. لذلك فإنّ العقل عنده لا يُطلب من حيث فعاليته التقنية فقط بل من حيث أهليته للاهتداء ومن حيث قابليته لأن يكون موصولا بالتزكية وبالائتمان وبالمسؤولية. وهذا ما يجعل مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«العمل الديني» و«الائتمانية» و«المسدد» مفاهيم تؤسس لرؤية مغايرة، رؤية لا ترفض البرهان لكنها ترفض تأليهه ولا ترفض الحداثة لكنها ترفض تقليدها ولا ترفض الإنسان، لكنها ترفض تضخيمه حتى يفقد نسبته إلى الغيب وإلى القيمة وإلى الأمانة.

وليس من الصعب أن نرى أنّ هذا الموقف يعبّر عن انتقال حقيقي من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نعلن الحرب على التقليد وأن نرفع راية العقل وأن نستحضر أمجاد الاجتهاد لكي نشعر أننا نسير في الاتجاه الصحيح. أمّا بعد أن تكشفت أزمات الحداثة نفسها وبعد أن بدا أنّ العقل الأداتي قد يشيّد العالم ويفرغه من المعنى في الآن نفسه صار لزاما أن يُعاد السؤال من جديد، هل نريد عقلا ينتج الفعالية فقط أم عقلا يحفظ إنسانية الإنسان؟ هل نريد عقلا يقيس ويحسب ويبرهن فحسب أم عقلا يضبط الصلة بين المعرفة والواجب؟ وهل يمكن لمجتمع أن ينهض بعقلانية باردة منفصلة عن البنية الأخلاقية العميقة التي تمنح الفعل غايته ومشروعيته؟ في هذا المستوى لا يكون الخلاف بين الجابري وطه خلافا بين عقل ولاعقل كما سطّحه بعض القرّاء، بل يغدو خلافا بين تصورين للعقلانية نفسها، عقلانية نقدية إبستمولوجية تراهن على تفكيك البنيات المعرفية، وعقلانية أخلاقية ائتمانية تراهن على إعادة وصل المعرفة بالمسؤولية.

أمّا عبد الله العروي فإنه يضيف إلى هذا النقاش بُعدا ثالثا لا يقلّ أهمية وهو البعد التاريخي المفهومي. فالعروي لم ينشغل بالعقل بوصفه موضوعا معجميا أو مبحثا نظريا معزولا وإنما انشغل به من خلال أسئلة الدولة والحرية والتاريخ والإيديولوجيا والمفهوم. ولذلك كان في عمقه يفكر في العقل من حيث هو قدرة على استيعاب العصر لا بمعنى الانبهار به بل بمعنى امتلاك منطقه الداخلي. لقد كان العروي شديد الحساسية تجاه الأوهام التوفيقية التي تظنّ أنّ الحداثة يمكن أن تُنال بانتقاء بعض مظاهرها من غير الدخول في بنيتها العميقة. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لوعيٍ يريد أن يجمع بين المتباعدات من غير أن يحسم في الترتيب التاريخي للمفاهيم. فالعقل عنده هو هذا الوعي الصارم الذي يدرك أنّ المفاهيم الحديثة لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ، وأنّ الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري وأنّ الحرية ليست مجرد شعار أخلاقي وأنّ العقلانية ليست مجرد دعوة عامة إلى التفكير بل هي بناء تاريخي تشكل عبر صراعات وتحولات عميقة.

وقد كان العروي ينظر بعين الريبة إلى كثير من محاولات المصالحة السهلة بين التراث والحداثة لأنّ هذه المحاولات قد تنتهي إلى نوع من التلفيق الذي يريح الضمير ولا يحلّ المشكلة. إنّه يدعو إلى وعي تاريخي شديد الصرامة، يضع الذات أمام مقتضيات العصر من غير مواربة. وقد عبّر في أكثر من موضع عن أن الأزمة العربية هي أزمة وعي بالتاريخ وأنّ الفجوة بيننا وبين العالم الحديث ليست فجوة رغبة أو شعور فقط وإنما فجوة مفاهيم ومؤسسات وأزمنة. وهذا يضيف إلى سؤال العقل بُعدا حاسما، فالعقل ليس فقط جهازا للاستدلال أو أفقا للأخلاق بل هو أيضا قدرة على التمثل التاريخي الصحيح وعلى التمييز بين ما يمكن توفيقه وما ينبغي حسمه وبين ما هو قابل للاستيعاب وما هو غير قابل للتعليق في الفراغ.

