مطالعة تعريفية
صدور الطبعة الأولى من رواية "الخنافس" للأديبة سعاد الراعي
***
تدخلنا الرواية إلى عالمها السردي من بوابة صادمة.. إذ لا تجعل من زحف الخنافس مجرد حادثة غرائبية تستثير الدهشة، وإنما تؤسسه منذ الصفحات الأولى بوصفه رمزًا كثيفًا لعدوانٍ منظم يستهدف المكان والإنسان معًا.
ومنذ هذا المدخل، يتضح أن الرواية لا تنتمي إلى أدب الرعب أو الفانتازيا بقدر انتمائها إلى الرواية الرمزية الواقعية، التي تستعير الحشرة لتكشف آليات أكثر خطورة من الاحتلال المباشر، تتمثل في تفكيك المجتمع من داخله، وتلويث براءته، واقتلاع جذوره التاريخية.
تنجح الكاتبة في بناء استعارة مركزية متماسكة. فالخنافس ليست كائنات طبيعية خرجت من جوف الأرض، بل هي نتاج فعلٍ بشري خفي، تُزرع عمدًا في البيئة المحلية بواسطة أيادٍ مجهولة تستغل الأطفال، وتغريهم بالحلوى والمال كي يتحولوا، دون وعي، إلى أدوات لإنتاج الكارثة.
تبلغ الرمزية ذروتها.. إذ يصبح الخطر الحقيقي ليس الحشرة، وإنما قابلية البراءة للاستغلال، وتحويل الضحية إلى وسيط في صناعة الخراب. وبهذا تتجاوز الرواية بعدها الحكائي لتقدم قراءة عميقة لآليات الاختراق الاجتماعي والثقافي التي تبدأ من استهداف الأجيال الجديدة.
ولا تلبث الرواية أن تكشف عن مقصدها الواقعي، حين يتبين أن الغزو الحيوي ليس سوى مقدمة لتهجير السكان والاستيلاء على الأرض. عند هذه النقطة تتداخل الرمزية بالواقعية في نسيج واحد؛ فالبيت لم يعد بناءً ماديًا، بل صار وعاءً للذاكرة، ومستودعًا للعلاقات الإنسانية، وسجلًا حيًا لتاريخ العائلات.. ومن ثم فإن الدفاع عن البيوت يتحول إلى دفاع عن الهوية، وعن حق الإنسان في البقاء داخل المكان الذي صاغ وجدانه عبر الزمن.
وتمنح الرواية هذا المعنى بعدًا إنسانيًا واسعًا من خلال شخصياتها، التي لا تؤدي وظيفة درامية فحسب، بل تمثل منظومة من القيم الأخلاقية والاجتماعية. فالعم أبو عواد يجسد الذاكرة الجمعية والوفاء للأرض، والشيخ حسين يمثل الضمير الثقافي المقاوم الذي يدرك أن الكلمة الحرة لا تقل أثرًا عن الفعل، بينما يجسد صلاح قيمة البر والوفاء الأسري، وتتحول جدعة الخبازة إلى أيقونة للصمود اليومي، حيث يصبح الخبز نفسه رمزًا لاستمرار الحياة في وجه محاولات الإخضاع. أما الطفلة ياسمين فتقف في قلب الرواية بوصفها رمز المستقبل.. فهي الضحية الأولى لمحاولة تدجين البراءة، لكنها في الوقت نفسه تمثل إمكانية الخلاص حين تُستعاد الحقيقة قبل فوات الأوان.
أبرز مواطن القوة في الرواية قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى علامات رمزية نابضة بالدلالة. فشجرة الزيتون، والياسمين، ورائحة القهوة، والخبز الساخن، والساحة، والأزقة القديمة، جميعها لا تؤدي دورًا وصفيًا عابرًا، وإنما تتآزر لتكوين فضاء روحي يواجه السواد الزاحف. لذلك تبدو الأشياء البسيطة أكثر قدرة على المقاومة من أدوات القوة المادية، لأن الرواية تؤكد أن المجتمعات لا تُهزم ما دامت قادرة على حماية ذاكرتها الجماعية وشبكة علاقاتها الإنسانية.
وعلى المستوى الفني، يميل الأسلوب إلى لغة شعرية مشبعة بالاستعارات والصور البلاغية، حتى يكاد السرد يتحول أحيانًا إلى نشيد طويل للمكان. ورغم أن هذه الكثافة اللغوية تمنح النص نبرة جمالية عالية، فإنها لا تنفصل عن وظيفتها الدلالية، إذ تجعل المكان كائنًا حيًا يتنفس ويقاوم، وتمنح الشخصيات بعدًا ملحميًا ينسجم مع طبيعة الصراع الذي تخوضه.
رواية " الخنافس " تتجاوز حكاية غزو الحشرات إلى مساءلة مصير المجتمعات حين تتعرض لمحاولات الاقتلاع الممنهج. إنها رواية عن الذاكرة قبل أن تكون عن المكان، وعن الإنسان قبل أن تكون عن الأرض، وعن مقاومة تبدأ من التمسك بالقيم الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير. ومن خلال هذا البناء الرمزي المحكم، تنجح الكاتبة في تقديم نص يقرأ الواقع بعيون الأدب، ويمنح القارئ تجربة تتجاوز المتعة السردية إلى التأمل في أسئلة الهوية والانتماء والمصير.
* تقع الرواية في 128 صفحة من القطع المتوسط؛
* تحتوي على تسع قصص، مع ملاحظات وتعليقات بعض الزملاء من الكتاب والنقاد؛
* قدم للمجموعة الباحث والكاتب صباح كنجي؛
* صمم غلاف الرواية ونسقها واخرجها طارق الحلفي؛
* تمت طباعة المجموعة في مطبعة نحن نطبع " باكنانغ "/ المانيا.
***
طارق الحلفي








