عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سناء البياتي: معايير نظرية الصفر اللغوي بوصفها نظرية لسانية

المقدمة: تُعرَف قيمة النظرية العلمية في أي حقل معرفي بما تقدمه من تصور منظم لمشكلة محددة، وبما تتوصل إليه من مفاهيم ومبادئ وعلاقات قادرة على تفسير الظواهر التي تدخل في مجالها، ثم باختبار قدرتها على التطبيق في معطيات جديدة. ومن هنا فإن إطلاق وصف «نظرية» على تصور علمي لا ينبغي أن يكون حكمًا انطباعيًا، ولا أن يتوقف على شيوع المصطلح أو حداثة الفكرة، وإنما ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية يمكن من خلالها فحص بنية ذلك التصور ومكوناته ووظيفته التفسيرية.

وتزداد أهمية هذه المسألة في الدراسات اللسانية؛ لأن تاريخ علم اللغة الحديث يقوم في جانب أساسي منه على تعدد النظريات التي حاولت تفسير طبيعة اللغة، ونظامها، وعلاقتها بالعقل، وآليّات إنتاجها وفهمها. وقد اختلفت هذه النظريات في منطلقاتها ومفاهيمها ومناهجها ونتائجها، من البنيوية إلى الاتجاهات التوليدية والتحويلية، ثم الاتجاهات العرفانية وغيرها، من غير أن يكون اختلافها في تفسير الظاهرة اللغوية سببًا في نفي صفة «النظرية» عن بعضها. فوجود الاختلاف بين النظريات أمر ملازم لتطور المعرفة العلمية، كما أن النظرية لا تُشترط صحتها المطلقة لكي تُصنَّف نظرية؛ وإنما يُنظر أولًا إلى مدى امتلاكها بناءً علميًا متكاملًا يحدد موضوعه ومفاهيمه ومبادئه وعلاقاته ومجال تطبيقه.

ومن هذا المنطلق، يمكن توجيه دعوة إلى من يشكك في انطباق صفة النظرية اللسانية على نظرية الصفر اللغوي إلى بيان الأسس العلمية التي يستند إليها هذا التشكيك؛ إذ إن الاختلاف في تقويم أي تصور نظري أمر مشروع في البحث العلمي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بنظرية جديدة، غير أن مناقشة الصفة النظرية ذاتها تقتضي تحديد المعايير التي يُحتكم إليها، وبيان أيٍّ منها يرى الناقد أن النظرية لم تستوفه، مع توضيح مسوغات ذلك. أما الاكتفاء بالتشكيك في كونها نظرية، من غير تحديد المقوم النظري الذي يُرى أنه غير متحقق فيها، فيبقي هذا التشكيك في حاجة إلى مزيد من التحديد والتعليل حتى يتحول إلى اعتراض علمي يمكن فحصه ومناقشته.

والرجوع إلى كتاب »نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية « يكشف أن صاحبة النظرية لم تقدم مجموعة من الآراء المتفرقة في النحو أو اللغة، وإنما قدمت تصورًا متكاملًا حددت له موضوعًا ومنطلقات ومفاهيم ومبادئ وقواعد وآليّة عمل، ثم عرضت علاقته بالنظريات اللسانية الحديثة، واختبرته في لغات متعددة، وناقشت تطبيقاته في العربية، كما تناولت امتداداته في الترجمة وبعض مجالات اللسانيات التطبيقية. ويظهر ذلك في تنظيم الكتاب نفسه؛ فقد خصص القسم الأول للأسس والمنطلقات، متضمنًا «نظام مرحلة الصفر في الدماغ»، و«نظرية الصفر للنحو الكلي»، و«قواعد النحو الكلي»، و«اختبار النظام على لغات متعددة»، و«القواعد المشتركة والقواعد الخاصة»، فضلًا عن مقارنته بالنظريات اللسانية الحديثة والنظرية التوليدية التحويلية، ثم خصص القسم الثاني للتأصيل والمبادئ والتطبيقات والفوائد.

