اخترنا لكم

السيد ولد أباه: التراث الإسلامي وشروخ الهوية المصطنعة

في كتابه الجديد «عمق الحاضر: تاريخ الفكر»، يذهب الفيلسوف الفرنسي «رمي براغ» إلى أن الخطر الذي يتهدد الغرب المعاصر هو قطيعته مع جذوره اليونانية التي هي الخلفية الجوهرية «لخصوصياته» العقلانية.

بالنسبة لبراغ ما ميز العصر اليوناني الكلاسيكي هو الخروج من مرجعية الأسطورة في تفسير الأشياء الطبيعية وفهم الوجود من منطلقات عقلية محضة تفضي إلى حقيقة برهانية مشتركة بين العموم وقابلة للنقاش والدحض.

لا خلاف على هذه القراءة التاريخية للفكر اليوناني القديم، لكن الإشكال يبرز في مستوين: تحديد المجال الثقافي والحضاري اليوناني بربطه بأوروبا الحديثة التي هي مفهوم جديد يرجع إلى عصر النهضة، وإقصاء التقليد الإسلامي الكلاسيكي من الموروث العقلاني في تفاعله الحي والمكثف والمبكر مع الفكر اليوناني.

بخصوص الموضوع الأول، نحيل إلى أعمال المؤرخ المعروف بول فاين الذي بين فيها أن اليونان لم تكن «الأصل المقدس للغرب»، بل إن هذه المقولة ليست سوى سردية معاصرة ليس عليها دليل، فمن البديهي أن المجتمع اليوناني الكلاسيكي كان شديد الاختلاف عن الواقع الأوروبي من حيث التركيبة الدينية والأخلاقية وطبيعة النظام السياسي، وعلاقته كانت أساساً مع مصر وبلاد الرافدين.

ولسنا بحاجة إلى الرجوع للنصوص المحورية في الفكر اليوناني لندرك طبيعة هذه العلاقة، التي يكرسها المؤرخ الشهير هيرودوت في حديثه عن التأثير الديني المصري على المعتقدات اليونانية وفي ذكره لأوجه التداخل والتبادل بين المصريين واليونان حتى في المجال الفلسفي (سفر الحكيم صولون والفيلسوف فيثاغوروس إلى مصر)، كما أن أفلاطون بشير في عدد من محاوراته إلى هذا التأثير المصري.ثم لا بد من الإشارة هنا إلى أن الفلسفة اليونانية نشأت في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) خلال الحكم الفارسي لهذه المناطق التي ينحدر منها مؤسسو القول الفلسفي مثل طاليس وهرقليطس وانكسمندر..

وما يبينه مؤرخو الفلسفة هو أن العهد الروماني البيزنطي الذي ورث الحضارة اليونانية حارب الفكر الفلسفي من منظور ديني، إلى حد إغلاق الامبراطور جستنيان الأول آخر مدرسة فلسفية في أثينا سنة 529 ميلادية، وقد غادر فلاسفة تلك المدرسة مثل داماسكيوس (صاحب الشروح الهامة على أرسطو)، وهيرمياس وديوجونيس إلى البلاط الفارسي الساساني. وبعد إغلاق هذه المدرسة أصبح محور الفكر الفلسفي اليوناني في الإسكندرية (مركز الأفلاطونية المحدثة) وحران (مركز العلوم الرياضية والفلكية)، وإنطاكية (المنطق واللاهوت) والرها (جنوب شرق تركيا) والقسطنطينة...وعلى عكس التصور السائد حول تأخر دخول الفلسفة إلى التقليد العربي الإسلامي، يبين مروان راشد أن مفكري الإسلام الأوائل اكتشفوا الفلسفة اليونانية مبكراً وكان لها حضور قوي في نصوص المتكلمين المتقدمين الذين لم يروا فيها جسماً دخيلاً على الدين، بل هي داخلة في باب الحكمة المكملة للملة الصحيحة.

وبخصوص الموضوع الثاني، يبين الآن دي لابيرا صاحب الكتابات الرائدة في فلسفة العصور الأوربية الوسطى، أن المرجعية اليونانية للفكر الأوروبي الحديث مجرد وهم، ذلك أن العصر اللاتيني المتأخر لم ينفتح مباشرة على الفلسفة اليونانية، بل قرأها بعيون وتراجم عربية، إلى حد يمكن معه القول: إن الأوروبيين المحدثين تعلموا الفلسفة من العرب لا من اليونان. ولم يكن العرب مجرد مترجمين شارحين، بل انهم دشنوا إمكانات نظرية مختلفة عن الاهتمامات اليونانية مثل التمييز بين الماهية والوجود، وفكرة التجريد في علاقتها بالكلي التصوري، وإشكالية منزلة التفكير في الذات... وهي المسائل التي ستوجه لاحقاً مسار الفلسفة الأوربية الحديثة.

ليس من همنا إفاضة القول في هذه الاعتبارات التاريخية العلمية، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن خطاب الهوية الخصوصية الذي يسيطر حالياً على قطاع واسع من المفكرين الغربيين ومن كتابنا الذين استمرؤوا نقد المركزية الغربية، يقوم على وهم التمايز الجذري بين التقليد العربي الإسلامي والسياق الأوروبي.

لقد كان الغرض من احتكار الأصول اليونانية هو الفصل الراديكالي بين عالم الإسلام وعالم الغرب، وكان اختزال الفلسفة الإسلامية في نصوص معزولة لكتاب «منبوذين» الغرض منه القول بهشاشة وضعف الموروث العقلاني في تاريخ الفكر الإسلامي الكلاسيكي (بينما تؤكد المعطيات الموضوعية اتساع التأثير الفلسفي في التقليد الإسلامي الأوسع).

وحاصل الأمر أن فكرة الغرب نفسها ليست سوى وهم متخيل ومصطنع، والحقيقة التي لا مراء فيها هي التداخل الكثيف فكرياً وتاريخياً بين العالم العربي الإسلامي ومحيطه الواسع الذي هو قلبه ومحوره.

***

د. السيد ولد أباه - أكاديمي موريتاني

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 1 مارس 2026 23:45

في المثقف اليوم