كتب: براين نورتن
ترجمة: علي حمدان
***
بالنسبة لبرنارد ستيجلر، الفيلسوف صاحب الرؤية الثاقبة لعصرنا الرقمي، فإن التقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية*
***
أصبح من شبه المستحيل فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية. يُفسَّر الواقع عبر شاشات متوهجة، وتدفقات بيانات لا تنضب، وحلقات تغذية راجعة بيومترية، وأطراف اصطناعية رقمية، وشبكات متنامية تربط ذواتنا الافتراضية بمصفوفات أقمار صناعية في مدار ثابت بالنسبة للأرض. تُفسِّر ساعات اليد حالتنا الجسدية من خلال عدّ الخطوات ونبضات القلب. تتتبع الهواتف كيفية قضائنا وقتنا على الإنترنت، وترسم خرائط المواقع الجغرافية للأماكن التي نزورها، وتسجل تاريخنا في أرشيفات رقمية. تُقيم منصات التواصل الاجتماعي تحالفات وتخلق إمكانيات سياسية جديدة. وتُحدِّد الشبكات اللاسلكية الواسعة - التي تربط الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والأسلحة "الذكية" - كيفية خوض حروب عصرنا. تجاربنا في العالم مُشبعة بالتقنيات الرقمية.
لكن بالنسبة للفيلسوف الفرنسي برنارد ستيغلر، أحد أوائل وأبرز منظري عصرنا الرقمي، فإن فهم العالم يتطلب منا تجاوز النظرة التقليدية للتكنولوجيا. فقد اعتقد ستيغلر أن التكنولوجيا لا تقتصر على تأثيرات الأدوات الرقمية وكيفية تأثيرها على حياتنا، ولا على كيفية ابتكار الأجهزة واستخدامها من قبل منظمات قوية أو دول أو أفراد. إن علاقتنا بالتكنولوجيا أعمق وأكثر جوهرية، إنها تتعلق بالتقنيات نفسها.
بحسب ستيغلر، فإنّ التقنية - أي صنع التكنولوجيا واستخدامها بمعناها الأوسع - هي ما يُميّزنا كبشر. فأسلوب وجودنا الفريد في العالم، المُختلف عن باقي الكائنات، يتحدد بالخبرات والمعارف التي تُتيحها لنا أدواتنا، سواءً أكانت واجهة متطورة بين الدماغ والحاسوب مثل نيورالينك، أو فأسًا من الصوان استُخدم في عصور ما قبل التاريخ لإزالة الأشجار. لكن لا تظنّوا خطأً: فكلمة "تقنية" ليست مُجرّد مُرادف لكلمة "تكنولوجيا". وكما كتب مارتن هايدغر في مقالته "المسألة المُتعلّقة بالتكنولوجيا" (1954)، والتي استخدم فيها المصطلح الألماني "Technik" بدلًا من "Technologie" في العنوان الأصلي: "جوهر التكنولوجيا ليس بأي حال من الأحوال شيئًا تكنولوجيًا". وهذا يتوافق مع تاريخ الكلمة: فأصل كلمة "تقنية" يُعيدنا إلى ما يُشبه المصطلح اليوناني القديم للفن - "technē". إذن، جوهر التكنولوجيا لا يكمن في جهاز، مثل الجهاز الذي تستخدمه لقراءة هذه المقالة. إنها عملية إبداعية مفتوحة، وعلاقة مع أدواتنا والعالم.
