قضايا

فضل فقيه: اليمينيّة الشعبوية ومعاداة العلم

من السهل أن يلاحظ أي من العاملين في القطاع العلمي أن استلام قوى سياسية معّينة لدفة الحكم يؤدي الى تراجع التمويل واستهداف منهجي للعلم. غالبا ما ترتبط موجات معاداة العلم بحكم قوى اليمين. غير أن الطريقة الأدق لتوصيف الأمور وتفسير الكثير من الحالات ليس اليمين بوصفه طيفًا ايديولوجيًّا واسعًا، بل السياسات الشعبوية المعادية للنخب. يتألف الخطاب الشّعبوي من الآراء المعادية للنخبوية، والمؤسسات الحاكمة، والحديث عن حكم عامة الشّعب. بينما يعترض كل من الشعبوية اليمينية واليسارية على سيطرة النخب في الديمقراطيات الليبرالية، تعيد اليمينية الشعبوية توصيف مؤسسات انتاج المعرفة بوصفها جزءًا من نخبة غير جديرة بالثقة. في سحبها الثقة من المؤسسات العلمية والمعرفية، تتحول الأحزاب اليمينية بقراراتها وفلسفتها مرجعا لمناصريها وبذلك تمنح لمعاداة العلم نكهة سياسية وليس نقدا منهجيا بناءً.

ماذا نعني بمعاداة العلم؟

غالبًا ما تنظر السلطة السياسية الى الجامعات والمؤسسات العلمية والتعليمية كمراكز نفوذ مستقلة، فتسعى لضبطها إداريا وماليا. على سبيل المثال، هذا ما نراه اليوم من قبل الادارة الأمريكية الحالية تجاه الجامعات كجامعة هارفرد. ويرى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أن المؤسسات التعليمية قادرة أن تلعب دورا في دعم قوى سياسية معينة بضغط من هذه القوى، إذ تستطيع أن تروج لطبقة اجتماعية أو منظومات اقتصادية وفكرية معينة في مناهجها. لذلك يسعى اليمين الشعبوي إلى معاداة النخب والمؤسسات العلمية واستهدافها اقتصاديًا وسياسيًّا لتجييرها ناحيته.

وهل يعني هذا أن الحركات الشعبوية تعترض أبستمولوجيّا على خطوات المنهج العلمي؟ هذا ليس ضروريا، فالصراع انما صراع على الاستقلال المؤسسي والشرعي وليس بالضرورة نزعة مضادة للمعايير العلمية. لكن الأمر لا يخلو من نزعة انكارية بمعنى تقني كالتشكيك بالاحتباس الحراري. غالبا ما يأتي هذا التشكيك عبر انتقاء الأدلة بدل تقييم مجمل الأدلة أو الانتقال من نقد نتائج محددة إلى الشك في نزاهة المجتمع العلمي بأكمله (نظرية مؤامرة أو فساد نخبوي). تخدم هذه المنهجية مصالح اقتصادية لكارتيلات اقتصادية مقربة من الأحزاب السياسية.

إن الاختلاف هنا يصبح تشكيكًا بالمؤسسات العلمية وتسيسًا لمعايير التحكيم المعرفي، وقد يصل في بعض الملفات إلى نزعة انكارية تستهدف منطق المنهج العلمي. لكن الهدف الأوسع للسياقات الشعبوية هي تقويض المؤسسات والنخب والتحكم بإنتاجها المعرفي لصالح السلطة السياسية التي "تخدم وتمثل الشعب".

