عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدارات حوارية

المثقف تحاور الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي في مدارات حوارية (8)

خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والأخيرة، مع الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي، ضمن مدارات حوارية، وحوار شامل أجراه معها الأستاذ مراد غريبي، حول تجربتها الإبداعية وأعمالها الأدبية وآفاقها الفكرية، فأهلاً وسهلاً بهما:

***

س40: أ. مراد غريبي: لو كان عليك أن تختصري في جملة واحدة ما تعلّمتِه من رحلتك مع الكتابة/الفكر، وأنتِ تستعدين لطيّ صفحة هذا الحوار، فبِمَ تنصحين القارئ أن يحتفظ من كل ما قلناه؟

ج40: أ. سعاد الراعي: أستطيع ان أقول ان كل ما ورد في الحوار يلخص فكرة واحدة:

ألّا يموت أحدنا مرتين، مرة في الجسد، ومرة في الصفحة الفارغة التي كان يمكن أن تحمل اسمه." وما بين هاتين المرتين مسافة عمر كامل.

***

س41: أ. مراد غريبي: بعد هذه المحطات الطويلة التي مررنا بها معكِ في هذا الحوار، أين تجدين نفسكِ الآن؟ هل ثمة مشروع جديد، أو سؤال ما زال يقلقكِ ولم تجدي له جوابًا حتى الساعة؟

ج41: أ. سعاد الراعي: أجدني الآن حيث كنت دائمًا أخشى أن أكون: بين مشروع لم أُتمّه وينتظر بصبر، وآخر بدأ يفرض نفسه عليّ قبل أن أستأذنه. أقف في منتصف الطريق. ويبقى يقيني باني سوف لن أنتهِ من كتابة نفسي يومًا، وكل عمل انجزه ليس ختمة، بل محطة أستريح فيها قليلًا قبل أن أتابع السؤال الذي لم يكتمل.

***

س42: أ. مراد غريبي: هذا الحوار رأى النور على صفحات المثقف، تحت إشراف رئيس تحريرها الاستاذ ماجد الغرباوي، كيف تصفين تجربتكِ مع هذا الفضاء التحريري بالذات، نشرُا وحوارًا، وما الذي مثّلته لكِ المثقف في احتضان هذا الحوار وفتح صفحاتها له، مقارنة بمنابر أخرى نشرتِ فيها؟

ج42: أ. سعاد الراعي: لصحيفة "المثقف" حضورٌ نوعيّ بالنسبة لي، راكمته منذ نشأتها في رحم المهجر، إذ جمعت بين وجع الداخل العربي ووجع المنافي، من دون أن تنحاز إلى أحدهما.

وعلى عكس منصات كثيرة، حافظت "المثقف" على مسافة نقدية أصيلة، وفتحت صفحاتها للصوت المبتدئ كما للاسم الراسخ، من دون وصاية أيديولوجية.

فالنشر فيها لم ينتهِ عند لحظة الضغط على زر النشر، وإنما تحوّل إلى شراكة تفتح أفق الحوار، وتمنح التجربة الأدبية فرصة المساءلة النقدية لا العرض فحسب، حتى في حقل التعليقات الذي صار مرآةً يرى فيها الكاتب نفسه في عين القارئ.

وهذا الفارق بالذات، بين منصة تُعامل النص كمنتج نهائي وأخرى تُعامله كنقطة انطلاق، هو ما يجعل من "المثقف" حالةً استثنائية لا عابرة.

وما يلفت الانتباه في تجربة الأستاذ ماجد الغرباوي، إضافة إلى تأسيسه لمؤسسة صحفية صمدت أكثر من عقدين، قدرته على تحويل مشروعه الفكري الشخصي، القائم على مساءلة الموروث الديني بأدوات العقلانية النقدية، إلى بنية مؤسسية جامعة تتّسع لأصوات متعددة من دون أن تفقد هويتها الفكرية الواضحة. وهذا توازن إداري نادر: أن تحافظ المؤسسة على انفتاحها التعددي، وأن تظل في الوقت ذاته وفية لمشروع تأسيسي محدد الملامح، هو مشروع بناء خطاب ديني جديد، لا ترميم الخطاب القديم بمصطلحات مستحدثة.

أما هذا الحوار، فلم يكتفِ بمساءلة التجربة الأدبية، بل غاص في مناطق لم أكن لأتحدث عنها بسهولة. وهذا يعني أن تفتح "المثقف" مساحتها لهذا القدر من الصراحة والكشف، هو ما جعلني أشعر أن هذا الحوار وُلد في المكان الصحيح: منصة لا تخشى الأسئلة الثقيلة، ولا تطلب من ضيفها أن يكتفي بالنصف المريح من حكايته.

