عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كتب واصدارات

بدوي الحاج: عرض لكتاب "في كل سنبلة مائة حبة" لعباس علي مراد

"في كل سنبلة مائة حبّة "، وفي كلِّ حبّة مِئات مِنَ الوجوهِ الأليفة، لأشخاصٍ رَووا، بِدمائهم، حقولَ السنابل اليافعة وكلّ نَباتِ الأرض.

فالزمنُ لا يَسيرَ هناك، بَل يَرتَجِف . وما نَعيشَه ليس إلاّ تكراراً لِذاكرةٍ لَمْ تُدفَنْ بَعد.

ذاكِرةٌ تَتَّكىءُ على نِضالٍ مُقاوِم قَلَّ نَظيره في تاريخِنا المُعاصر، لا بَل على مَرِّ حَقباتٍ طويلة مِنَ التاريخ.

نحن لا نَخطو إلى الأمام، نحن نَدورُ حولَ جُرحٍ يَعرِفُنا أكثَر ممّا نَعرِفُه . فقد تَعَلَّمنا مُداواة الألَم بأسئلة لا أجوِبة لها . أينَ الدّولة، بِكُلِّ ماهيَّتِها، ولأكثَر من نِصفِ قَرن ؟! . فالخَوفُ ليسَ ممّا يَحدث، بَل ممّا يستيقظ ُ فينا من قَهرٍ، مُتَرَسِّب، على تضحياتٍ فاقَت تَضحياتَ كلِّ مَسؤول وكلّ رئيس وكلّ مَرؤوس في هذه الدّولة.

لقد تآلَفنا مع الخَلَل، كما يَتآلَف الجَّسَد مع ألَمِه المُزمِن . كلُّ شيء يَتآكَل، بِبُطء، كي لا نَصرُخ، كي لا نَسأل، فَنُدرِك، وَلَوْ مُتَأخرين، أنَّ شيئاً جديداً لَم يَحدُث، فنحنُ نَعيشُ الانهِيار دونَ أنْ نَنهار دَفعَةً واحِدة.

في ديوانِه " في كل سنبلة مائة حبة " يدخل عباس مراد إلى عمقِ التَّجرُبة، إلى الجُّذور، إلى وجودية الانتِماء، فيَقول : " نحن المُشَرَّدون في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها / لا تَحبَل بنا النساء / نحن لا يُعرَف لنا هوية ولا انتِماء / نحن على قارعَةِ المَوتِ نُزَلاء..".

ينتقِلُ بعدَها شاعِرُنا إلى المسافات التي يدخُلُها الشِتات، إلى السفن الشريدة التي لا موانئ لها، إلى النُّزوح الذي أضحى لجوءً ضمنَ حدودِ الوطَن، وفي أكثر من مَكان، فَيَكتُب بِحَسرةٍ ويَقول : " أنطلقُ خارجاً / هائماً على وجه الشرود / حاجزٌ يَعترض طريقي / يسألني عن هويتي / أتمتم / ماذا أفعل / تلعثَم اللسان / جاءَ الجواب / من رحَمِ الألم / من العذاب / من القهر / لاجىء في وطني / سلَبوا مني هويتي."

هو الحائر، المُتَسَكِّع على هوامِش أفكارِه الهاربة خارجَ الذكريات، المُنغَمِسة في ظلمَةِ الأفق، تَسألُ عن الأمكِنة، عن الأزمِنة، عن صُوَرِ الغِياب..

هو الهائمُ فوقَ رُكامِ الدّار، يَتَوجّعُ لِجِراحِ حِجارتِها ويشعُر بِنبَضِ تُرابِها، فيقول : " سأمشي بهدوء فوق رُكامِ الدار / حتى لا تتأذى حجارة الذكريات / سأنحني فوق غبارِها برفقٍ وأُوَشوِش / سأدنو بِصَمتٍ وخشوع / لأسمع نبضَ التُراب."

وللعِطرِ توقيتٌ هو عيترون، بلدةُ شاعِرُنا، المَكلومة والموجوعة، هي الحُصنُ الذي، في صدره، واجهَ رِماحَ الأعداء، فيَصرخُ عباس : " باسمِكِ الذي نُقسِمُ به بعدَ الله / سنَعود / سنَلتَقي على توقيت العِطر / غداً يُزهِر الربيع فوقَ رُكامِ منازلِنا / غداً عندَ أذانِ الفَجر / قبلَ أوّلِ شُعاعِ شَمسٍ / مَوعِدُنا عَيتَرون...".

في خِضَمِّ كُلّ هذا، يتساءل عباس مراد إنْ كان بَقِيَ من تُراب لاحتِضانِ أجسادِ السنابل ؟!.

حتى الهواء لمْ يَعُدْ قادراً على التّنَفُس، فرائحة البارود وغُبار المَدافِعِ والحروب تُحاوِلُ تَشويهَ لوْنَ العِزّةِ الدّافِق . فَسَنابلُ الشهادة على الحقِّ ثابتة، تَخفُقُ بالحياة، تَنحَني لها القامات، مَنبِتٌ للصُمود، معقَلٌ للتحرير، مَربَضٌ للحُريّة.

***

كتب بدوي الحاج