قضايا
قاسم المحبشي: في المشترك الطبيعي والإنساني بين البشر
وضرورة التعايش بين الأديان والثقافات
في زمنٍ تتكاثر فيه الأسماء والصفات والهويات واللافتات التي نعلّقها على ذواتنا الفردية والجماعية، حتى تكاد تحجب عنا حقيقتنا الأولى، يبدو السؤال عن “الإنسان” سابقًا على كل سؤال آخر: من نحن قبل أن نصبح ما نحن عليه؟ قبل الدين، وقبل القومية، وقبل اللغة، وقبل كل ما نظنه تعريفًا نهائيًا لأنفسنا. هناك، في تلك النقطة البعيدة القريبة، حيث يولد الإنسان عاريًا من كل التصنيفات، تبدأ الحكاية الحقيقية.
فإذا تخيلنا الكائن البشري في الوضع الأصلي قبل اللغة والنار وتصنيع الأدوات لما وجدنا شيئا غير الطبيعة الفجة في حالتها البيولوجية الأولى. وسواء آخذنا بالوحي الإلهي أو التفسير الاختباري العلمي؛ يظل الإنسان هو المعني بالتحول والتغيير والتعقل والتفكير والتأمل فهو من علمه الله الأسماء كلها وجعله خليفته في الأرض. والإنسان العاقل (باللاتينية: Homo Sapiens) هو الاسم العلمي للنوع الوحيد الغير منقرض من جنس الأناسي والمعروف بهومو (باللاتينية: Homo)، الذي يحتوي أيضاً على نياندرتال وأنواع أخرى من القردة العليا. صاغ كارولوس لينيوس الاسم الثنائي للإنسان العاقل (Homo Sapiens) في عام 1758، وهو اسم لاتيني؛ الجزء الأول منه homō بمعنى الإنسان، بينما تكون كلمة sapiēns صفة بمعنى المتميز، الحكيم، أو العاقل. الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على تعقل العالم ومنحه المعنى. فمن الإنسان لا من غيره انطلقت مسيرة الفكر البشري منذ أقدم العصور وقد كان جسد الكائن وعقله وحواسه وحدسه هي أدواته المتاحة للتعرف على عالمه وفهمه وتدبير العيش فيه ومازال كذلك إلى يوم الدين إذ لم يولد الإنسان مكتمل الهوية كما تولد الكائنات الأخرى محكومة بماهياتها. فالشجرة شجرة، لا تسأل نفسها لماذا هي كذلك، ولا تحلم بأن تكون شيئًا آخر. أما الإنسان، فهو الكائن الوحيد الذي وُجد أولًا، ثم طُلب منه أن يصير. وجوده يسبق ماهيته، وحياته كلها محاولة دؤوبة لكتابة تعريفه الخاص. إنه مشروع مفتوح، لا يكتمل إلا بانطفائه، ولا يستقر إلا في لحظة نهايته. لذلك كانت الهوية عند الإنسان قلقًا دائمًا، وسؤالًا لا يُحسم، وتجربة لا تنتهي.
من المهم أن نفهم، بان كل الهويات التي نتشبث بها—الدينية، والقومية، والطائفية، والعشائرية—ليست سوى اسماء وصفات هوياتية وإضافات تاريخية وثقافية، لا ينبغي أن تُختزل فيها إنسانيتنا. فحين يُسأل الإنسان في مطارٍ بعيد عن هويته، فإنه لا يستدعي كل تلك التفاصيل، بل يختصر نفسه في اسم دولة، في إطار قانوني يمنحه الاعتراف والعبور. كأن العالم، رغم كل تعقيده، لا يعترف إلا بالحد الأدنى من الهوية، بينما نحن نغرق في تضخيم دوائرها حتى تمزقنا.
