اعتدت أن أذهب بين وقتٍ وآخر ولا سيما في فترة الصباح إلى مقهى يحمل اسم " مقهى أبو سراج" وهو مقهىً يمتد بشكل طولي بمحاذاة شط الحلة قريباً من أقدم وأعرق جسر في المدينة والذي اعتاد الحليون أن يطلقوا عليه تسمية " الجسر العتيق"، هذا الجسر الصغير الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة يقتصر دوره الآن على عبور المشاة ويعاني على الدوام زحاماً شديداً في الذهاب والإياب، وعلى جانبيه يحتشد خليطٌ غير متجانس من الباعة؛ هناك بائع أو بائعان للسمك يضع أحدهم
إناء كبير ثلاث أو أربع سمكات وهناك بائعو السنارات وخيوط الصيد ومستلزماته وكذلك بائعو مبيدات الحشرات وغيرهم،
وبحسب المعلومات المتوافرة لدينا عن هذه المقهى فإن مؤسسها السيد كاظم أبو سراج يعد من الشخصيات المرموقة والفاعلة في مدينة الحلة وهو رجل أعمال ناجح أيضا وقد استطاع في بداية عهد الجمهورية من استحصال موافقات من السلطات لإنشاء عدد كبير من الدور السكنية للموظفين الصغار في بغداد بكلفة منخفضة وبالتقسيط المريح ، إلا أن مشروعه الضخم هذا تعرض إلى نكسة مادية على إثر تعرض المواد الإنشائية للسرقة من مناطق تخزينها على يد بعض كبار الضباط الأمر الذي أدى إلى تعرضه إلى ضائقة مالية أرغمته على الإختباء والتواري عن الأنظار .
في وقت ما ولا سيما في زمن الحصار بوسعك أن تشاهد عند طرف الجسر القريب من المصرف أحد المستجدين المميزين الذي حجز لنفسه مكانا دائميا لا ينازعه عليه أحد سوى حملات موظفي البلدية وسوف تتوقف لبرهة من الوقت وأنت تستمع إليه وهو يلقي على مسامع الناس أشعارا لا يفقهون منها شيئا ولكنه اعتاد أن يكرر البيتين الشعريين التاليين:
أمانا أيها القمر المطلُّ
فمن جفتيك أسيافٌ تُسلّ
يزيد جمال وجهك كل يومٍ
ولي جسد يذوب ويضمحل
وعندما تتحرى عن هذا المتسول ستعرف أن اسمه رزاق وأنه كان فيما مضى موظفا في دائرة الري ولكن عجلات الزمن سحقته بلا هوادة.
ومن مهازل القدر الفظيعة أن يختار أزلام النظام هذا المقهى كمسرح حي لجريمة قطع اللسان بحق عدد من المواطنين الذين يثبت أنهم شتموا القائد الضرورة وقد تم بالفعل قطع ألسنتهم وسط ذهول وصدمة مرتادي المقهى وكان يوماً مشهوداً سيظل محفورا بالدم في ذاكرة من شهد هذه الواقعة المفزعة " واللافت أنهم جلبوا معهم مفرزة طبية لمعالجة تداعيات ذلك .
هذا الجسر سيرسّخ ثيمته بشكل نهائي شاعر الحلة موفق محمد بإحدى قصائده حيث قال؛
جسر الحلة / مكتئباً أسيان/ طالت لحيته وابيضّت/ فتعلّق فيها الصبيان !
علمتُ أيضاً أن عدداً من مثقفي المدينة يرتادون هذه المقهى، فذهبت إليها وهناك أتيح لي أن أتعرف على المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه الناقد ع . ع، والذي كنت معجباً بكتاباته النقدية التي ينشرها في كبريات الصحف العراقية، وكان قد شاع في الأوساط الثقافية العراقية أن كتابه عن الشاعر بدر شاكر السياب يعد من أهم وأفضل الكتب التي صدرت عن هذا الشاعر الذي ترك بصمة لا تُمحى في ميدان الشعر ، بيد أن الذي حببني إلى هذا الناقد بصفة خاصة أن اسلوبه كان واضحاً وإن تكن جمله قصيرة ومقتضبة إلا أنها منغّمة ومحملة بالمعاني العميقة، بعكس نقاد آخرين اعتادوا أن تأتي كتاباتهم النقدية متخمة بمصطلحات واستشهادات فجة مقتبسة من الكتابات النقدية المترجمة ربما ليس للكثير منها علاقة بما يتكلمون عنه، فهم والحال هذه لا يقدمون نقوداً للنصوص المعنية وإنما يستعرضون أنفسهم وثقافتهم المشوهة ليس إلا ، سيما وأن الناقد الحلي الشهير الدكتور علي جواد الطاهر كان أثنى على ناقدنا واعتبره واحداً من أنبه تلامذته وعقد عليه آمالاً كبارا في استكمال ما دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ....كان بدأه هو في مشوار النقد الأدبي، وبعد مرور وقت ليس بالقصير، استطعت أن أقترب من عالم الناقد المثير على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ..
***
احمد الحلي








