مقاربات فنية وحضارية
احمد عابر: صافو على حافة الموت.. شجاعة الحياة وجبن الموت
(أنت مستعد أن تموت أيها الجبان، لكنك لست مستعدا أن تعيش).. هرمان هسه من روايته ذئب البوادي
حين تتأمل اللوحة، تجد امرأة تقف على حافة جرف صخري، وقدماها العاريتان تلامسان آخر ما يربطها بالأرض. إنها صافو الشاعرة الاغريقية أو هكذا يريدها الخيال القديم. في هذه الوقفة المتأرجحة بين التوازن والسقوط يتجسد قول هسه بأقصى كثافته: ليست البطولة في أن تنهي كل شيء في لحظة يأس، بل في أن تستمر. الموت بهذا المعنى ليس شجاعة استثنائية بل انسحاب من امتحان أطول وأشق هو العيش ذاته.
تختزل اللوحة هذه المفارقة في تكوين بصري واحد: جسد يميل إلى الأمام نحو الهاوية بينما الريح تشد ثوبها الأبيض إلى الخلف كأن الطبيعة نفسها تتردد بين الدفع إلى النهاية والإمساك بالحياة.
هذا الثوب الأبيض يمنحها حضورا نقيا ويكشف هشاشتها في آن. البحر في الأسفل مضطرب وداكن، أمواجه تتكسر بعنف، لكن الأشد دلالة ليس اضطراب الماء بل يدا صافو الممدودتان قليلا إلى الأمام وقد انفتحت أصابعها في إيماءة لا هي متشبثة ولا هي مستسلمة تماما. في هذه الإيماءة العابرة يتجسد التردد كله: جسد لم يحسم أمره بعد يختبر الإحساس بالفراغ قبل أن يرمي نفسه فيه.
السماء ملبدة بالغيوم لا تمنح المشهد ضوءا واضحا ولا ظلاما كاملا بل تبقيه في تلك المنطقة الرمادية التي تسبق القرار. حتى الطائر البعيد لا يحلق مبتعدا ولا يقترب كأنه شاهد صامت ينتظر. الطبيعة هنا ليست خلفية تزينية بل مرآة للنفس الممزقة بين رغبتين.
تستند هذه الصورة إلى أسطورة قديمة تروي أن صافو الشاعرة الإغريقية ألقت بنفسها من منحدرات ليوكاديا بسبب حب غير متبادل لرجل يدعى فاون.
غير أن هذه الرواية تبقى موضع شك تاريخي كبير ويرى كثير من الباحثين أنها صيغت لاحقا لتقديم نهاية تراجيدية تليق بشخصية شعرية ارتبطت بالحب والعاطفة في المخيال الكلاسيكي. وهنا يطرح السؤال النقدي نفسه: لماذا احتاج الخيال القديم إلى هذه النهاية تحديدا؟ ولماذا تحولت شاعرة معقدة ومتعددة الأصوات إلى امرأة تلقي بنفسها في البحر بسبب رجل لم يبادلها الحب؟
في الإجابة عن هذا السؤال تتكشف رغبة ثقافية دفينة في اختزال المرأة الشاعرة إلى عاشقة وجعل الشعر نفسه امتدادا لجسد ينتحب على حافة الهاوية. صافو الحقيقية كانت صوتا شعريا فريدا عبر عن التجربة الإنسانية بلغة مكثفة وعميقة دون حاجة إلى نهاية أسطورية تمنح حياتها معنى إضافيا من خارج شعرها.
لكن الأسطورة بقيت، لأنها تلامس شيئا أعمق من الحقيقة التاريخية. هذه الحقيقة هي حاجة الإنسان إلى تصور اللحظة التي يبلغ فيها اليأس ذروته ويتحول إلى فعل.
أنجز هذه اللوحة الفنان الكتالوني ميغيل كاربونيل سيلفا في أواخر القرن التاسع عشر في سياق فني لا يزال متشبعا بالنزعة الرومانسية. يظهر ذلك في اختياره لموضوع أسطوري وفي تركيزه على اللحظة النفسية الحادة التي يعيشها الفرد.
تتجلى سمات هذا الاتجاه في جعل الطبيعة مرآة للروح وفي الاهتمام بالعاطفة القوية وفي استخدام الضوء واللون لخلق جو مشحون بالتوتر.
