العقد الوردي عمل روائي نهل من حقل التاريخ القديم
* هو طبيب مختص وحاصل على ماجستير في التاريخ القديم، صدرت له مؤخرا رواية تاريخية بعنوان “العقد الوردي “ عن دار الأمينة للنشر والتوزيع بالقيروان ”، تتضمن أكثر من 750 صفحة مقسمة إلى جزئين. وهي نافذة تطل علاى ذاكرة لأمس، وتلامس عدة قضايا صالحة لكل زمكان، من قبيل الحب والقدر والوطن والدين، والذات، واحتفاء بهذه الباكورة الروائية كان لنا معه هذا الحوار:
أولاً: من أين جئت بـ (العقد الوردي)؟ ولماذا؟ وماذا تنتظر منها؟
- ربّما عديدة هي الأسباب والدّوافع التي أطلقت شرارة "العقد الوردي"، وأفضت إلى كتابة باكورة أعمالي الأدبيّة. فقد تشكّلت من لبنات تراكمت عبر سنوات مديدة، أُشبِعت ليس فقط بالمعارف المتخصّصة في ميدان التّاريخ القديم فقط، بل أيضا بتجارب إنسانيّة ملهمة أفضت إلى تساؤلات فلسفيّة مؤرّقة عن العاطفة. وليست أيّة "عاطفة"! إنّه العشق الذي يتجاوز الواقع إلى الخيال، ويتجاوز الخيال إلى المستحيل، فلا يحيطه مكان ولا يربطه زمان، ولا يتأثّر بالبعد ولا بالوصال، ولا بالموت ولا بالحياة، ولا بالقناعات ولا بالعقبات. إنّه العشق الرّوحي الخالص الذي عُبّر عنه في الرواية بعديد المصطلحات مثل "الحبّ الأبديّ" و"الرابط الأزليّ"، و"توأم الرّوح" و"الحبّ اللّامشروط"، وغيرها. ومن رَحِم تلك التّساؤلات التي تخصّ ماهيّته وكيفيّته ومفعوله وقدرته على جلب السّعادة والسّلام من عدمها عبر إخضاعه للتّجربة البشريّة، تمخّضت فكرة عمل سرديّ يتمحور حول هذا الصّنف من العاطفة. هذه الفكرة لم يكن لها أن تبصر النّور لولا الشّغف الكبير بالتّاريخ والرّغبة الدّاخليّة الملحّة للكتابة.
أمّا مصطلح "العقد الورديّ" بحدّ ذاته، تلك الهديّة المادّية التي أهداها العاشق "دراسو" إلى معشوقته "دوميتيا"، فهو رمز معنوي لكامل قصّة العشق، ليس فقط من خلال لون الحجارة التي تشّكله والذي يوحي بنقاء هذا الصّنف من الحبّ، بل أيضا من خلال شكل هذا القصّة المكوّنة من محطّات تشبه خرزات العقد. وهذا الرّمز كان من اختيار طرفيْ هذه القصّة العاطفية، حيث يعلّق بطل القصّة: "فحياتنا كهذا العقد"، فتجيبه حبيبته: "هذا رمز قصّتنا... عقد من الأحجار الورديّة…". والرّواية مليئة بالرموز!
رغبتي من الرّواية أن تُقرأ بطبيعة الحال، وأن تصل هذه التّجربة الإنسانيّة بكلّ أحاسيسها وأفكارها وصراعاتها لكلّ قارئ، وكأنّه هو من يعيش التّجربة بوجدانه، وأن يتفاعل مع القضايا الأخرى التي تطرحها القصّة كقضايا الوطن والعائلة والدّين والسّياسة. رجائي أن توقظ الرّواية في القارئ تلك التّساؤلات الفلسفيّة التي قامت عليها فكرة الرّواية، والتي يكتشفها مع كلّ طور من أطوار السّرد. ومن جهة أخرى، أرجو أن تقوم "العقد الوردي"، بكونها رواية تاريخيّة، بإشباع الفضول المعرفيّ عن تلك الحقبة.
وفي الأخير، لن أخفيَ طموحي بأن تلقى الرّواية انتشارا ورواجا في الوطن العربيّ، وكذلك خارج حدوده إذا تُرجمت إلى لغات أخرى، ولم لا تتجسّد في يوم من الأيّام إلى عمل دراميّ تلفزيونيّ أو سنيمائيّ.