هذا هو إرث ستيغلر. طوال حياته، طوّر فكرة التقنيات هذه، التي استكشفها لأول مرة أثناء سجنه بتهمة السطو المسلح، أكثر من أي شخص آخر. لكن أفكاره غالبًا ما تم تجاهلها وسوء فهمها، حتى قبل وفاته عام 2020. واليوم، أصبحت هذه الأفكار أكثر ضرورة من أي وقت مضى. كيف لنا أن نتعلم، بخلاف ذلك، فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية؟ كيف لنا أن نبدأ في فهم تاريخ واقعنا الغريب؟
لم يكن طريق ستيغلر ليصبح الفيلسوف الأبرز في عصرنا الرقمي سهلاً على الإطلاق. فقد وُلد في فيلبون سور إيفيت، جنوب باريس، عام 1952، خلال فترة ازدهار ونهضة شهدتها فرنسا عقب ويلات الحرب العالمية الثانية. في سن السادسة عشرة، شارك ستيغلر في الموجة الثورية عام 1968 (وانضم لاحقًا إلى الحزب الشيوعي)، حين أجبرت انتفاضة طلابية وعمالية جذرية الرئيس شارل ديغول على اللجوء مؤقتًا إلى ألمانيا الغربية. إلا أنه بعد الدعوة إلى انتخابات جديدة وإزالة المتاريس، خاب أمل ستيغلر في الماركسية التقليدية، وكذلك في التيارات السياسية السائدة في فرنسا آنذاك. بدا اليسار الفرنسي ممزقًا بين وجودية ما بعد الحرب لجان بول سارتر، ومعاداة الإنسانية للويس ألتوسير. بينما أصرّ سارتر على قدرة الإنسان الإبداعية على تشكيل مصيره، جادل ألتوسير بأنّ هيمنة الأيديولوجيا في المجتمع الرأسمالي قد تركتنا عالقين بلا حول ولا قوة في أنظمة سلطة خارجة عن سيطرتنا. لم يُرضِ أيٌّ من هذين الخيارين ستيغلر، لأنّ أياً منهما لم يستطع تفسير الصعود السريع لقوة تاريخية جديدة: التكنولوجيا الإلكترونية. بحلول سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أدرك ستيغلر أنّ هذه التكنولوجيا الجديدة تُعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا، وبالعالم، وببعضنا البعض. ولتفسير هذه الظروف الجديدة، اعتقد أنّه لا بدّ من إعادة كتابة تاريخ الفلسفة من جذوره، من منظور التقنية. لم تقترب لا الوجودية ولا الماركسية ولا أيّ مدرسة فلسفية أخرى من الاعتراف بالرابط الجوهري بين الوجود الإنساني والتاريخ التطوري للأدوات.
في العقد الذي تلى عام 1968، افتتح ستيغلر نادياً لموسيقى الجاز في تولوز، أغلقته الشرطة بعد بضع سنوات بتهمة ممارسة الدعارة غير القانونية. ولحاجته الماسة لتأمين لقمة العيش، لجأ ستيغلر إلى سرقة البنوك لسداد ديونه وإطعام أسرته. وفي عام 1978، أُلقي القبض عليه بتهمة السطو المسلح وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. كان ستيغلر، الذي ترك الدراسة الثانوية ولم يشعر يوماً بالراحة في بيئة السجون، قد طلب زنزانة خاصة به عند وصوله إلى السجن، ودخل في إضراب عن الطعام حتى تمت الموافقة على طلبه. وبعد أن وافق مدير السجن أخيراً، بدأ ستيغلر يلاحظ كيف كانت القراءة والكتابة تُؤثران على علاقته بالعالم الخارجي. كان هذا إدراكاً بالغ الأهمية. فمن خلال الكتب والورق والأقلام، تمكن من التواصل مع الناس والأماكن خارج أسوار السجن.
خلال فترة سجنه، بدأ ستيغلر بدراسة الفلسفة بتعمق أكبر، يلتهم كل كتاب يقع بين يديه. في مذكراته الفلسفية "التصرف بجرأة" (2009)، يصف ستيغلر فترة سجنه بأنها كانت فترة استكشاف ذاتي جذري وتجربة فلسفية. قرأ أعمالًا كلاسيكية في الفلسفة اليونانية، ودرس اللغة الإنجليزية، وحفظ الشعر الحديث، لكن الكتاب الذي لفت انتباهه حقًا كان حوار "فيدروس" لأفلاطون. في هذا الحوار بين سقراط وفيدروس، يوضح أفلاطون مفهومه عن "التذكر"، وهي نظرية في التعلم تنص على أن اكتساب المعرفة الجديدة ليس إلا عملية تذكر ما كنا نعرفه في حياة سابقة. ففي دوامة لا تنتهي من الموت والولادة، ننسى ما نعرفه في كل مرة نولد فيها من جديد. بالنسبة لستيغلر، أصبحت فكرة التعلم كذكرى أقل روحانية وأكثر مادية: فالتعلم والذاكرة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالتقنيات. من خلال الأدوات التي نستخدمها - بما في ذلك الكتب والكتابة والمحفوظات - يمكننا تخزين وحفظ كميات هائلة من المعرفة.
بعد محاولة أولية لكتابة الروايات في السجن، التحق ستيغلر ببرنامج فلسفي مُصمم خصيصًا للسجناء. وخلال فترة سجنه، حصل على شهادة في الفلسفة، وتواصل مع مفكرين بارزين، من بينهم الفيلسوف والمترجم جيرار غرانيل، الذي كان أستاذًا ذا نفوذ في جامعة تولوز لو ميراي (التي عُرفت لاحقًا بجامعة تولوز جان جوريس). عرّف غرانيل ستيغلر على بعض أبرز الشخصيات الفلسفية في ذلك الوقت، بمن فيهم جان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا. أشرف ليوتار على رسالة الماجستير لستيغلر بعد إطلاق سراحه، بينما أشرف دريدا على أطروحته للدكتوراه، التي أنجزها عام 1993، والتي أُعيدت صياغتها ونُشرت بعد عام كأول مجلد في سلسلة "التقنية والزمن". بمساعدة هؤلاء الفلاسفة ومُثُلهم الجديدة، بدأ ستيغلر في إعادة تشكيل التزامه السياسي السابق بالمادية الماركسية، ساعياً إلى تفسير الطرق التي تُشكل بها التقنيات الجديدة العالم.