وتقوم الفكرة المركزية في النظرية على أن إنتاج الجملة يتم وفق نظام مستقر في الذهن، وهولا يبدأ من الكلمات المعزولة ثم ينتهي إلى تركيب الجملة، وإنما يبدأ من المعنى العام للفكرة بوصفها كلًا، ثم ينتقل إلى معاني الأجزاء والعلاقات التي تربط بينها، ثم إلى اختيار الدوال اللغوية المناسبة لهذه المدلولات. وبذلك تجعل النظرية «مرحلة الصفر» مرحلة ذهنية سابقة على تحقق الجملة في صورتها الملفوظة أو المكتوبة، وترى أن هذه المرحلة هي موضع تنظيم العلاقات التي تقوم عليها الجملة. وقد صرحت النظرية بأن موضوع الصفر اللغوي يدخل في مجال الدراسات اللسانية العرفانية من حيث بحثه في نظام عمل الدماغ لإنتاج الجمل، وفي مجال اللسانيات التطبيقية من حيث تطبيقه في اللغات، ولا سيما العربية.

ولا تقف النظرية عند افتراض وجود مرحلة ذهنية سابقة على الجملة، بل تحدد لهذه المرحلة آليّة ذات خطوات مترابطة: تحديد المعنى العام للفكرة، ثم تحديد المعاني النحوية الرابطة بين مدلولات أجزائها، ثم اختيار الدوال المناسبة لمدلولاتها من المعجم الذهني. وقد حددت النظرية أربعة مرتكزات من معاني النحو الرئيسة التي ترى أنها تمثل الروابط الكبرى بين أجزاء الجملة، وهي: الإسناد، والتخصيص، والإضافة، والتوضيح، وجعلت الإسناد الرابط الرئيس الذي تتعلق به الروابط الأخرى في التنظيم الهرمي للجملة. وأكدت النظرية أن القواعد الرئيسة لا تتغير أو تختلف باختلاف الأساليب والمقاصد.

وهنا تنتقل المسألة من مجرد تسمية إلى بناء نظري قابل للفحص؛ إذ إن النظرية تقدم تصورًا لموضوع محدد، وتضع مفاهيم خاصة به، وتربط هذه المفاهيم في نظام، وتستخلص منها قواعد عامة، ثم تقدم تطبيقات واختبارات تتجاوز الجملة العربية المفردة إلى اللغات المختلفة، وتناقش علاقة هذا النظام بما هو مشترك بين اللغات وما هو خاص بكل لغة. وقد أكدت النظرية أن اللغات تشترك في القواعد الرئيسة والاختلاف يكمن  في إدارة كل قوم لهذه القواعد مما ينجم عنه قواعد خاصة بكل لغة . 

كما أن النظرية لم تقدم نفسها بمعزل عن تاريخ الفكر اللغوي، بل صرحت بأن أية نظرية لا تنشأ من فراغ، وإنما تقوم على تراكم معرفي يتيح الانتقال إلى رؤية جديدة للموضوع، وربطت تأصيلها بالنحو العربي القديم والحديث، ولا سيما أعمال سيبويه وعبد القاهر الجرجاني ومهدي المخزومي، مع الإفادة من الدرس اللساني الحديث. وهذا أمر مهم في تقويم أي نظرية؛ فالجدة العلمية لا تعني القطيعة مع المعرفة السابقة، بل قد تتمثل في إعادة تنظيم المعارف السابقة داخل إطار تفسيري جديد.

وعليه، فإن السؤال العلمي الذي ينبغي أن يحكم هذه المناقشة هو: هل تستوفي نظرية الصفر اللغوي المقومات المنهجية التي تجعل التصور العلمي نظرية لسانية؟

وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن إخضاع النظرية لمجموعة من المعايير الموضوعية التي تُستخدم في تقويم النظريات العلمية واللسانية، ثم مقابلة كل معيار بما قدمته نظرية الصفر اللغوي فعلًا في بنائها الداخلي وتطبيقاتها. فإذا ثبت توافر هذه المقومات، فإن وصفها بأنها «نظرية لسانية» يصبح وصفًا قائمًا على بنية علمية يمكن مناقشتها ونقدها واختبارها، لا مجرد تسمية؛ وإذا رأى ناقد أنها لا تستوفي أحد هذه المعايير، فإن الطريق العلمي يقتضي أن يحدد هذا المعيار، وأن يبين بالدليل موضع عدم الاستيفاء.

ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتفحص نظرية الصفر اللغوي في ضوء معايير النظرية اللسانية، من خلال النظر في: تحديد موضوعها، وضبط مفاهيمها، وبناء مبادئها وقواعدها، وانتظام هذه المبادئ في نسق مترابط، وقدرتها التفسيرية، وقابليتها للتطبيق والاختبار، ومدى تعميمها، وتميّزها عن التصورات السابقة، ثم قدرتها على فتح مجالات بحثية جديدة. وبهذا ينتقل النقاش من الحكم المرسل «ليست نظرية» إلى المناقشة العلمية القابلة للفحص، وهي المناقشة التي يقتضيها البحث اللساني المعاصر

المعايير الواجب توافرها في النظريات اللسانية 

إن تحديد صفة النظرية العلمية لأي تصور ينبغي أن لا يستند إلى الانطباع أو إلى مجرد الاتفاق أو الاختلاف في تسميته، وإنما إلى ما يتوافر فيها من مقومات البناء النظري. فالنظرية تقوم على موضوع محدد، ومفاهيم واضحة، ومبادئ تنتظم في إطار مترابط، وتقدم تفسيرًا يمكن تطبيقه واختباره ومناقشة نتائجه. وعلى هذا الأساس، يصبح من الممكن النظر في (نظرية الصفر اللغوي) من خلال هذه المقومات، للكشف عن مدى تحققها   فيها، وبيان ما تقدمه من بناء متكامل يجعلها قابلة للبحث والتقويم في إطار الدرس اللساني.

أما المعايير الواجب توافرها في النظريات عموما للنظر في مدى توافرها في نظرية الصفر اللغوي  فهي:

أولًا: تحديد موضوع النظرية ومشكلتها العلمية

يُعد تحديد موضوع النظرية ومجال اشتغالها أول المعايير التي يمكن الاحتكام إليها عند التمييز بين النظرية العلمية وبين الرأي أو الملاحظة الجزئية او الفرضية. فالنظرية لا بد أن تحدد الظاهرة التي تتجه إلى تفسيرها، وأن تبين المجال الذي تتحرك فيه، والأسئلة التي تسعى إلى الإجابة عنها.

وبالرجوع إلى نظرية الصفر اللغوي نجد أن موضوعها محدد في نظام إنتاج اللغة في الدماغ البشري، وبخاصة المرحلة الذهنية التي تسبق تحقق الجملة في صورتها اللغوية المنطوقة أو المكتوبة. وتطلق النظرية على هذه المرحلة اسم «مرحلة الصفر»، وتراها مرحلة تنظيمية تسبق ولادة الجملة، يتم فيها الانتقال من الفكرة إلى العلاقات التي تربط أجزاءها، ثم إلى الدوال اللغوية التي تحقق تلك العلاقات في اللغة. وتصرح النظرية بأن هذه المرحلة تقع في داخل الدماغ، وأنها تمثل الأساس الذي تنطلق منه الجمل المتحققة في الخارج.

ولا تقتصر أهمية هذا التحديد على تعيين موضوع عام هو «اللغة والعقل»، وإنما تتمثل في أن النظرية تحدد آليّة إنتاج الجملة بوصفها المشكلة المركزية التي تسعى إلى تفسيرها. فهي لا تتعامل مع الجملة بوصفها سلسلة من الكلمات فحسب، وإنما تبحث في النظام الذهني السابق على تحقق هذه السلسلة، وفي الكيفية التي تنتقل بها الفكرة من صورتها الذهنية إلى التعبير اللغوي.

وهذا التحديد يميز النظرية عن الوصف النحوي التقليدي؛ فموضوعها ليس مجرد وصف العلامات الإعرابية أو تصنيف الكلمات أو تحديد وظائفها بعد ظهور الجملة، وإنما البحث في النظام الذي يسبق ظهور الجملة، وفي العلاقات الذهنية التي تؤسس بناءها. ولذلك ربطت النظرية نفسها بالدراسات اللسانية العرفانية من جهة، وباللسانيات التطبيقية من جهة أخرى.

ثانيًا: وجود مفاهيم ومصطلحات محددة

لا يمكن أن تقوم نظرية علمية من غير جهاز مفاهيمي يحدد المصطلحات التي تستخدمها ويمنحها وظائف داخل النظام النظري. ومن أبرز المفاهيم التي بنت عليها نظرية الصفر اللغوي تصورها مفهوم (الصفر اللغوي) نفسه.