وعند هذا الحدّ يتبيّن أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يقدّم لنا مفهوما واحدا للعقل وإنما قدّم لنا خريطة من التوترات الخلّاقة. الجابري يذكّرنا بأنّ النهضة مستحيلة من غير نقد بنية العقل كما تشكلت في التراث. وطه يذكّرنا بأنّ نقد البنية المعرفية لا يكفي إذا لم يُستردّ البعد الأخلاقي والروحي للعقل. والعروي يذكّرنا بأنّ كل حديث عن العقل يبقى ناقصا إذا لم يُربط بصرامة المفهوم وبالوعي التاريخي وبشروط الدولة والحداثة والمؤسسة. وهذا التعدد ليس علامة ضعف بل هو منبع قوة لأنه يمنعنا من اختزال الأزمة في سبب واحد ويمنعنا من الاعتقاد أنّ الحل يكمن في وصفة فكرية جاهزة. بل إنّ القيمة الكبرى لهذا التعدد أنّه يكشف أنّ العقل في السياق المغربي والعربي لا يمكن أن يُفهم إلا بوصفه عقدة حضارية شاملة تتداخل فيها بنية المعرفة مع أخلاق الفعل ومع شروط التاريخ ومع صورة الإنسان ومع شكل المجال العمومي.

غير أنّ هذا الثراء النظري لا ينبغي أن يحجب حقيقة مرة، وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر على علوّ مستواه ظلّ في كثير من الأحيان أرفع من البنيات الاجتماعية والمؤسساتية التي كان يأمل أن يؤثر فيها. فالمشكلة لم تكن دائما في ضعف الأفكار بل في ضعف قابلية الواقع لاستقبالها. إنّ العقل الذي دافع عنه الجابري لم يتحول بالقدر الكافي إلى روح في التعليم العمومي ولا إلى منهج في قراءة التراث داخل المؤسسات الدينية ولا إلى ممارسة نقدية عامة في المجال الثقافي. والعقل الأخلاقي الائتماني الذي نادى به طه ظلّ في كثير من الأحيان أفقا فلسفيا عميقا لم يجد بعد شروط ترجمته الواسعة في مؤسسات التربية والإعلام والسياسة. والوعي التاريخي الصارم الذي دعا إليه العروي ظلّ يصطدم باستمرار بنخب تتردد بين الحنين إلى الماضي والانبهار المجتزأ بالحداثة. وهنا نبلغ لبّ الأزمة، ليست الأزمة في غياب التصورات الكبرى بل في تعثر انتقالها من مستوى الفكر العالي إلى مستوى التكوين الاجتماعي والمؤسسي.

ونفهم هنا لماذا صار سؤال العقل في الفكر المغربي المعاصر سؤالا عن الأزمة بامتياز. إنّه لم يعد مجرد سؤال في الفلسفة النظرية ولا مجرد فصل في تاريخ الأفكار وإنما صار سؤالا في التربية والسياسة والدين والثقافة واللغة والمؤسسة. ذلك أنّ العقل لا يُختبر في الكتب وحدها بل يُختبر في المناهج وفي المدرسة وفي الجامعة وفي خطاب الفقيه وفي لغة الإعلام وفي طريقة إدارة الاختلاف وفي قدرة المجتمع على قبول السؤال الحر وفي قدرة الدولة على بناء مؤسسات تتسع للنقد بدل أن تخافه. وقد أدرك كثير من المفكرين المغاربة هذه الحقيقة ضمنا أو صراحة، ولذلك لم يكن حديثهم عن العقل منفصلا عن حديثهم عن الجامعة واللغة والسلطة والمثقف. فالعقل الذي لا يجد مؤسسة تحميه يتحول إلى مجرد زينة خطابية. والعقل الذي لا يجد لغة دقيقة يتشوش. والعقل الذي لا يجد أخلاقا تضبطه قد ينقلب إلى مكر أو إلى تبرير. والعقل الذي لا يجد تاريخا يستوعبه يبقى معلقا في هواء المفاهيم.

وهنا تبرز مسألة أخرى لا تقلّ أهمية وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر لم ينظر إلى العقل من داخل قطيعة ساذجة مع التراث كما لم يذبه في تمجيد تراثي مغلق. لقد كان واعيا بأنّ التراث الإسلامي نفسه متعدّد وأنّ داخله إمكانات عقلية كبيرة كما داخله عوائق كبرى. ففي علم أصول الفقه كما أسلفنا نجد نماذج رفيعة من التعقل المنهجي، من القياس إلى فقه المآلات. وفي التراث الفلسفي نجد ابن باجة وابن طفيل وابن رشد بوصفهم وجوها لعقلانية عالية. وفي الكلام نجد محاولات لصوغ العلاقة بين العقل والنقل داخل أفق جدلي دقيق. وفي التصوف نفسه نجد عند بعض أعلامه كأبي حامد الغزالي في بعض مقاماته حسا نقديا لا يمكن تجاهله. غير أنّ هذا التراث نفسه تعرّض لتحولات جعلت كثيرا من عناصره الحية تنكمش، وتحوّلت بعض مدارسه إلى أنماط من التكرار وتداخلت فيه سلطة المعرفة بسلطة السياسة ووقع فيه ما يقع في كل تراث حيّ حين يفقد شروط التجدد. لذلك فإنّ الفكر المغربي المعاصر لم يكن أمامه خياران فقط: إما تمجيد التراث أو إلغاؤه. بل كان أمامه عمل أشدّ صعوبة وهي أن يميّز داخله بين ما يُستأنف وما يُنقد، بين ما يُحيي العقل وما يعطله وبين ما يصلح سندا للمستقبل وما يتحول إلى عبء عليه.