ثانياً: نقرأ في المؤشر الأجناسي (رواية من التاريخ القديم)، فهل كتبت تاريخا، أم تخييلا روائيا؟
- نعم، كان مقصودا من العنوان الفرعيّ وضع الرّواية في خانة جنس الرّواية التّاريخيّة. فالعنوان الرّئيسيّ "العقد الورديّ" قد يوحي للمطّلع من الوهلة الأولى بانتماء الرّواية إلى عالم العاطفة وقصص العشق. لذلك أردت أن أجلب الانتباه إلى أنّها أيضا رواية تاريخيّة، من حقبة تاريخيّة محدّدة، وهو التّاريخ القديم (التّاريخ القرطاجيّ، التّاريخ الرّومانيّ...) وهي حقبة، حسب تقديري، لم تحض بالحضور والاهتمام في الأدب التونسيّ إلا نادرا. فالإشارة إلى هذا الجنس الأدبيّ وإلى الفترة قد تحفّز لدى الكثيرين الاهتمام وحبّ الاطّلاع. وإضافة العنوان الفرعيّ إلى العنوان الرئيسيّ "العقد الورديّ" إحالة بكونها قصّة عاطفيّة من فترة تاريخيّة قديمة. وهذا التّدقيق في أوّل أعمالي الأدبيّة، قد يحمل إشارة أيضا بأنّ الرّواية التّاريخيّة هو الحقل الأدبيّ الذي أختار أن أشتغل فيه، وربّما أختصّ فيه.
هذا التخصّص الأدبيّ القائم بالأساس على تخصّص معرفيّ بالتّاريخ، لا يجعل ممّا أكتبه بالضّرورة سردا تاريخيا فقط لغاية التّوثيق وكتابة التّاريخ. وهنا أعود إلى السّؤال "هل كتبتُ تاريخا، أم تخييلا روائيّا؟" فأجيبُ بأنّ "العقد الورديّ" بالأساس عمل روائيّ تخييليّ نهل من حقل التاريخ القديم الخصب، واستعمل التّاريخ مادّة خاما للسّرد والتخييل وبناء الحبكة والشّخصيّات.
ومن جهة أخرى، ورغم عدم انقطاع السّرد عن الدّقّة والأمانة التّاريخيّة، إلا أنّ التّخييل امتدّ أيضا إلى المادّة التّاريخية ذاتها. فقد استُغِلّت الأحداث التّاريخيّة الهامّة الواردة في السّرد لصنع حوارات وتفاعلات بين الشّخصيّات غابت تفاصيلها عن الوثيقة التّاريخيّة. فمثلا الحوار الذي دار بين ملك الوندال والبابا على أبواب روما لا نعلم له توثيقا، ففتح للخيال أبوابا عن فحوى المفاوضات ونوعيّة الحجج التي استُعملت، وعن تفاعل كلّ طرف مع الحدث ومجريات الحوار، بالرغم من أنّ النّتيجة معلومة مسبقا وهي نهب الوندال لروما. أحداث غيرها غابت عن الوثائق الصّفراء تفاصيلُها وجوانبُها الإنسانيّة، فأخذت حظها من التّخييل في هذه الرواية، كاجتماع قرطاج سنة 411م، وقرار حاكم قرطاج جلب الوندال، والغزو الوندالي لأفريكا، الخ... ينطبق هذا أيضا على شخصيّات تاريخية وردت في الرّواية مثل القدّيس أوغستينوس، وحاكم قرطاج بونيفاكيوس، وغيرهما. فاستُعمل السّرد والتّخييل لرسم جوانب ثريّة من هاته الشّخصيّات لم تذكرها المصادر. والأمر نفسه بالنسبة إلى الأماكن والمدن كقرطاج وتفرورة وهدرومتوم وغيرها.
ومع ذلك، لم أخلع كروائيّ عباءة المؤرّخ، ليس من جانب الدّقّة والأمانة فحسب، بل أيضا في جوانب أخرى مصاحبة للسّرد، كوضع التّفاسير والشّروح المصاحبة للقارئ بالحواش، ووضع الخرائط، وختم الرّواية بملحق تاريخيّ خاصّ بهذه الفترة التّاريخيّة.
لذلك فأنا لا أرى تعارضا بين هويّتي المؤرّخ والرّوائيّ، بل أجد في هذه الرّواية تفاعلا إيجابيّا بين التّأريخ والتّخييل.