***

س43: أ. مراد غريبي: فرضا الأستاذة سعاد، لو للحظة واحدة، بعيدا عن صفة الكاتبة والأديبة، وسألتك عن الإنسانة التي تسكن خلف كل هذه الإجابات، فما الشيء الصغير والبسيط، بعيدًا عن عالم الكتابة والأدب، الذي يمنحك بهجة حقيقية في أيامك العادية؟

ج43: أ. سعاد الراعي: سماع ضحكة حفيدي وهو يحاول أن ينطق كلمة "الجدة" كل مرة بطريقة مختلفة وانا اعد الغذاء احتفاء باجتماعنا في نهاية الاسبوع.

لا شيء في هذا يستحق أن يُكتب عنه فصل، لكنه الشيء الوحيد الذي يجعلني أنسى، أني كاتبة لها كل هذه الأسئلة المعلّقة، وان احتضن انسانيتي باحتضاني لأفراد عائلتي.

***

س44: أ. مراد غريبي: وأخيرًا، لو أردتِ أن تتركي كلمة أخيرة لقارئ هذا الحوار، شخصًا لا تعرفينه، لكنه سيلتقي بكِ عبر هذه السطور بعد سنوات، فماذا تقولين له؟

ج44: أ. سعاد الراعي: لا أعرف من أنت، ولا أعرف إن كنتُ سأكون موجودة حين تقرأ هذه السطور. لكني أعرف شيئًا واحدًا:

أنك الآن تحمل في يدك من خلال هذا الحوار بعض العناوين والاحداث بشخوصها، وبكل ما تعنيه. والتي حاولتُ أن أقول من خلالها شيئًا انسانيا صادقًا. وان أحافظ عليها كي لا تموت مرتين....

لا أطلب منك أن تتذكرني، بل أن تتذكرها بأشخاصها. وإن نسيت كل كلمة قلتها في هذا الحوار، فلتبقَ معك جملة واحدة:

أن تسمية الألم لا تُنهيه، لكنها تمنعه من أن يمرّ بلا أثر.

**

س45: أ. مراد غريبي: وها نحن على اعتاب ختام هذه الرحلة الحوارية الثرية، التي كانت مشغولة بالوعي واليقظة والإنسانية في أبهى تجلياتها.

ولا يسعني، في هذا المنعطف الأخير، إلا أن أعترف بأنني تشرّفت أن مُنحت هذه الفرصة النادرة لمحاورتكِ- على أمل أن لا تكون الأخيرة-، وأن أتوقف لأعبّر لكِ عن عميق شكري وتقديري: على صراحتكِ التي لم تساوم، وعلى بلاغتكِ التي حملت كل سؤال إلى ضفاف أرحب من التأمل، وعلى دقة أجوبتكِ التي أضاءت زوايا ظننتها مطروقة فتبيّن أنها لا تزال بكرًا، وعلى تواضعكِ الكبير الذي لم يقلّ إشراقًا عن عطائكِ، وعلى أخلاقكِ الراقية التي جعلت من هذا الحوار مساحة إنسانية نبيلة بقدر ما كانت فكرية عميقة.

أستاذتنا الفاضلة الأديبة المبدعة سعاد الراعي، سؤالي الأخير الذي أطرحه بكل امتنان: ما الذي تودّين أن تعبرين به لنا، كلمة ختام تُكلّل بها هذه الرحلة الحوارية الخلّاقة؛ رسالة أو ومضة وعي تبقى معنا بعد أن تُطفأ الأضواء وتُطوى صفحات هذا الحوار؟

في ختام هذا الحوار، لا يسعني إلا أن أُزجي أسمى آيات الشكر والتقدير إلى صحيفة المثقف الغراء، هذا المنبر الذي ظل، على مدى سنين، فضاءً رحباً للكلمة والفكر النقدي الأصيل.

كما أتوجه بخالص الامتنان إلى مديرها الفاضل المفكر ماجد الغرباوي، وإلى هيئة تحريرها الكريمة، على ما يبذلونه من جهدٍ دؤوب في صون هذه المساحة وترسيخها منارةً للثقافة العربية.

واجدد شكري لك أستاذ مراد لجهودك في إدارة هذا الحوار بحرفية جعلته يعبر الى ذائقة القراء والنقاد ومشاركتهم به واخص بالشكر هنا الأستاذين القديرين جمال مصطفى وجمعة عبد الله لتفاعلهما القيم والمتواصل ولكل من ساهم في المتابعة والتعليق من الزملاء الآخرين وهذا ما جعل الحوار كائن حي يتنفس، لا نصًا جامدًا يُستهلك بمجرد قراءته.

لكم، جميعاً، أن تفخروا بما أنجزتموه وما زلتم تنجزونه، ولي أن أُكِنّ لكم، مودة ووفاءً لا تخذله الأيام..

(انتهى)

***

حاورها: الأستاذ مراد غريبي - المثقف

في المثقف اليوم