معاداة العلم والسخط السياسي

تأخذ الآلية التفسيرية للوصول إلى واقع اعتبار العلم قوة نخبوية لا منهجا معرفيًّا، حيث يصبح النزاع حول الحقائق نزاعًا حول الشّرعيّة، مسارين. المسار الأول، وهو غير المباشر، يأتي عبر الخطاب الشعبوي الذي غالبًا ما يضخم السخط السياسي والنفور المؤسّسي. يؤدي هذا الخطاب إلى انخفاض الثقة بالحكومة والنظام، وينتقل "بالعدوى المؤسسية" إلى مؤسسات أخرى كالعلم الذي يصبح ضمنًا جزءً من "حزمة النخب". أمّا المسار الثاني، وهو المسار المباشر، فيأتي عبر استهداف الشعبويًين للنخبة العلمية كالعلماء والجامعات بوصفهم نخبة خبراء ذات مصالح. بذلك يتولد شك ومعاداة للعلم يتجاوز السخط السياسي ويحول المعرفة العلمية من موضوع إبستيمولوجي إلى صراع سياسي.

ينتج عن هذا المسار حلقة مفرغة بتغذية راجعة. يؤدي دعم الأحزاب الشعبوية إلى زيادة لاحقة في السخط السياسي. هذا السخط يتنبأ بزيادة لاحقة في دعم الشعبي للأحزاب الشعبوية. أما من جهة العلم، إن السخط السياسي يؤدي إلى شك أكبر بالعلم ويولد حالة من انخفاض الثقة وعدم الرضا عن العلم. وفي الاتجاه العكسي، يؤجج الشك بالعلم التمرد على النخب العلمية وبالتالي دعم الأحزاب اليمينية الشعبوية. إلا أن الأخير ضعيف حسب الدراسة المرفقة أدناه. بذلك تتفاقم العلاقة بين الشعبوية والشك العلمي عبر الزمن في سياقات أزمات تسيّس معاداة العلم وتؤجّجه عبر السخط السياسي.

تسيس العلم وتأثيره على المؤسسة العلمية

إن سياسات الإدارة الأميركية الحالية تكاد تكون أفضل مثال على ما تمت مناقشته أعلاه. إن تصنيف بعض الجامعات الأميركية كهارفرد كنخبة غير شرعية، يصبح خفض التمويل أو تقييده سياسيّا أسهل. تشير التصنيفات الببليومترية إلى تراجع الجامعات الأميركية مقابل جامعات عالمية أخرى في عام 2025. بينما قد لا يكون أثر قرارات الإدارة الحالية السبب الوحيد لذلك، إلا أن خفض التمويل وسياسات الهجرة المتخذة ستسبب مشاكل وانهيارات دراماتيكية. انخفض عدد الطلاب الأجانب بشكل كبير في هذا العام وفق نيويورك تايمز، وهو ما يزيد ما ينزع من اميركا المغناطيس الذي يجذب العقول حسب عالم الفيزياء الأميركي ميتشيو كاكو. يقول كاكو أن فيزا الباحثين الأجانب ذوو المهارات العالية تشكل المحرك الأساسي للتقدم الأمريكي. إن قرارات الهجرة ونزيف الأدمغة وانخفاض التمويل ناتج عن سياسيات السخط السياسي وانعدام الثقة في العلم لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تطلب تذليل عقبات كإجراءات المحافظة على البيئة.

إذًا كان الخطاب الشعبوي لأحزاب اليمين الشعبوي قادرا على خفض الثقة العامة في العلم، فهو يقلل الكلفة السياسية لإجراءات مثل تقييد الاستقلالية الجامعية، وتقليص التمويل، أو استهداف حقول معرفية بعينها. لأنه، وعبر السخط السياسي، قد صنف المؤسسة العلمية كجزء من النخبة الغير شرعية. إذا فالشعبوية المعادية للعلم هي ديناميكية تسيس تنتجها الشعبوية عبر تعميم الشك المؤسسي وتحويل العلم إلى موضوع نواع على الشرعية والسلطة.

  ***

فضل فقيه – باحث

..........................

مراجع:

Rekker, R. How populist parties fuel science skepticism: Evidence from a 15-year panel study. Acta Polit. (2025).

Mervis, J. Damage assessment: Which of Donald Trump’s changes are likely to last-and which will fade? Science (20 January 2026).

Arsenault, M. Chinese Universities Surge in Global Rankings as U.S. Schools Slip. The New York Times (15 Jan 2026).

في المثقف اليوم