ثالثاً: (العقد الوردي) متعة عبر السرد؟ أم أفق أرحب للنظر إلى الذات والزمن والإنسان؟
هو هذا وذاك، فأنا لا أجد التّقابل بينهما أكيدا، لأنّ الرّواية توفّر كليهما. فمن ناحية، سيكتشف القارئ قصّة عاطفيّة فريدة بحدّ ذاتها، التّشويق فيها مضمون، والتّرابط بين الأحداث سلس. وقد حرصت على التّمازج بين السّرد والوصف والحوار. وفي هذا السّياق خصّصت للحوارات مكانة هامّة ومجالا واسعا في النّصّ خاصّة بين طرفي الصّراع العاطفيّ، لأنّها وسيلة عميقة لفهم التّركيبة المعقّدة لكلّ شخصيّة، وطريقة مباشرة لإدراك أفكارها وقناعاتها. إضافة إلى ذلك تأثّث السّرد بنصوص "رسائل" متبادلة بين أهمّ الشّخصيّات وخاصة بين دراسو ودوميتيا، وأيضا بقصائد لإضفاء مزيد من الجماليّة والشّاعرية على الرّواية.
ومن ناحية أخرى، تحفّز الرّواية في القارئ التّفكير والنّظر إلى جملة القضايا التي تطرحها، وفي مقدّمتها قضيّة الصّراع العاطفيّ. وكما بيّنتُ في الإجابة الأولى، فإنّ الرّواية تعجّ بالقضايا الإنسانيّة، وبالصراعات الفكريّة. فنجد حضورا للصّراعات السّياسيّة بين الأحزاب في نطاق المدينة، وكذلك في نطاق أوسع بين الأمم. وبرزت بشكل قوي الصّراعات الدّينيّة بين المسيحيّة والوثنيّة، وبين أطياف المسيحيّة من كاثوليكيّة ودوناتيّة وأريوسيّة. ولعلّ الصّراع الفكريّ بين الدّين والفلسفة هو من أهم أساسات الصّراع العاطفيّ بين دراسو ودوميتيا. فالرّواية تغوص بالقارئ وجدانا وفكرا في عمق هذه القضايا التي تميّزت في تلك الفترة. وإضافة إلى ما يدور خارجيّا أو ثنائيّا بين البطلين، تمكّن الرواية بفضل راويها العليم من فهم الصّراع الباطنيّ لكلّ شخصيّة، وكيفيّة تطوّر الفكر الذّاتيّ بحسب أطوار ومراحل السّرد. وأعتبر هذا الخوض في أعماق الذّات تجربة هامة لفهم تعقيد تركيبة الإنسان النّفسيّة والفكريّة والوجدانيّة والإيمانيّة، ولفهم التّناقضات التي تمرّ بها الذّات أمام ما يدور حولها.
رابعاً: دخلت الزمن البعيد، فهل يمكن رؤية هذا الماضي من نافذة حاضرنا؟
- وهو ذلك، بل يمكن أن يكون الماضي كذلك نافذة لحاضرنا، لأنّ القضايا التي تعالجها الرّواية ليست حكرا على ذلك الماضي البعيد. فقضية "العاطفة" و"الصّراع العاطفيّ" قضيّة وجدانيّة إنسانيّة بالأساس، والتّجربة التي مرّ بها البطلان قد تحصل في حاضرنا وفي مختلف الأزمنة. وليس هذا فقط، فقضايا الصّراعات الدّينيّة والسّياسيّة، والحروب والاحتلال، والنّضال ضدّ المحتلّ لازالت تؤثّث الأخبار اليوميّة الواردة من أصقاع المعمورة. وفي وضعيّات تبدو أقل حدّة وعنفا، فالاغتراب طلبا للعلم أو العمل بكلّ مفارقاته وضعيّة تظلّ مألوفة في واقعنا الحاليّ، والنّزاعات القضائيّة والطّبقيّة الاجتماعيّة والتّمايز العرقيّ والتّدرّج في السّلّم الاجتماعيّ لا تزال قضايا معاصرة حارقة. والأمر نفسه بالنّسبة إلى نضال المرأة في العائلة والمجتمع. فليست الرّواية إذن مرآة عاكسة فقط لقضايا الانسان المعاصر على الماضي، بل تمنحنا أيضا فرصة لإعادة النّظر في قضايانا المعاصرة وفي حاضرنا بمنظور مختلف.
خامساً: يرى واسيني أن (رهان كاتب الرواية التاريخية السيطرة على مواصفات شخصياته التاريخية والاقتراب منها بشكل أعمق يتجاوز المظاهر الخارجية، ) ما رأيك؟
- قبل الخوض في هذه المقولة، لابدّ من تدقيق أمر يخصّ شخصيّات رواية "العقد الورديّ". فهي تجمع عددا كبيرا من الشّخصيات يفوق مجموعها 150 شخصيّة، مقسّمة بين شخصيّات تاريخيّة موثّقة، وشخصيّات متخيّلة. وقد تمّ اختيار أسماء الشّخصيات المتخيّلة، ومنهم البطلان دراسو ودوميتيا، بعناية بحسب المجال الجغرافيّ والعرق والثّقافة، بشكل يعكس تنوّع المجتمع البشريّ في تلك الفترة.