وعند هذه النقطة يصبح واضحا أنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا يعني سقوط مشروع العقل وإنما يعني تعميقه. فالعقل لم يفقد مكانته بل فقد براءته. لم يعد بالإمكان أن نذكره كما يذكر الخطباء كلمةً سحرية تفتح الأبواب المغلقة. لقد صار مفهوما متوترا مشروطا معقدا، يتطلب ضبطا في تعريفه وحذرا في استعماله وتمييزا بين مستوياته وهذا في ذاته مكسب ناضج. فالأمم لا تتقدم حين تُكثر من تمجيد العقل في الخطب وإنما حين تجعل من العقل بنيةً في مؤسساتها ومنهجا في تربيتها وفضيلةً في أخلاقها وشرطا في اجتهادها ومقياسا في تدبير اختلافها. وهذا ما جعل الفكر المغربي المعاصر في أفضل لحظاته لا يكتفي بالتبشير بالعقل بل يشتغل على شروط إمكانه وعلى عوائقه وعلى أنماطه وعلى مخاطر انحرافه.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح نجاحا بيّنا في جعل مفهوم العقل أحد أعقد المفاهيم وأكثرها خصوبة في الثقافة العربية الحديثة. لقد أخرجه من فضاء البلاغة الإصلاحية العامة وأدخله فضاء التحليل البنيوي والنقد الإبستمولوجي والمساءلة الأخلاقية والصرامة التاريخية وهذه منزلة عالية لا يُستهان بها. فبفضل هذا الجهد لم يعد العقل عندنا مجرد مرادف للذكاء أو للاجتهاد أو للعلم، وإنما صار اسما لمشكلة حضارية شاملة. وتبرز هنا أهمية الإصغاء الجاد إلى هذا التراث الفكري المغربي لا على سبيل الاحتفاء المدرسي بأعلامه بل على سبيل استئناف أسئلته الكبرى في حاضرنا الراهن.

ذلك أنّ حاضرنا يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا مما كان عليه في العقود السابقة. فنحن لا نعيش اليوم فقط أزمة تأخر بالمعنى الكلاسيكي الذي عاشته الأجيال النهضوية وإنما نعيش أيضا أزمة تفكك في المعايير واضطرابا في المرجعيات وتضخما في الوسائط التقنية وتراجعا في سلطة القراءة العميقة وتوسعا في الخطاب السريع الذي يخلط بين الرأي والمعرفة وبين الشهرة والحجة وبين الانفعال والحكم. وقد أصبح المجال العمومي العربي في كثير من وجوهه مجالا تُستهلك فيه الأفكار أكثر مما تُبنى وتُتداول فيه الأحكام أكثر مما تُبرهن وتُرفع فيه شعارات الهوية أو الحداثة أو الحرية من غير جهد كافٍ في تحرير مفاهيمها. وفي مثل هذا السياق يصبح سؤال العقل سؤالا وجوديا لا نخبويا. أيّ عقل يمكنه أن يواجه طوفان السطحية؟ أيّ عقل يمكنه أن يصالح بين الحاجة إلى الفعالية التقنية والحاجة إلى المعنى؟ أيّ عقل يمكنه أن يمنع الدين من أن يتحول إلى أداة تعبئة عاطفية والحداثة من أن تتحول إلى قشرة استهلاكية والسياسة من أن تنحدر إلى تدبير انفعالات جماعية بلا رؤية؟.

هنا يستعيد الفكر المغربي المعاصر راهنيته الحقيقية. فالجابري يعلّمنا أنّ من لا ينقد أدوات فهمه يظلّ أسيرا لها وإن ظنّ أنه يهاجمها. وطه يعلّمنا أنّ من يفصل العقل عن الأخلاق يربح بعض القوة ويخسر الإنسان. والعروي يعلّمنا أنّ من لا يمتلك المفهوم ولا يستوعب التاريخ يحيا في منطقة رمادية بين الرغبة في التقدم والعجز عن شروطه. وهذه الدروس إذا أُحسن استثمارها لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مواقف متصارعة فقط وإنما بوصفها إمكانات متكاملة في بناء وعي عربي جديد. فالعقل الذي نحتاجه اليوم ليس عقلا برهانيا مجردا من الأخلاق ولا عقلا أخلاقيا غافلا عن صرامة المفهوم ولا وعيا تاريخيا يذوب في الحتمية ويغفل عن المعنى. إنّ ما نحتاجه هو عقل مركّب، عقل يبرهن ولا يتجبر، ينقد ولا يهدم لمجرد الهدم، يتصل بالقيمة من غير أن يفرّ من الواقع ويستوعب التاريخ من غير أن يستسلم له.

