1. بوح البداية
ماذا يُنبئني العرّاف لِيومٍ كان مَلأهُ أَسَى،
وضجيجُ الشارعِ في الغربةِ يصفعُ ذاكرةً تتشبّثُ بما تبقّى من وطنٍ يتنفّسُ في الضلوع.
وطنٌ ضاعَ بين المنافي،
تبعثرَ في الوجوهِ الغريبة،
واختبأَ في رائحةِ الترابِ حين تُمطرُ الأرضُ أولى زفراتها في الشتاء.
ماذا يُنبئني العرّاف؟
ألعُمرٍ بدأَ يتهاوى بين الضفاف؟
أم لأملٍ أُنهِك من طولِ الانتظار؟
قال لي: رأيتُ فيك روحًا تائهة،
تبحثُ عن ملامحِ بيتٍ قديمٍ في مرايا المدن،
تُحادثُ صورًا باهتةً على جدرانِ الذاكرة،
وتسألُ الغيابَ: متى تعود؟
**
2. صدى الغربة
قلتُ له: تعبَت خطايَ من السؤال،
والطرقاتُ لا تفتحُ سوى أبوابٍ من وهم،
كلُّ الأوطانِ التي مررتُ بها تشبهُ وجهًا لا يشبهني،
وكلُّ الأصواتِ التي سمعتُها لم تُنادِني باسمي.
قال العرّاف:
رأيتُ وطنًا لا يُشبهُ الأرض،
يسكنُ في صدرك،
كلّما حاولتَ الهربَ منه عادَ إليكَ على هيئةِ حنين،
وكلّما ظننتَ أنك نسيته،
أيقظكَ في منتصفِ الليل بصوتِ أمٍّ تناديكَ من بعيد.
رأيتُ زمانًا يدورُ في فلكِ الحنين،
وقلبًا لا يزالُ يؤمنُ أن الغدَ يحملُ شيئًا من الربيع،
حتى لو احترقت حدائقُ العمر.
**
3. سؤال المصير
فقلتُ له:
يا عرّافَ الوجع،
هل ترى للغريبِ مرفأ؟
هل ترى للضياعِ طريقًا يعودُ إلى البداية؟
ابتسمَ وقال:
حينَ تَغفرُ لذاكرتِكَ،
حينَ تُسامحُ الحنينَ على قسوته،
وحينَ تُدركُ أن الوطنَ ليسَ مكانًا تُقيمُ فيه،
بل هو نَبضٌ يقيمُ فيكَ،
عندها فقط…
سيتوقفُ البحث،
ويبدأ الرجوع.
**
4. حكمة العرّاف
قال العرّاف بعد أن أطرقَ طويلاً:
يا ابنَ المسافةِ الطويلة،
لقد ظننتَ أن الغربةَ هي المكان،
لكنها في الحقيقةِ سكونٌ يسكنُ القلبَ حين ينسى أن له جذورًا في النور.
إن الوطنَ ليس حدودًا تُرسم على الورق،
بل ومضةُ يقينٍ حين تُدركُ أن روحكَ لم تُخلق من ترابٍ فحسب،
بل من حنينٍ إلى الأصلِ الأول، من نورٍ لا يُطفأ.
أتعرفُ ما قالَ لي الغيبُ عنك؟
قال: سيأتي يومٌ تدركُ فيه أن الطريقَ الذي أضناك لم يكن عبثًا،
وأن كلَّ ضياعٍ كانَ خيطًا في نسيجِ عودتكَ إلى نفسك،
فلا شيء يضيعُ عند من خلقَ الدربَ والغاية.
**
5. الرجوع إلى الذات
حينها ستجلسُ أمام نافذةِ الصمت،
وتنصتُ إلى همسِ الحياة وهي تقول:
لقد عدتَ،
لكن ليسَ إلى وطنٍ من تراب،
بل إلى وطنٍ من سلام،
حيث لا وجعَ، ولا لهفةَ، ولا انتظار.
ستعرفُ أن الأوطانَ الحقّة لا تُسكن، بل تُستحضر،
وأن الإنسانَ لا يُهاجرُ إلا ليعودَ إلى ما كانَ فيه منذُ البدء:
نورٌ يسيرُ في دربِ النور.
فابتسمتُ للعرّاف،
وسألتُه: أهذا هو اليقين؟
قال: بل هذا هو الرجوع.
ومن عادَ إلى ذاته،
فقد عادَ إلى الله،
وعادَ إلى الوطن.
***
نص نثري بقلم …
خليل ابراهيم الحلي
رئيس تحرير صحيفة العهد/ سدني