أمّا الشخصيات التّاريخيّة فهي إمّا مذكورة عرضا أو مشاركة بشكل فعّال في الأحداث. ونجد من ضمنهم رجال الدّين، والسّياسة والقادة العسكريّين وغيرهم. لكنّنا سنكتشف في الرّواية بعضا ممّن كان حضوره بارزا مثل القدّيس أوغستينوس وحاكم قرطاج بونيفاكيوس وملك الوندال ڤايساريكس.
وكما بينتُ في الإجابة على السّؤال الثاني، فإنّ التّخييل مكّن من رسم جوانب أخرى من هاته الشّخصيات لم تذكرها المصادر، بل فتحت بابا للتّأويل بحسب ما تقتضيه المواقف والأحداث. وأجد هذا التّأويل مقيّدا كلّما كانت الشّخصية مشهورة والمعلومات عنها وفيرة. فشخصيّة عالمية ومؤثّرة في الدّين المسيحيّ كأوغستينوس وأُلّفت عنها وعن أفكارها الكتب والدّراسات، بقيت حاضرة في الرّواية بهالتها الدّينية المؤثّرة، وبفكرها المنتصر لمذهبها، وبخطابها البليغ. فكان التّأويل متاحا في بعض الجوانب الإنسانيّة التي كانت غامضة أو صامتة في المصادر، وكذلك في المواقف الجانبيّة التي اقتضتها وضعيّتها السّرديّة. أمّا الشّخصيّات الأقلّ شهرة والتي لم تتوفّر حولها الوثائق، فقد كانت لها مساحة تخييل أوفر تتماشى مع التصوّر الذي وُضعت فيه، ولكن دون أن تكون حريّة التّخييل مطلقة، فتقفد تلك الشّخصيّة مواصفاتها الخارجيّة أو صورتها المعروفة.
وهنا أعود لمقولة واسيني وأوافقه، لكن حسب رأيي بضوابط تتماشى مع حجم مساحة التّأويل الذي تسمح له كلّ شخصيّة، وكما يقتضيه السّرد.
سادسا في زمن يروم السرعة والوجازة، اخترت 750 صفحة ورواية في جزأين، ما الحكاية؟
صراحة أنا أيضا تفاجأت من حجم الرّواية خاصّة في مرحلة الطّباعة، لأنّ الغوص في السّرد بكلّ الجوارح في مرحلة الكتابة لا يسمح موضوعيّا بالحكم على الطّول. وأعتبر أنّ الرّواية أخذت حقّها من السّرد، دون تعمّد في الإطالة. فقصّة العشق بحدّ ذاتها امتدّت أطوارها ومحطّاتها على مدى نصف قرن من الزّمان، مستهلكة بذلك عمرا كاملا من حياة البطلين. والأحداث التّاريخيّة التي شهدتها تلك الفترة تمّ تناولها كما تقتضيه، تماشيا مع مراحل السّرد. فرواية "العقد الورديّ" اقتضت ذلك الحجم، ولا أرى في الوجازة ميزة مطلقة، ولا في الطّول عيبا بحدّ ذاته، لأنّ الأهمّ هو المحتوى وقيمته.
أمّا طباعتها في جزءين فهي لسبب تقنيّ، لأنّه كان من الصّعب طباعتها في كتاب واحد بتقنيّات الطّباعة الموجودة حاليا. ومن هنا جاء القرار تقسيمها على جزءين، لا ينفكّ كلّ جزء منهما عن الآخر، بل لا تكتمل الرواية إلا بجزءيها. فالجزء الأوّل متكوّن من خمس خرزات، والجزء الثّاني يبتدئ من الخرزة السّادسة إلى الخرزة الحادية عشرة.
سابعاً: كم من الوقت استغرقته في كتابة «العقد الوردي»، وجمع المادّة الخاصّة بها؟
- كما بينت من السّؤال الأوّل، فقد نضجت الفكرة في ذهني على مدى سنوات، أمّا الكتابة بحدّ ذاتها وما تتطلّبه من جمع المّادة الخاصّة بها من وثائق تاريخيّة ومراجع، وتدقيقٍ لغويّ وزمنيّ، وتعمّقٍ في الفلسفات وفي الدّيانة المسيحيّة، فقد استغرقت سنتين بما فيها مرحلة المراجعة.
