قضايا

هاني جرجس: القبعات الستة للتفكير

منهجية شاملة لتحسين عملية التفكير واتخاذ القرار

في عالم مليء بالمعلومات المعقدة والقرارات المتعددة الأبعاد، أصبح من الضروري امتلاك أدوات تساعد الأفراد والمجموعات على التفكير بطريقة منظمة وشاملة. من أبرز هذه الأدوات منهجية القبعات الستة للتفكير، التي ابتكرها إدوارد دي بونو، عالم النفس وخبير التفكير الإبداعي، بهدف تحسين طريقة التفكير وتنظيم الحوار داخل الفرق. تعتمد هذه المنهجية على تقسيم التفكير إلى ستة "قبعات" رمزية، كل واحدة تمثل زاوية معينة أو نمطًا محددًا للتفكير، وتتيح للفرد التركيز على نوع معين من التحليل أو الانطباع دون التشتت بين عدة اتجاهات في نفس الوقت. الفكرة الأساسية تكمن في فصل أنواع التفكير المختلفة بحيث يمكن للفريق التعامل مع كل زاوية من زوايا المشكلة على حدة، مما يسهم في الوصول إلى نتائج أكثر وضوحًا واتزانًا، ويقلل من التحيز الشخصي ويزيد من فعالية القرارات المتخذة.

تمثل القبعة البيضاء التفكير الموضوعي والتحليلي، إذ يركز الفرد على جمع الحقائق والمعلومات والإحصاءات المتوفرة دون أي تفسير شخصي أو انحياز. يتيح هذا النوع من التفكير بناء قاعدة صلبة من البيانات التي يمكن البناء عليها في مراحل التفكير الأخرى، سواء كان ذلك في تحليل أداء مشروع معين أو تقييم نتائج دراسة ميدانية. على سبيل المثال، عند التخطيط لإطلاق منتج جديد، يساعد التفكير بالقبعة البيضاء على جمع بيانات عن السوق، المنافسين، واحتياجات العملاء، ما يمنح الفريق صورة دقيقة قبل اتخاذ أي خطوة استراتيجية. بالمقابل، تعبر القبعة الحمراء عن المشاعر والحدس، حيث يُسمح للفرد بالتعبير عن أحاسيسه وانطباعاته تجاه قضية ما دون الحاجة لتبريرها بالعقلانية. هذا النوع من التفكير يضمن أن العاطفة والحدس – اللذين غالبًا ما يكونان مؤثرين في القرار النهائي – يُؤخذان بعين الاعتبار بطريقة منظمة. فعلى سبيل المثال، يمكن للفريق التعبير عن شعور عدم الثقة بفكرة معينة أو شعور الحماس تجاه فرصة جديدة، وهو ما قد يفتح النقاش حول أسباب هذه المشاعر ومدى تأثيرها على القرار.

أما القبعة السوداء، فهي مرتبطة بالتفكير النقدي والتحذيري، إذ يقوم الفرد بتحديد المخاطر والتحديات والسلبيات المحتملة لأي قرار أو فكرة. هذا النوع من التفكير يمنع اتخاذ قرارات متهورة ويساعد الفريق على التنبؤ بالعقبات المحتملة. فعلى سبيل المثال، عند النظر في مشروع استثماري، يمكن للقبعة السوداء تحليل المخاطر المالية، القانونية، أو التشغيلية، والتأكد من أن جميع التحديات المحتملة قد تمت مواجهتها قبل البدء. بالمقابل، تمثل القبعة الصفراء التفكير الإيجابي والبناء، حيث يركز الفرد على الفوائد والمزايا المحتملة لأي فكرة أو مشروع. هذا التفكير يعزز التفاؤل الواقعي ويساعد على موازنة النقد والتحليل السلبي، وهو أمر ضروري لإيجاد حوافز للاستمرار في المشاريع. على سبيل المثال، يمكن للقبعة الصفراء استشراف الفرص الجديدة التي قد توفرها التكنولوجيا الحديثة أو تحسين سمعة الشركة من خلال مبادرات مبتكرة.

تساهم القبعة الخضراء بشكل كبير في تحفيز الإبداع والابتكار، إذ تشجع على توليد أفكار جديدة وحلول غير تقليدية لمعالجة المشكلات، وتدفع الأفراد لتخطي الحلول المعتادة والتفكير خارج الصندوق. هذا النوع من التفكير مهم جدًا في بيئات العمل الديناميكية التي تتطلب القدرة على التكيف مع المتغيرات بسرعة، مثل ابتكار حملات تسويقية مبتكرة أو تصميم منتجات تلبي احتياجات لم يتم اكتشافها بعد. أما القبعة الزرقاء، فهي القبعة التنظيمية التي تدير عملية التفكير نفسها، حيث يقوم القائد أو المنسق بتوجيه الفريق حول أي قبعة يجب التركيز عليها في كل مرحلة، وضمان سير النقاش بطريقة منظمة، مع توحيد النتائج في خطة عمل واضحة وشاملة. هذا يسمح بتحويل كل أنواع التفكير المختلفة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، ويضمن أن كل زاوية من زوايا المشكلة قد تم تحليلها بشكل مناسب.

تكمن أهمية منهجية القبعات الستة في تحسين التفكير الجماعي وزيادة الإبداع وتقليل الانحياز، إضافة إلى تسريع عملية اتخاذ القرار من خلال اتباع خطوات منظمة ومدروسة. يمكن تطبيق هذه التقنية في الأعمال التجارية لتقييم المنتجات واستراتيجيات التسويق وإدارة المخاطر، وفي التعليم لتعليم الطلاب التفكير المنهجي وتحليل المشكلات من زوايا متعددة، مما يعزز قدراتهم على حل المشكلات بشكل مستقل وفعّال. كما يمكن استخدامها في حل النزاعات، إذ تساعد الأطراف على رؤية القضية من منظور موضوعي وعاطفي وإبداعي قبل الوصول إلى الحل، مما يقلل التوتر ويساهم في التوصل إلى حلول أكثر توافقًا. اعتماد هذه المنهجية يسهم بشكل واضح في تطوير مهارات التفكير العليا، ويجعل الحوار أكثر إنتاجية ووعيًا، مع ضمان توازن بين النقد والإبداع والعاطفة والتفاؤل، وبالتالي تعزيز جودة القرارات وتحقيق نتائج أكثر نجاحًا على المدى الطويل.

***

د. هاني جرجس عياد - استاذ بالجامعة الإسلامية بمنيسوتا

في المثقف اليوم