اليومُ، ينفصلُ عنّي كجزءٍ لم أعدْ أحتملهُ،
كأن الزمنَ.. فقدَ توازنَه عند عتبةِ غيابكِ.
أمّي..
باتت وشمًا يذوبُ في الريحِ والظلِّ والمطرِ،
أصبحت نغمةً في صمتِ الأشياءِ،
رمزًا يتكرر.. في كلّ الضوء المبتورِ،
وفي كلِّ الفراغ الذي يبتلعني.
وأنا.. بقيتُ ناقصًا بما يكفي
لأكتشفَ "الفراغ الذي يبتلعني".
هذا اليومُ.. لا يشبه نفسَهُ،
كأن الزمنَ نسي اسْمهُ عند بابكِ.. ورحلْ.
أحاول أن أستعيدكِ، من ترتيب الأشياءِ:
أضع الكرسيَّ في مكانهِ،
أفتح النافذة ببطءٍ،
أعيد للصباحِ طقوسَه…
لكنّ الصباحَ، لا يعترف بي.
أمّي.. لم تمُتْ،
بل صارت حكاية تُشبه كلّ الأشياءِ،
تقاوم اللغةَ، كلما اقتربتُ منها.. تبعثرتْ
كدُررٍ يتيمةٍ.. مِنْ معنًى.
أتساءلُ:
هل أنتِ الآن في جهةٍ لا تحتاج اسمي؟
هل تخلّصتِ من ثقل الأمومةِ، كما تتخلّص النار من دخانِها؟
في داخلي معبدٌ صغيرٌ.. سقطتْ أعمدتُه،
وتماثيلُ الطفولةِ تتكسّر ببطء،
ولا كاهنَ.. ليعيد ترتيب الخوفِ.
هذا اليومُ.. يمشي بلا ظلٍّ،
كأن الشمسَ، قررت أن تعاقبني.
أجلسُ.. أفكّك صوتكِ:
كان يبدأ ناعمًا، ثم يصعد.. كدرجٍ نحو الطمأنينة،
الآن؛ لا شيءَ يصعدُ.
أمّي.. كنتِ تفسّرين العالمَ
بإشارةٍ من يدك،
أما أنا، فأغرق في التفاصيل؛
كمن يبحث عن قاعٍ
ولا يصلْ.
ألمس الفراغَ.. فيتمددُ،
أناديكِ.. فيتسعُ،
أصمتُ.. فيزداد وضوحًا.
كأنكِ.. لم ترحلي وحدكِ،
أخذتِ معكِ
الطريقة التي كنتُ أفهم بها نفسي.
هذا اليومُ.. ليس حدادًا، بل اختلالٌ في المعنى،
انزلاقٌ خفيف.. يجعل كلّ شيء في غير مكانهِ.
حتى أنا، لم أعدْ في مكاني.
أمّي..
أيّ نصٍّ هذا الذي كتبكِ ثُم محاكِ؟
وأيّ لغةٍ تستطيع أن تعيدكِ دون أن تخونكِ؟
أحاول أن أومِنَ أنكِ لم تخْتفِ،
بل انتقلتِ إلى صيغةٍ أخرى للحضور،
لكنّ قلبي، لا يزال بدائيًا، يريدكِ كما كنتِ:
صوتًا ويدًا ونظرةً تُصلح هذا العالم.
في النهاية.. لا أجدكِ،
بل أجدني.. واقفًا في هذا اليوم
كناجٍ من غرقٍ قديم،
يحمل ماءه في داخلهِ.. ويمشِي.
***
بقلم الشاعرة: آمال بن الطاهر