ولعلّ هذا هو الأفق الذي يمكن أن يفتح به المقال بابا إلى ما بعده. فمفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر ليس فصلا منجزا في تاريخ الأفكار يمكن الاكتفاء بسرده وإنما هو مشروع لم يكتمل بعد. إنّه سؤال مفتوح على المستقبل لأنّ كلّ جيل سيضطر إلى أن يعيد صياغته بحسب أزماته الخاصة. وقد كان الجيل النهضوي يسأل عن العقل في مواجهة الانحطاط. وكان الجيل النقدي يسأل عنه في مواجهة بنية التراث وآليات المعرفة. أمّا جيلنا فيبدو أنّه مدعوّ إلى أن يسأل عنه في مواجهة التفكك الشامل الذي أصاب المجال العمومي، وفي مواجهة الاستهلاك الرقمي للمعنى وفي مواجهة تحوّل الإنسان نفسه إلى كائن مشتّت بين وفرة المعلومات وندرة الحكمة. إنّ الوفاء الحقيقي للفكر المغربي المعاصر لا يكون بتكرار عباراته ولا بتحويل أعلامه إلى أصنام مدرسية وإنما يكون بمواصلة عملهم في الاتجاه الذي أرادوه، اتجاه مساءلة الأدوات قبل النتائج واتجاه تشديد السؤال قبل التسرع في الجواب واتجاه بناء عقل لا يستمد مشروعيته من ادعائه الكونية المجردة فقط بل من قدرته على تحرير الإنسان العربي من أشكال التبعية القديمة والجديدة معا.

وعليه فإنّ مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر يكشف لنا أنّ أزمة النهضة لم تكن يوما أزمة نقص في الموارد المادية أو في الشعارات الإصلاحية وحدها، وإنما كانت في عمقها أزمة في صورة الإنسان عن نفسه وفي كيفية تنظيمه لعلاقته بالمعرفة وبالقيمة وبالزمن وبالسلطة وبالتراث وبالعالم. فإذا كان العقل هو الاسم الذي يختصر هذه العلاقة المعقدة فإنّ إنقاذه لا يكون بتمجيده وإنما بإعادة بنائه. وإعادة بنائه لا تكون بردّه إلى البرهان وحده ولا إلى الأخلاق وحدها ولا إلى التاريخ وحده وإنما بتركيب هذه الأبعاد في مشروع حضاري جديد يتصالح فيه النقد مع الوفاء وتتساند فيه الحرية مع المسؤولية ويغدو فيه الاجتهاد فعلا مؤسسيا لا بطولة فردية معزولة وتصبح فيه الجامعة مصنعا للمفاهيم لا مستودعا للشهادات ويستعيد فيه الفقيه شجاعة النظر بدل الاكتفاء بحراسة الموروث ويستعيد فيه المثقف شرف السؤال بدل الارتماء في التبرير أو المزايدة.

بهذا المعنى لا يكون العقل جوابا جاهزا وإنما يكون تكليفا. لا يكون امتيازا نظريا وإنما يكون مجاهدةً معرفية وأخلاقية وتاريخية. لا يكون كلمةً في مقدمة كتاب وإنما يكون صورةً للإنسان وهو يرفض أن يعيش داخل بداهات لم يمتحنها أو داخل موروث لم ينقده أو داخل حداثة لم يفهم شروطها أو داخل إيمان فقد صلته بالحكمة أو داخل علم فقد صلته بالمعنى. وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نخرج به من التجربة المغربية المعاصرة في أعمق مستوياتها: أنّ العقل ليس ضدّ التراث إذا أُحسن فهم التراث، وليس ضدّ الدين إذا أُحسن فهم الدين، وليس ضدّ الحداثة إذا أُحسن فهم الحداثة، ولكنه ضدّ كلّ ما يتحول إلى سلطة مغلقة تمنع السؤال. وحيث يُمنع السؤال يبدأ موت العقل، وحيث يموت العقل لا تقوم نهضة، وحيث لا تقوم نهضة تتحول الأزمة من عارض تاريخي إلى قدر موهوم. أمّا الفكر المغربي المعاصر في أفضل تجلياته فقد رفض أن يجعل الأزمة قدرا وجعل منها مناسبةً لإعادة اختراع السؤال. وذلك وحده كافٍ ليمنحه مكانته الرفيعة في تاريخ الفكر العربي الحديث.

***

د. حمزة مولخنيف