لم يكن الفنان يسعى إلى توثيق حدث تاريخي بل إلى التقاط تجربة إنسانية خالدة....تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان على الحافة بين أن يواصل العيش رغم ثقل ما يحمله أو أن يستسلم.
هنا تحديدا تلتقي اللوحة بحكمة عميقة تضيء جانبا خفيا من لحظة صافو القاتلة. يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه:
"لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد."
إذا تأملنا اللوحة من خلال هذا القول، صارت وقفة صافو على الحافة تجسيدا لأزمة ثقة أعمق من مجرد خيبة عاطفية. إنها أزمة استعجال وجودي. الجرف الذي تقف عليه ليس حافة الأرض فحسب بل هو حافة الإرادة البشرية حين تصر على توقيتها الخاص وترفض ذلك المدد الخفي. البحر المظلم تحت قدميها ليس مجرد فضاء للفناء بل هو صورة الإجابة الغائبة التي لم تصل بعد.
والسماء الملبدة ليست مجرد غيوم بل هي الحكمة المتوارية خلف حجاب القدر تلك التي لا تكشف عن نفسها للعجولين. الريح التي تنازع جسدها كأنها الصوت الذي يحاول أن يقول انتظر. انتظر لعل هناك وقتا آخر غير هذا الوقت. لكن صافو، كما تصورها الأسطورة تختار توقيتها الخاص وترجح كفة الهاوية على كفة الانتظار. وهكذا تتحول الأسطورة اليونانية، عبر عيون السكندري إلى مثال على مهلكة التعجيل.
أما أبو حامد الغزالي فيختزل المأساة الإنسانية في جملة نادرة الكثافة حين يقول في إحياء علوم الدين:
"الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب."
وفي هذه اللوحة تقف صافو متلبسة بالوجهين معا في آن واحد. القنوط هو ذلك الفراغ الأسفل... الهاوية التي تبتلع كل رجاء والماء الذي لا يعد بشيء إلا بالفناء. إنه انقطاع النفس عن تصور إمكان الخلاص وتلك العتمة الرمادية التي تسكن تفاصيل المشهد كله.
أما العجب فيتجسد في الثوب الأبيض الذي يرفع شخصها إلى مقام الأيقونة وفي وقفتها التي تشبه طقسا أخيرا يقام على مسرح الطبيعة.
إنها لا تهم بالسقوط فحسب بل تكاد تستعرض سقوطها في تلك المسافة الرفيعة بين الحافة والهاوية حيث يلتقي اليأس بإعجاب خفي بالذات الموشكة على الانتهاء. هكذا تخط اللوحة بصريا ثنائية "الهلاك" الغزالية. يأس يدفع من الخلف نحو الهاوية وعجب يسحب من الأمام نحو التماهي مع صورة البطلة المأساوية. وبين الدفع والسحب يتمزق إنسان يظن أنه يختار بينما هو في الحقيقة يحتار بين القنوط و العجب ليهلك.
نعود الآن إلى قولة هرمان هسه التي بدأنا بها. لقد اختارت صافو كما تروي الأسطورة الطرف الأسهل.. أن تموت بدل أن تعيش شجاعة الأيام المتعاقبة. لكن التحليل يضيف إلى هذه المفارقة بعدا أعمق إذ يصبح الجبن ليس في القفز وحده بل في العجز عن تصديق أن ثمة توقيتا آخر للحياة غير التوقيت الذي تريده النفس في ذروة انفعالها.
الموت من منظور السكندري إخفاق في فن الانتظار، ومن منظور الغزالي، تتويج لازدواج القنوط والعجب. وهكذا يتحول الجرف في اللوحة إلى صورة للحد الفاصل ليس بين الحياة والموت وحدهما، بل بين الثقة والاستعجال بين الصبر على غياب المعنى والاستسلام لفكرة أن الغياب أبدي.
وهنا ينهض السؤال الأخير الذي تتركنا أمامه اللوحة، بعد أن تآلفت فيها رومانسية القرن التاسع عشر ومقولات السكندري والغزالي.. ألسنا حين نرفض الحياة لأنها لم تمنحنا ما نريد في الوقت الذي نريد.. نمارس شكلا دقيقا من الانتحار اليومي لا يحتاج إلى جرف ولا إلى بحر.. بل يكتفي بقلب لم يعد يثق في أمد لا يراه؟
***
د احمد عابر