بيد إن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الهويات، بل في تحويلها إلى جدران فاصلة بدل أن تكون جسورًا للتعارف. فحين ينسى الإنسان أنه يشبه الآخر في جوهره البيولوجي والنفسي والعاطفي، يبدأ في تضخيم اختلافاته، ويحوّلها إلى مبررات للصراع. مع أن الحقيقة البسيطة تقول إننا جميعًا نمشي على قدمين ولدينا ذات الحاجات الحيوية التي بدونها تستحيل الحياة كما حددها إبراهام ماسلو إذ نضحك ونبكي، نخاف ونأمل، نحب ونكره، نحلم ونتألم، ونسعى، كل بطريقته، إلى معنى يبرر هذا الوجود.
فكل الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء بما في ذلك الرسل والأنبياء والمستوى الكيمائي فكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياوية بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات والمستوى البيولوجي فكل الكائنات الحية الأرضية تنطبق على قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين كل الاحياء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:
1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.
2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.
3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.
(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.
(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.
4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:
(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.
(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.
5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.
وهكذا هو الكائن الوحيد الذي يقول (أنا)
أنت إي لإنسان تجده يشترك مع غيره من الناس في كثير من الأفعال. ويشترك معهم بكل شيء ويختلف عنه بكثير من الأشياء. الحالة الأولى هي موضوع العلوم الاجتماعية والثقافية والحالة الثانية هي موضوع علم الأحياء والعلوم المتاخمة والحالة الثالثة هو موضوع علم النفس والعلوم النفسية وكل فعل يتضمن فاعلين اجتماعية، ويسمى الفعل اجتماعيًا حينما يحدث بين فاعلين أو أكثر هي: ميكروسوسيولوجية وماكروسوسيولوجية صغيرة وكبيرة. وكل فعل اجتماعي يتضمن علاقة اجتماعية، وحينما تتكرر تلك العلاقة تتشكل في بنية أو أطار أو مؤسسية. وحينما تزاوج آدام وحواء لأول مرة تكونت الأسرة النووية وبتكرار التزاوج بين الفاعلين الاجتماعيين عبر الألف السنين واستمرارها تكونت البنى الاجتماعية؛ بنية الأسرة والقرابة والعشيرة والقبيلة والقومية والأمة والإنسانية الأممية اليوم. وبنية المؤسسة التعليمية إذ تحول فعل الدراسة والتدريس إلى علاقة ببن الطالب والمعلم وبتكرار تلك العلاقة تحولت إلى مؤسسة؛ الروضة والمدرسة والجامعة وكل مؤسسات التعليم والتربية التي لا يمكن لها أن تستمر وتدوم إلا باستمرار الفاعلين والعلاقة. والدين مؤسسة تكونت عبر فعل العبادة بين العابد والمعبود بكل اشكالها وأنماطها وبتكرر ذلك الفعل كل يوم وعبر الأجيال منذ الألف السنين بقيت واستمرت المؤسسات الدينية حول العالم . خذ أي ظاهرة أجتماعية وانظر اليه من زاوية نظر منهجية تكاملية ستجدها لا تخرج عن ذلك السياق العام. وبما أن المجتمع حالة متغيرة ومتحولة من حال إلى حال ولا تدوم في نقطة متجمدة فقد ميز علماء الاجتماع وأولهم أوغست كونت بين حالتين للظاهرة الاجتماعية؛ الحالة الديناميكية الحركية والحالة الاستاتيكية الثابتة نسبيًا.
