روافد أدبية
رافد القاضي: اللَّيل وذكريات الغياب
اللَّيل يمتدُّ فوق الجراح
والسنون تدورُ كأنهار
لا تعرف التوقف
مثل شمعٍ يذوب
في ضوءٍ بعيد
بسكوتٍ محترق
على حافةِ العمر
والحزن يلاحقنا
كظِلٍّ لا يفارقنا
ينسج بين أطرافنا
خيوطَ الانتظار...
*
سنواتٌ مرت
فوق رؤوسنا
وأحلامنا معلقة
على خيوطِ الانتظار
والذكريات تتشابك
بين الأغصان
كريحٍ حارقة
كشجرةٍ عجَّ بها الزمن
تتلوّى جذورها
تحت الشمس الحارقة
والأمل المفقود
يحفر طريقه بصعوبة
بين الأطلال
والمدن التي رحلت
عنها ضحكاتنا
بيوتٌ مهجورة
تركنا خلفنا
فيها شظايا ذكرياتنا...
*
عشنا ندى الصباح متأملين
وجدنا السموم تتسلل
بين الأوراق اليابسة
وعودُ التين يبس
تحت أقدامنا
غدونا رمادًا
والصدى المنكسر
يحوم حولنا
مثل طيورٍ ضائعة
تبحث عن أعشاشها
والأنهار الجافة
تصرخ في صمت الغياب
والرياح تعيد
أسماء الأحبة
في كل منعطف...
*
كلُّ جسرٍ قطعناه
صار بلا طريق
كلُّ حلمٍ مشينا فيه
انتهى عند حدودٍ ممنوعة
كلُّ حسرةٍ اخترناها
كرمحٍ يغرز في صدورنا
والصوت الغائب يصرخ
في صحراء الانتظار
نلاحق الأمل
بعيونٍ جائعة للحنين
كأنَّ الزمن يحاول
أن يسرق كلَّ ابتسامة
ويحجب عنا
دفء الشمس
في منتصف النهار...
*
آه… قلبي كيفَ أنت؟
دخلنا الدرب وما عدنا
نعرف الطريق
قلبي أين أنتم؟
صرتم غائبين عن عيوني
وجعلتم روحي وحيدة
في صحراء الزمان
بعدكم تميل الدنيا
وأحلامنا عالقة
بين البكاء والمدن الصامتة
والطرقات التي كانت
تجمعنا صارت خالية
والأبواب التي نطرقها
لا تجيبنا إلا صدى صامت...
*
نحفر في الطين وجوهنا
نبكي بصمتٍ شديد
ولا يأتينا المبشّرون
الظلام يغطي النظر
والصوت يضيع بين الرمال
والليل يزداد طولًا بلا رحمة
والنجوم تتسلل خلسة
تراقب وحدتنا
والقمر يعكس وجوهنا
المتعبة على صفحات
المياه المتفرقة...
*
تعبت الروح من الصبر
ولا خيط يربطها بالمحبين
والذكريات الحنونة
غدونا غبارًا
والليل الطويل لا ينتهي
والشمس تعود لتشرق
على صحراء موحشة
والنخيل يهتز في صمت
والريح كأنه يبكي
على أيامنا المفقودة...
*
نسماتُ الهواء تهمس
بأسماء الغائبين
ورائحة المطر تعيدنا
إلى ما فقدناه
والشمس تغرب
على أفقٍ بلا حدود
كأنها تريد أن تأخذ
كل فرحنا
ونظل هنا نبحث
عن ظلٍّ في صحراء العمر
والذكريات الحية
والصمت الطويل
والقلوب التي تتلقى
الضربات بلا رحمة...
*
الله يكون معك
قلبي المكسور
لا أدري إن كنت
سأصل إلى الراحلين
ولا أدري إن كنت
سأحنّ إلى الأوفياء
ولكني أعلم
أن الليل لا ينتهي
وأننا رغم التراب
ورغم الصمت
نظل نحمل بين الضلوع
شعلةً من الأمل
والحلم الذي لا يموت
والشجر الذي ينبت
بين الصخور
يخبرنا أن الحياة مستمرة...
*
كلُّ دمعةٍ نذرفها
تصنع نهرًا صغيرًا
كلُّ صرخةٍ مكبوتة
تخلق صدى في الغياب
والأرض تحت أقدامنا
ترتجف من صمتنا
والرياح تهمس
بأسماء الماضي
ونظل هنا نزرع الأمل
في تراب الجراح
والحياة التي ترفض
أن تُقهر
والطيور التي تعود
لتبحث عن أعشاشها
والأنهار التي تحمل
بين مياهها أسرار الأيام...
*
الليل الطويل يعيد نفسه
والسنون المبتورة تلاحقنا
في كل زاوية
والحزن العميق يسكن
بين الضلوع
لكننا نستمر في المشي
نحمل بين أيدينا
نورًا صغيرًا
ونزرع في الأرض القاحلة
بذور الفرح القادم
ونظل نكتب أحلامنا
على الطين
ونقرأها في صمت
الليل الطويل
والمدن الصامتة تتذكر
خطواتنا في الأزقة
والجدران التي شهدت
ضحكاتنا البعيدة
والطرقات التي حملت
بين حجارتها
دموعنا وصراخنا...
*
نحن على حافة
الليل الطويل
نرفع أعيننا
إلى السماء البعيدة
ونرى النجوم تشهد صمتنا
والقمر يراقب خيباتنا
بصبرٍ لا ينفد...
*
قد تتبعثر الأمل والذكريات
وقد تذوب الأحلام
كالندى على أوراق الصباح
لكننا لن نستسلم
لن نغلق قلوبنا أمام الحياة
ولن نتوقف عن المشي
بين الرمال
نحمل بين الضلوع
شعلةً صغيرة
قد تبدو ضعيفة
لكنها نارٌ لا تنطفئ
ونبقى رغم الغياب
رغم الخسارات
رغم كل ما انهار حولنا...
فلتشهد الرياح على صبرنا
ولتسجل الأرض خطواتنا
في ترابها
ولتظل ذاكرتنا صامدة
تروي للأجيال القادمة
أن الألم كان
لكن الأمل كان أقوى
وأن الليل مهما طال
لا يستطيع أن يحجب
فجر الحياة
ولا يقتل الحلم فينا
فنظل نكتب ونحلم
ونزرع الحياة
في الأرض الجافة
ونُضيء الظلام
ونسمو فوق كل ألم…
إلى أفقٍ لا يحده
سوى إرادتنا...
***
د. رافد حميد فرج القاضي