مع بداية سبعينيات القرن العشرين، بدأ عدد متزايد من الفلاسفة والمنظرين السياسيين في التشكيك في فورية تجربتنا المعيشية. لم يعد العالم من حولنا يُنظر إليه من قِبل هؤلاء المفكرين على أنه أمر مُسلّم به، كما كان الحال بالنسبة للفلاسفة الظاهريين مثل إيمانويل كانط وإدموند هوسرل. بل أصبح العالم يُقدّم نفسه كبيئة مبنية تتألف من أشياء مثل الطرق ومحطات توليد الطاقة والمنازل، وكلها أصبحت ممكنة بفضل المؤسسات السياسية والممارسات الثقافية والأعراف الاجتماعية. وهكذا، بدت الحقيقة أيضاً وكأنها بناء اجتماعي، وليست أمراً مُسلّماً به.
كان لويس ألتوسير أحد أبرز الفلاسفة الفرنسيين الذين تعمقوا في دراسة واقعية اللحظة الراهنة. ففي مقالته "الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية"، التي نُشرت عام 1970، أي قبل سنوات من تتلمذ ستيغلر على يديه، يُشير ألتوسير إلى أن الأيديولوجيا ليست مجرد معتقد فردي، بل هي ظاهرة تتجاوز بكثير نطاق الفرد، أو حتى المجتمع. فكما نلتفت لا شعوريًا عندما نسمع من ينادينا من الخلف، فإن للأيديولوجيا تأثيرًا تلقائيًا ولا شعوريًا علينا، إذ تتسلل إلينا من الخارج. وقد طوّر ميشيل فوكو، أحد تلاميذ ألتوسير في المدرسة العليا للأساتذة في باريس، نظريةً للسلطة تعمل بطريقة مماثلة. في كتابه "المراقبة والمعاقبة" (1975) وفي مواضع أخرى، يجادل فوكو بأن السلطة الاجتماعية والسياسية لا تتركز في أيدي الأفراد، بل تُنتَج من خلال "الخطابات، والمؤسسات، والأشكال المعمارية، والقرارات التنظيمية، والقوانين، والتدابير الإدارية، والبيانات العلمية، والمقترحات الفلسفية والأخلاقية والإنسانية". وقد تمثلت رؤية فوكو في إظهار كيف تُشكّل السلطة كل جانب من جوانب العالم، بدءًا من التفاعلات الصفية بين المعلم والطالب، وصولًا إلى مفاوضات اتفاقية تجارية بين ممثلين عن دولتين مختلفتين. من هذا المنظور، تتشكل السلطة في الممارسات المادية ومن خلالها، لا أنها شيء يمتلكه الأفراد.
هذه هي الأسس التي بنى عليها ستيغلر فكرته عن التقنية. ورغم تقديره للطرق التي حاول بها فوكو وألتوسير تفسير التكنولوجيا، إلا أنه ظل غير راضٍ عن إهمال أنواع محددة منها، فضلاً عن عدم تقديم أيٍّ منهما بدائل حقيقية لأشكال السلطة التي وصفاها. في كتابه "رعاية الشباب والأجيال" (2008)، يوضح ستيغلر أنه استطاع تجاوز فوكو بمساعدة مفهوم "الفارماكون" الذي طرحه معلمه دريدا. في مقالته "صيدلية أفلاطون" (1972)، بدأ دريدا بتطوير هذه الفكرة وهو يستكشف كيف يمكن لقدرتنا على الكتابة أن تخلق وتقوض (تعالج وتسمم) إحساس الفرد بهويته. بالنسبة لدريدا، فإن فعل الكتابة - وهو بحد ذاته نوع من التكنولوجيا - له علاقة متناقضة بالذاكرة الفردية. على الرغم من أن الكتابة تتيح لنا تخزين المعرفة والخبرة عبر فترات زمنية طويلة، إلا أنها تثبط عزيمتنا عن ممارسة قدرتنا الذهنية على التذكر. فالكلمة المكتوبة تقطع الصلة المباشرة بين التجربة المعيشة والذاكرة الداخلية. إنها "تعالج" حدودنا المعرفية، ولكنها في الوقت نفسه "تسمم" إدراكنا بتقييد قدراتنا.