لقد علمتنا الحياة أن الآخر ليس تهديدًا، بل مرآة. فمن خلاله نرى أنفسنا بوضوح أكبر. لكن هذه الرؤية لا تأتي بسهولة، بل تحتاج إلى احتكاك وتجربة وتواضع معرفي. فالإنسان، إذا تُرك داخل حدوده الضيقة، قد يتوهم أنه مركز الكون، وأن طريقته في الفهم هي الحقيقة الوحيدة. أما حين ينفتح على العالم، فإنه يكتشف تعدد الرؤى، ويبدأ في إدراك نسبية ما كان يظنه مطلقً إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها وهنا تتجلى إحدى أهم إشكاليات عصرنا: إذا كان العالم واحدًا في معطياته الحسية، فلماذا يختلف الناس في تفسيره إلى هذا الحد؟ الإجابة تكمن في أن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما يفهمه. والمعنى لا يسكن الأشياء، بل يُبنى داخل وعينا. لذلك، فإن المعتقدات—الدينية منها والأيديولوجية—ليست مجرد أفكار، بل أنظمة كاملة تحدد كيف نرى العالم ونتفاعل معه ومن يعتقد ويؤمن بشيء، لا يراه احتمالًا، بل يقينًا. وهذا ما يجعل الحوار بين المختلفين صعبًا، لأنه ليس مجرد تبادل آراء، بل مواجهة بين عوالم داخلية متكاملة. ومع ذلك، فإن الفرق الجوهري بين المعرفة العلمية والاعتقاد الأيديولوجي يكمن في قابلية الأولى للاختبار والنقض، مقابل تمسك الثاني بذاته حتى في غياب الدليل وهذا ما يميز العلم عن الرأي فالعلم بوصفه مجال للاختبار والتكذيب والصح والخطأ هو فب جوهره، لغة مشتركة بين البشر. لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى تعصب، لأنه قائم على البرهان. أما الأيديولوجيات، فغالبًا ما ترتفع أصواتها بقدر ما تفتقر إلى الحجج. وهنا يظهر التناقض العجيب في عالمنا: اتفاق شبه كامل على قوانين الطبيعة، يقابله اختلاف حاد في تفسير المعنى والغاية.
وتكمن إنسانية العلم وحياديته في ذلك الاتفاق المدهش بين الجميع من مختلف الشعوب والحضارات واللغات والثقافات والأديان بشأن وحدته المنهجية والنظرية شكلا ومضمونا إذ أن 1+1=2، ومجموع زوايا المثلث 180 درجة. والخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين. والماء يتكون من ذرتي هيدجين وذرة أكسجين. ولَكل فعل رد فعل مساوي له بالقوة ومضاد له بالاتجاه ، ولا شيء يحدث بدون سبب من الأسباب ، ولا تشتغل السيارة الا بالوقود والكهرباء وقس على ذلك حقائق العلوم الوضعية التي تتميز بالموضوعية والشمولية والوحدة في الصين أو في امريكا أو في اسرائيل أو في العراق ,الجميع يدرسون ذات العلوم والنظريات والقوانين العلمية بذات الطرق والاساليب ,بينما يكمن الخلاف والاختلاف والتنافر والتباعد بشأن الاراء والمعتقدات والايديولوجيات بما فيها من ديانات واعتقادات ومقدسات وتشريعات سماوية ووضعية وعادات وتحيزات ثقافية ,وسياسية هنا بالذات سوف نجد أن الخطابات تعلو وتنخفض والاصوات تحتدم وتهدى حينما يتم التعبير عنها ,وكلما كان المرء غير واثق من الاشياء التي يتحدث عنها كلما زادت نبرة صوته ارتفاعا ,وكلما افتقد المرء للبراهين والحجج المقنعة ,كلما زاد صراخه في تأكيد آراءه ومعتقداته الأيديولوجية بينما لايحتاج عالم الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء الى الصراخ والاصوات العالىة للتعبير عن حقائقه وقوانينه العلمية. فالصمت هو سيد العلم الحقيقي والضجيج هو سيد الاعتقادات الايديولوجية. ولكن ليس هناك إلا طريقتان لتوصيل افكارنا الى الأخرين :أما أن نجبرهم على قبولها بالتهديد والتخويف والوعد والوعيد وأما أن نجعلهم يقتنعون بها بقوة البرهان والاقناع المتولد من أرادتهم الحرة بدون جبر أو اكراه من أي نوع كان.
