عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

روافد أدبية

رمزي ميركاني: سرّ؟!

ولدتُ في هذا الحي، وفيه دخلتُ المدرسة وكبرتُ؛ أبلغ من العمر الآن سبعة عشر عاماً. لنا جيرانٌ هما زوج وزوجة فقط، ليس لديهما أطفال. منذ أن وعيتُ على الدنيا، وهذان الزوجان يسكنان بيتاً صغيراً. "العم عثمان" رجلٌ غزا الشيبُ شعره فاختلط بياضه بسواده، تجاوز الأربعين من عمره، طويل القامة، حنطيّ البشرة، ونحيف البنية. أما زوجته "العمة شاناز"، التي تصغره ببضع سنوات، فكانت قصيرة القامة قليلاً، بيضاء مُشرَبة بالحُمرة، وعريضة المنكبين. يمتلك هذان الزوجان دكاناً صغيراً داخل منزلهما، يبيعان فيه المواد الغذائية والحاجيات البسيطة. لكن الغريب في الأمر، أننا لم نرهما يوماً يستقبلان ضيفاً، ولم نعلم أبداً أن أحداً قد زارهما أو تردد عليهما.

يقول والدي: قبل حوالي عشرين عاماً، جاء هذا الزوج والزوجة إلى الحي واشتريا ذلك المنزل، كانا آنذاك شابين في مقتبل العمر، لكننا لم نرَ أحداً يزورهم، ولم نعلم أنهما ذهبا يوماً لزيارة أقاربهما أو ذويهما. وكثيراً ما سألتُ أنا ورجال الحي العم عثمان عن سرّ ذلك، وكان يكتفي دائماً بالقول: إنه وزوجته شاناز وحيدان وليس لديهما أهل أو أقارب. وكانت العمة شاناز تكرر القول نفسه لنساء الحي. الشيء الوحيد الذي نعرفه عنهما هو أنهما أبناء عمومة، ومن أهالي إحدى القرى المحيطة بمدينة أربيل. أما سرّ اعتزالهما هذا، فقد كان مبعث دهشة وريبة لجميع أهل الزقاق والحي، لا سيما وأن الزوجين يظهران دائماً حزينين وواجمين، وكأنهما يحملان حملاً ثقيلاً على أكتافيهما وسراً كبيراً في قلبيهما.

ذات مساء، كنا جالسين حول المائدة نتناول وجبة العشاء، وفجأة، نهض أخي الصغير "هاوكار" -الذي أنهى طعامه على عجلة وخرج- ليعود فجأة وهو يرتطم بباب الفناء ويصرخ عالياً: أبي أبي.. أمي أمي، هل تعلمون ماذا حدث؟

- قال والدي: قل يا بني، أخبرنا ماذا جرى؟

- قال: أبي، لقد جاء ضيف لبيت العم عثمان، يشبه العم عثمان تماماً!

- قالت أمي: اذهب من هنا أيها الصبي ولا تكذب.

- قال: والله لا أكذب، أنا صادق، الرجل يشبه العم عثمان كثيراً، وأهالي الحي يتوافدون الآن واحداً تلو الآخر إلى بيت العم عثمان لرؤية الضيف.

أنهى والدي طعامه بسرعة، وارتشف الشاي، ثم توجه إلى بيت العم عثمان، وتبعناه نحن جميعاً. وعندما وصلنا، رأينا معظم أهل الحي هناك. كان ضيف بيت العم عثمان رجلاً نحيفاً يبلغ من العمر حوالي خمسين عاماً، وقد صدق هاوكار في قوله، فقد كان يشبه العم عثمان شبهاً كبيراً.

كان الناس ينظرون بلهفة شديدة إلى فم الرجل الضيف، متشوقين ليعرفوا من يكون؟ وما صلة قرابته بهما؟ ولماذا ظهر الآن بعد كل هذه السنين؟ كانوا يريدون منه أن يكشف لهم سر هذه الزيارة المتأخرة، ولماذا انقطع عنهما الأقارب طوال تلك السنين؟

عندما أدرك الرجل الضيف أن الجميع ينتظرون ما سينطق به، بدأ بالكلام وقال: "أنا الأخ الأكبر لعثمان، وشاناز هي ابنة عمي. قبل حوالي عقدين من الآن، كان عثمان وشاناز يحبان بعضهما، لكن عمي -وبسبب خلافات مع والدي على الأراضي الزراعية- لم يقبل بتزويج شاناز لعثمان. ورغم أن والدي ذهب إليه عدة مرات وقال له: (دعنا لا نقحم الأبناء في المشاكل التي بيننا ولا نجعلهم يحترقون بنارنا)، إلا أن عمي لم يلن قلبه ولم يتراجع عن رأيه، ولذلك اضطر أخي عثمان أن يأخذ شاناز ويهرب بها ليتزوجها. حينها أقسم عمي (يمين طلاق) بأنه لا يجوز لأحد من الأقارب والذوي زيارتهما. وأنا الذي أبحث عنهما منذ عدة أيام، جئت الآن لأن عمي قد وافته المنية قبل أسبوع، جئت لآخذ عثمان وشاناز معي إلى القرية وأجمعهما بأهلهما وأقاربهما من جديد".

***

رمزي ميركاني

 أربيل - كردستان العراق

....................

ملاحظة: كتبت هذه القصة القصيرة بتاريخ 2/9/2002 باللغة الكردية.

في نصوص اليوم