عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

جمال العتابي: في "مندالة" التشكيلية نسرين الملا

لوحة تنفتح على أسئلة الوجود والديمومة والتجدد

ضمن المعرض الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في الثالث عشر من حزيران2026، الذي ضم أكثر من مئة وعشرين عملاً فنياً لفنانين من مختلف محافظات العراق باتجاهات وأساليب تشكيلية متنوعة، كانت لوحة الفنانة نسرين الملا "مندالة" من بين الأعمال الفنية التي توقفت عندها متأملاً عنوانها، ودلالته أولاً، ولأنها من بين الأعمال المتميزة في المعرض، إذ استطاعت أن تقدّم خطاباً بصرياً تداخلت فيه الذاكرة الشخصية مع الموروث الحضاري والبعد الروحي في بنية تشكيلية جديدة.

في حوار مع الفنانة يتبين لنا أن "مندالة"، تشير إلى فن المندالة أو الرسم بالرمال، وهو أحد الفنون التي تتميز بها منطقة التبت، وهي كلمة ذات أصل سنسكريتي تعني "الدائرة". أو القرص، وفي الثقافات الهندو ـ أوربية تمثل "المندالة" رمزاً للكون والانسجام والاتحاد الروحي، والتعبير عن المشاعر عبر الألوان والأشكال ، وتُستخدم في الطقوس التأملية بوصفها صورة رمزية للعالم ولحركة الوجود. غير أن الفنانة لا تستعير المفهوم بمعناه الشرقي المجرد، بل تعيد توطينه داخل البيئة العراقية، لتمنحه أبعاداً حضارية رافدينية، وبغدادية معاً.

تكتسب هذه اللوحة أهميتها من كونها تنبع من تجربة حياتية عميقة عاشتها الفنانة في منطقة الشوّاكة، إحدى أقدم محلات بغداد في جانب الكرخ، بمحاذاة نهر دجلة. هناك، وسط الأزقة المتعرجة، والأقواس البغدادية، والشبابيك الخشبية، والانحناءات المعمارية التي تشكل جزءاً من الذاكرة البصرية للمدينة، تشكل وعي الفنانة الجمالي. ومن هنا يمكن فهم الحضور الكثيف للمنحنيات والأهلّة والأشكال الدائرية التي تتكرر في العمل بوصفها استدعاءً جمالياً لذاكرة المكان.

الدائرة هنا ليست شكلاً هندسياً محايداً، بل رمز ثقافي عابر للعصور. فمنذ الأختام الأسطوانية السومرية، مروراً بالرموز المرتبطة بالآلهة عشتار، وصولاً إلى العمارة الإسلامية في القباب والأقواس والزخارف والرقش، ظل الشكل الدائري أحد أكثر الأشكال حضوراً في المخيال العراقي. كما نجده في الأواني الفخارية، والزخارف الشعبية، والحروفية العربية التي تحوّل الحرف نفسه إلى حركة دوران مستمرة حول مركز معنوي وروحي.2950 jamal

في قلب اللوحة تتجسد هذه الفكرة عبر دائرة مركزية كبيرة تشكل المحور البصري والروحي للعمل. إنها ليست مجرد عنصر زخرفي، بل مركز جذب تدور حوله العلاقات التكوينية كافة. ومن خلال هذه الدائرة تنتظم حركة الشخصيات النسوية التي تبدو وكأنها تمارس طقساً جماعياً قديماً، حيث تتحرك الأجساد في دوران إيقاعي حول إناء أو صحن دائري يتوسط المشهد.

تبدو النساء هنا وكأنهن يستعدن إحدى طقوس الخصب الأولى التي عرفتها الحضارات الزراعية القديمة. فالجسد الأنثوي لا يُقدَّم بوصفه موضوعاً جمالياً أو وصفياً، وإنما بوصفه رمزاً لاستمرار الحياة وتجددها. ولهذا اختارت الفنانة المرأة محوراً للعمل، لأنها تمثل الولادة والمخاض والتجدد، أي الدورة الأزلية التي لا تنقطع. ومن هذا المنظور يصبح الهلال المتكرر في اللوحة امتداداً للدلالة نفسها، فهو رمز للتجدد الدوري، ولحركة الزمن التي تبدأ لتعود إلى بدايتها من جديد.

الإيحاء الحركي في العمل بالغ الأهمية، فالشخصيات لا تبدو ساكنة رغم ثباتها التشكيلي. ثمة حركة كامنة تتولد من اتجاهات الأجساد ومن علاقة الكتل بالدائرة المركزية، وكأننا أمام رقصة دائرية بطيئة تستعيد طقوس الطواف الإنساني الأولى. ولعل هذا ما يقرّب العمل من مفاهيم الدوران الصوفي، حيث يتحول الدوران إلى وسيلة للاتحاد مع الكون، وإلى تعبير عن الحركة الكونية المستمرة التي لا تعرف بداية أو نهاية.

أما العمود الرأسي الذي يشطر اللوحة إلى قسمين، والمثقل بالعلامات والرموز والزخارف، فيبدو وكأنه سجل حضاري يمتد من الأرض إلى السماء. إنه العمود الذي يحمل ذاكرة الحضارات المتعاقبة، ويمنح الحركة الدائرية مركزها الثابت. وبهذا المعنى تنشأ علاقة جدلية بين الثبات والحركة، بين العمود بوصفه محوراً، والدائرة بوصفها طاقة دوران لا تتوقف.

اختارت الفنانة خلفية داكنة عميقة سمحت للعناصر المضيئة بأن تتوهج من الداخل. فاللون هنا لا يؤدي وظيفة وصفية، بل يساهم في بناء المناخ التأملي للعمل. وتكتسب درجات الفيروزي والذهبي أهمية خاصة لأنها تستدعي ذاكرة العمارة البغدادية والقباب الإسلامية ونقوشها، فيما تمنح الألوان الأخرى للأجساد إحساساً بأنها خارجة من عمق الأرض أو من طبقات التاريخ.

إن القيمة الحقيقية لهذا العمل تكمن في نجاحه في الجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة: الذاكرة الشخصية للفنانة، والموروث الحضاري العراقي، والبعد الإنساني الكوني الذي تمثله فكرة "المندالة". لهذا لا تبدو اللوحة أسيرة مكان أو زمان محددين، بل تنفتح على أسئلة الوجود والديمومة والتجدد.

استطاعت نسرين الملا أن تبني عالماً رمزياً خاصاً بها، يستند إلى خبرة المكان، ويستثمر التراث من دون الوقوع في النقل أو التكرار، لتصير "المندالة" تأملاً بصرياً في فكرة الاستمرار، واحتفاءً بالمرأة، خصوصاً في قدرتها على تجديد العالم عبر دورة لا تنتهي من الولادة والتحول والعودة إلى نقطة البدء، تماماً كما تدور الحياة حول مركزها الأبدي.

***

د. جمال العتّابي

في المثقف اليوم