وفي خضم هذا التداخل والتفاعل والصراع، جاءت العولمة لتضع الإنسان أمام نفسه بصورة لم يسبق لها مثيل. لقد تقلصت المسافات، وتسارعت الاتصالات، وأصبح العالم، بكل تنوعه، حاضرًا في حياتنا اليومية. لم نعد نعيش في عزلة ثقافية، بل في احتكاك دائم مع الآخر. وهذا الاحتكاك، رغم ما يحمله من فرص للتعلم، يكشف أيضًا عن فجوات هائلة في القيم والمعايير، مما يولد توترات واضطرابات فحين يرى الإنسان فجأة كيف يعيش الآخرون، وكيف يفكرون، وكيف ينظمون حياتهم، فإنه يُجبر على إعادة النظر في ذاته. وقد يؤدي ذلك إلى انفتاح وتطور، أو إلى انغلاق وعدوان. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على خصوصيتنا دون أن نحولها إلى سجن؟ وكيف ننفتح على العالم دون أن نفقد ذواتنا؟
إن التعايش اليوم، لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية. فالعالم لم يعد يحتمل صراعات الهويات الضيقة، لأن آثارها لم تعد محلية، بل تمتد إلى الجميع. ومن هنا، فإن الحاجة إلى قيم التسامح والحوار لم تعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء الإنسان غير أن التسامح، في معناه العميق، ليس مجرد تحمل للآخر، بل اعتراف بحقه في الاختلاف. هو إدراك أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وأن التنوع ليس خللًا يجب إصلاحه، بل ثراء يجب استثماره. وهو، قبل ذلك كله، قدرة على رؤية الإنسان في الآخر، قبل أن نرى انتماءه وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول الأديان—بدل أن تكون مصدرًا للصراع—إلى فضاء للتلاقي. فالمشترك الإنساني بينها أوسع بكثير مما يُتصور. كلها، في جوهرها، تدعو إلى الخير، والعدل، والرحمة، والصدق، والتسامح. وكلها تسعى، بطريقتها، إلى منح الإنسان معنى لوجوده، وأملًا في مواجهة قلقه.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرسائل إلى أدوات للهيمنة، أو إلى هويات مغلقة. وهنا تبرز فكرة “تضافر الأديان” كبديل أعمق من مجرد التعايش. فالتعايش قد يكون اضطراريًا، أما التضافر فهو اختيار واعٍ للتعاون. هو انتقال من مجرد قبول الآخر إلى العمل معه من أجل غاية مشتركة: كرامة الإنسان وفي عالم يواجه تحديات كبرى—من الحروب إلى الأزمات البيئية، ومن الفقر إلى الأمراض—لم يعد ممكنًا لأي جماعة أن تنجو وحدها. إن مصيرنا أصبح مترابطًا، وأي خلل في جزء من العالم ينعكس على الكل. لذلك، فإن التعاون بين الأديان والثقافات لم يعد مسألة نظرية، بل ضرورة عملية.
ختاما يمكن القول إن بين كل الرموز التي يمكن أن تلهم هذا التوجه، يبرز معنى “القيامة” بوصفه فكرة إنسانية عابرة للأديان. فهي ليست مجرد حدث ديني، بل تجربة وجودية تتكرر في حياة كل إنسان: أن يسقط ثم ينهض، أن ينكسر ثم يرمم نفسه، أن يختار الأمل رغم الألم. إنها القدرة على إعادة خلق الذات، وعلى قول “نعم” للحياة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة. ذلك هو الرمز والمعنى أن ننهض من تحت ركام الكراهية، وأن نعيد بناء إنسانيتنا على أسس أوسع من كل الانقسامات. أن نرى في الآخر امتدادًا لذاتنا، لا نقيضًا لها. أن ندرك أن أعظم ما فينا ليس ما نؤمن به فقط، بل ما نصنعه من هذا الإيمان في علاقتنا بالآخر فالإنسان، حين يصدق مع نفسه، لا يحتاج إلى معجزة خارجية إذ يكفيه أن يختار الخير، وأن يتمسك بالعدل، وأن يمنح الحب، ليصبح هو معجزته الخاصة. وفي عالم تتنازعه الأصوات العالية، ربما يكون الصمت العميق—صمت الفهم والتأمل—هو الطريق الوحيد لسماع الحقيقة.
وفي النهاية، لا يبقى من كل هذه التعقيدات إلا ذلك الوميض البسيط: إننا، رغم كل شيء، بشر. وهذه الحقيقة، إذا أُخذت بجدية، كفيلة بأن تغير كل شيء.
***
ا. د. قاسم المحبشي