فالصفر هنا ليس عدمًا، ولا فراغًا لغويًا، وإنما هو مرحلة ذهنية تقع قبل ظهور الجملة في صورتها الملفوظة أو المكتوبة، وفيها تُنظم العلاقات بين أجزاء الفكرة، وتتهيأ الجملة للتحقق في اللغة. وقد جعلت النظرية من هذه المرحلة نقطة الانطلاق لفهم آلية إنتاج الجمل، ثم قدمت لها تصورًا مرحليًا ينتقل من الكل إلى الجزء.

ويتفرع عن هذا المفهوم جهاز آخر من المفاهيم، في مقدمتها الفكرة، والمدلول، والدال، والمعنى النحوي، والعلاقات النحوية، والمعجم الذهني، والتنظيم الهرمي. ولا ترد هذه المفاهيم في النظرية بوصفها ألفاظًا مستقلة، وإنما تدخل في بناء متتابع يفسر كيفية انتقال العمل الذهني من مرحلة إلى أخرى.

ويظهر هذا بصورة أوضح في تحديد النظرية لأربع علاقات كبرى بين أجزاء الفكرة، هي: الإسناد، والتخصيص، والإضافة، والتوضيح. وقد جعلت الإسناد الرابط الرئيس الذي تتعلق به الروابط الأخرى، ووصفته بأنه رأس الهرم في التنظيم الهرمي لعلاقات الجملة.

وهذا يعني أن النظرية لا تستخدم المصطلح لمجرد التسمية، بل تمنحه وظيفة داخل نظام تفسيري. وهذه سمة أساسية في البناء النظري؛ إذ تتحول المفاهيم من ألفاظ إلى أدوات إجرائية تساعد على تفسير الظاهرة موضوع البحث.

ثالثًا: وجود مبادئ وقواعد عامة

المعيار الثالث هو أن تتجاوز النظرية الملاحظات الجزئية إلى مجموعة من المبادئ أو القواعد العامة التي تحكم الظاهرة في مجالها.

وهذا المعيار حاضر بوضوح في نظرية الصفر اللغوي؛ إذ لم تكتفِ بافتراض وجود مرحلة ذهنية سابقة على الجملة، وإنما حددت مراحل إنتاجها، وربطت بينها في تسلسل منظم يبدأ من الكل وينتهي إلى الجزء. وتتمثل هذه المراحل، كما تعرضها النظرية، في تحديد المعنى العام للفكرة، ثم تحديد المعاني النحوية الرابطة بين مدلولات أجزائها، ثم اختيار الدوال المناسبة لهذه المدلولات.

كما وضعت النظرية مبدأً عامًا يتعلق بالنحو الكلي، يتمثل في وجود قواعد مشتركة بين اللغات، مع عدم إنكارها وجود قواعد خاصة بكل لغة. وهي بذلك تميز بين المستوى المشترك الذي ينتمي إلى النظام العام لإنتاج اللغة، والمستوى الخاص الذي يرتبط بخصائص اللغة التي تتجسد فيها الجملة.

وتقدم النظرية كذلك مبدأً مهمًا في تفسير العلاقة بين البنية الذهنية والبنية اللغوية، وهو أن اختيار الكلمات ليس نقطة البداية في إنتاج الجملة، وإنما يأتي في المرحلة الأخيرة بعد تحديد المعنى العام والعلاقات بين أجزاء الفكرة.

وهذه المبادئ ليست أحكامًا متفرقة، وإنما ترتبط ببعضها في تصور واحد: فكرة ذهنية ← تنظيم للعلاقات ← اختيار الدوال ← جملة متحققة.

رابعًا: وجود نظام مترابط بين المبادئ

وجود المبادئ وحده لا يكفي؛ إذ ينبغي أن تنتظم في علاقات تجعل منها نظامًا نظريًا متماسكًا. فالنظرية لا تكون مجرد مجموعة من القواعد المستقلة، وإنما بناء تتفاعل عناصره بحيث يؤدي كل عنصر وظيفة في تفسير الموضوع العام.