ثامناً: ماذا لو قلت لك أن مفاتيح الرواية هي: السياسة، التعصب الديني، العنف، والحب؟
- نعم أوافقك هذا الاختيار، فالسّياسة تطغى في الرّواية وأحداثها مؤثّرة في السّرد وفي أطوار القصّة، خاصّة وأنّها تمثّل فترة انتقالية بين سقوط الحكم الرومانيّ، ونشأة مملكة الوندال. وعديدة هي النّقاشات السّياسية التي تناولها السّرد بين رجال السّلطة، وبين الحكّام وقادتهم العسكريّين، أو حتّى داخل المجلس البلديّ. فالإطار السياسيّ هو الذي يعكس ذلك الزّمان ويسطّر أحداثه الرّئيسيّة. وبالنّسبة إلى "التّعصّب الدّينيّ" فإنّي أحبّذ "القناعات الدّينيّة" للتّعبير عن حضور الدّين في الرّواية، ليس من باب عدم وجود "تعصّب دينيّ" بل بكون القناعة الدّينية فكرة أشمل. فالاقتناع الشّديد بفكر دينيّ ما يؤدّي إلى التّمسّك به، ورفض ما يخالفه، وسعي إلى إقناع الغير إمّا فكريا أو ممارسةً، وإمّا سلميّا أو بالقمع. ونرى في الرّواية تأثير القناعة الدّينيّة على الشّخص والجماعة. فتدخلت في العلاقة العاطفيّة بين دراسو ودوميتيا، وأثّرت في العلاقات الاجتماعيّة، وفي سياسة الدّولة وبين الأمم. ولكن من ناحية أخرى، نجد في الرّواية "رحلة إيمانيّة" عاشها البطلان روحانيّا وفكريّا بشكل مختلف، بسبب تأثير العاطفة بحد ذاتها على القناعة الدّينية. أمّا العنف أو الصّراعات فهي ميزة تلك الفترة، وحصيلة الاختلافات السياسيّة والدّينيّة والاجتماعيّة. وقد اتخذت أشكالا مختلفة في الرّواية كالقمع السّياسيّ، والاضطهاد الدّينيّ والحروب والغزوات، وانعكس على الصّراع العاطفيّ بين دراسو ودوميتيا. وفي الأخير، يبقى الحبّ من أهم مفاتيح "العقد الورديّ"، بل هو القضيّة الرّئيسيّة التي تتمحور حولها كلّ القضايا والأحداث والتّفاعلات، مثلما كان الفكرة الأساسيّة التي انبثقت منها فكرة الرّواية. ولو أمكن لي إضافة مفتاح آخر، لاقترحتُ "القدر"، لأنّ الرّواية تطرح قضيّة تدخّل القدر بتقلباته غير المتوقّعة في توجيه مسار الشّخص والحكاية، وتطرح تساؤلات فلسفيّة عن علاقة الإرادة بالقدر.
تاسعاً: هل من احتفاء نقدي بـ(العقد الوردي)؟
- نعم تمّ الاحتفاء بالرّواية في مناسبات عديدة منذ إصدارها. فقد حظي "العقد الوردي" بتقديم قيّم تصدّر الرّواية، من قبل الأستاذة الجامعيّة المتخصّصة الدكتورة دليلة شقرون، التي شاركت كذلك بمحاضرة نقديّة في حفل توقيع للرواية، نظّمته المندوبيّة الجهويّة للشّؤون الثّقافيّة بصفاقس في شهر مارس 2026. وقد مثّلت الرّواية أيضا، مباشرة إثر إصدارها، محور نقاش نقديّ وفكريّ نظّمته جمعيّة القيروان الثّقافيّة، بمناسبة الدّورة الثّانية لمعرض القيروان للكتاب، في شهر نوفمبر 2025، وشارك فيه عدد من النّقّاد. أمّا إعلاميّا، فقد وقعت دعوتي مرّات عديدة في برامج إذاعيّة لتقديم الرّواية ولمناقشة محتواها (إذاعة الدّيوان، جوهرة، إذاعة تونس الثّقافيّة).
عاشراً: هل من نميمة بيضاء حول عملك الروائي القادم؟
- فتحت لي رواية العقد الوردي الآفاق، لمواصلة الكتابة في هذا الصّنف من الرّواية وهي الرّواية التّاريخيّة. وقد أتممتُ بالفعل عملا روائيّا جديدا لا يبتعد تاريخيّا عن زمن "العقد الورديّ"، وهو بعنوان "جيليمر الونداليّ الأخير" وستصدر قريبا بإذن الله.
***
حاوره عبد الله المتقي








