عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

إبراهيم بورشاشن: بين القلمين الفلسفي والخطْبي

من حسنات أرسطو الكبرى على الفكر الفلسفي، وعلى الإنسانية جمعاء، أنه ميّز في الأورغانون- (مجموعة كتب أرسطو في المنطق)- بين أنواع مختلفة من الاستدلالات، جعل قطب رحاها الاستدلال البرهاني، وجعله معيار اليقين المطلق. ثم أتبعه بالاستدلال السّفسطي ثم الاستدلال الجدلي ثم الاستدلال الخطْبي ثم الاستدلال الشعري. ولم يخل التّقليد المنطقي من هذه الاستدلالات الخمسة، فضلاً عن الكتب الثلاثة الممهدات: المقولات والعبارة والقياس.

ومن هنا تعددت أنواع الأقلام الفلسفية من قلم برهاني إلى قلم سفسطي إلى قلم جدلي إلى قلم خطبي وأخيراً إلى قلم شعري، وقد يجمع الفيلسوف بين هذه الأنواع من الأقلام جميعها كما أبرز ذلك ابن رشد وهو يفحص فحصاً نقدياً كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي.

ولعل أكثر الأقلام تنافساً قلم أهل البرهان المنتمي إلى الفكر النظري وإشكالاته، وقلم أهل الخطابة والجدل المنتمي إلى المعتقد والسياسة، ولكلٍ ظرفه وموضعه وخصوصياته.

يتميّز القلم الفلسفي بكثير من التّواضع في البحث عن الحقيقة والتساؤل عنها، لأنّه قول تحاصره الإشكالات من كل جانب، إذ تجده لا يقتنع بقول حتى يداهمه قول بحجة أقوى، فيتنقل إلى تمحيصه. ثم إذا به أمام قول أقوى حجة. وهكذا هو في حيرة من أمره لا يكاد يستقر على رأي حتى يجد نفسه أمام مَعاول نقدية لا يستطيع لها دفعاً. ومحاورات أفلاطون خير شاهد على عمل القلم الفلسفي على لسان سقراط، فقد كان قلمَ شفاهٍ ولم يكن قلم مدادٍ. ثم إن القلم الفلسفي مهموم بالحفر لاختراع المفاهيم، وتاريخ القول الفلسفي هو تاريخ هذه العلامات المضيئة للفكر في مجاهل تاريخه، «فالأنا المفكر» لديكارت مثلاً، وما حام حوله من مفاهيم هو نتيجة معاناة فكرية وتجربة روحية قوية عاشها ديكارت، لأن قصده لم يكن إقناع الآخرين، بقدر ما كان وكْدُه حلّ إشكالات تركتها الثّورة الكبرينيكية كما صرح هو نفسه بذلك.

أما القلم الخطبي فهو قلم «الفرسان» من الباحثين الذين يحملون على عاتقهم أمانة اجتماعية خاصة في الدفاع عن ثوابت مدينتهم، وما اشتهر فيها من قيم سياسية وأخلاقية يرومون من وراء ذلك تقوية لُحْمة مجتمعاتهم، وجعلها سدًّا منيعا ضدّ من يعتبرونهم خصوما خطرين على هذه الوحدة، ويروْن فيهم تهديدا لهذه اللّحمة، فيكون لقلمهم صوْلة في هذا المجال، إقناعاً بفكرة جامعة، وتقويضاً لفكرة هادمة، وفضحاً لخصوم مفترضين.

أيّما القلمين اختار الباحث فلا تثريب عليه، إذا كان واعياً بمقاصده، وكان في نيّاته أبعد عن الأيديولوجيات السّيئة، فلا جرم أن القول البرهاني هو قلم العلماء والباحثين عن الحقيقة مساهمة في التّقدم الفكري للإنسانية، لأن القلم البرهاني هو قلم كوني، ومن هنا فهو لا يستقيم مع الأدْلَجة، أما القلم الخطبي، فهو قول محلّي، ومن هنا فالأدلجة قِطْميرُه، لذا فهو لا يسلم، مع غياب الحذر المنهجي، من شَططٍ أو غلوّ في القول، بل كثيرا ما تخالطه السّفسطة من هذه الجهة، وهو ما يجعله، في كثير من الأحيان، ليس أكثر من شهادة على الزّمان المعيش، يستفاد منها في التّأريخ للفكر والثقافة. وكثير من أقلام علماء الكلام وأقلام أهل الملل والنّحل نَحَتْ، في ثقافتنا، هذا النّحو.

 إن من حسنات هذا التّمييز وعي الباحث بمنطق الكتابة الذي يختاره لبسط القول، ووعيه كذلك بمنطق الكتابة الذي يسلكه منْ كتبَ، وهو وعي يجعل الفكر النّقدي في أجلى حضوره تمحيصاً، ونقداً، وتمييزاً بين قول يروم الحقيقة، وقول لا يعدو أن يكون إثباتاً للمشهورات والحِجاج عنها، أو قول يسلك طرق الإيهام والتّأثير الانفعالي ليس غير.

***

د. إبراهيم بورشاشن

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 23 يوليو 2026 23:30

في المثقف اليوم