وهذا الترابط واضح في نظرية الصفر اللغوي؛ فمفهوم «الصفر» يرتبط بمفهوم إنتاج الجملة، وإنتاج الجملة يرتبط بالمراحل الثلاث، والمراحل ترتبط بمعاني النحو الكبرى، وهذه المعاني تنتظم في علاقات هرمية، ثم تتحول تلك العلاقات إلى دوال لغوية تحققها في اللغة.

ومن ثم فإن الانتقال من الكل إلى الجزء ليس مبدأً منفصلًا عن بقية النظرية، وإنما هو المبدأ الذي ينظم آليّة الإنتاج كلها: يبدأ النظام بتحديد المعنى العام للفكرة، ثم ينتقل إلى أجزاء الفكرة وعلاقاتها، ثم إلى اختيار الكلمات المناسبة لها.

كما أن الإسناد بوصفه الرابط الرئيس في النظام الهرمي لا يعمل منفردًا، بل تتعلق به بقية الروابط: التخصيص والإضافة والتوضيح. وبذلك تصبح العلاقات النحوية الكبرى جزءًا من تنظيم واحد، لا مجرد تصنيفات منفصلة.

وهذه البنية النظامية تحديدًا هي التي تفرق بين «الفكرة» و«النظرية»: فالفكرة قد تكون ملاحظة جديدة أو اقتراحًا جزئيًا، أما النظرية فتحتاج إلى شبكة من المفاهيم والمبادئ والعلاقات التي تعمل مجتمعة في تفسير موضوعها.

خامسًا: القدرة على تفسير الظواهر اللغوية

من المعايير الأساسية للنظرية قدرتها على تقديم تفسير يتجاوز وصف الظاهرة إلى بيان النظام الذي يمكن أن يفسرها.

وتحاول نظرية الصفر اللغوي تحقيق ذلك من خلال نقل مركز البحث من الصورة الظاهرة للجملة إلى النظام الذهني الذي يسبق تحققها. ففي حين يمكن للنحو أن يصف الجملة بعد ظهورها، تتجه النظرية إلى السؤال عن كيفية إنتاج هذه الجملة في الذهن، وما الذي يحدث قبل أن تظهر الكلمات في ترتيبها اللغوي.

ومن هذا المنظور تقدم النظرية تفسيرًا لموقع المعنى في إنتاج الجملة؛ فالمعنى العام للفكرة يسبق اختيار الكلمات، والعلاقات بين أجزاء الفكرة تسبق تحقيق هذه العلاقات بألفاظ اللغة. وبذلك يصبح الانتقال من المعنى إلى الدال جزءًا من آلية إنتاج اللغة، وليس مجرد عملية لاحقة على اكتمال الجملة.

ويمتد هذا التفسير إلى ظاهرة الإعراب في العربية؛ إذ لا تنظر النظرية إلى العلامة الإعرابية باعتبارها المحور الرئيس في بناء النظام النحوي، وإنما تربطها بالمعاني النحوية التي تقوم عليها العلاقات بين أجزاء الجملة، وترى الإعراب توزيعًا للعلامات الإعرابية على تلك المعاني.

وهنا تظهر إحدى السمات المنهجية المهمة للنظرية: فهي لا تلغي الظواهر التي وصفها النحو العربي، وإنما تعيد تفسيرها داخل تصور يبدأ من العلاقات والمعاني ثم يصل إلى صورتها اللغوية الظاهرة.

سادسًا: قابلية النظرية للتطبيق والاختبار

لا تكتسب النظرية قيمتها العلمية من قدرتها على صياغة المبادئ فحسب، وإنما من إمكان اختبار هذه المبادئ في معطيات لغوية فعلية، ومن قابليتها لأن تكون موضوعًا للبحث والتحقق والمراجعة.

وهذا الجانب حاضر في البناء المعلن لنظرية الصفر اللغوي؛ فقد خصص الكتاب قسمًا لاختبار النظام على لغات متعددة، كما ميز بين القواعد المشتركة والقواعد الخاصة بكل لغة. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن النظرية لا تقصر النظام الذي تقترحه على الجملة العربية وحدها، وإنما تنطلق من تصور أوسع يرى أن اللغات، على اختلافها وتنوعها، تستند إلى نظام مشترك في الذهن البشري، مع اختلاف القواعد الخاصة التي تتحقق بها في كل لغة.

كما تعرض النظرية الترجمة بوصفها مجالًا يمكن أن يكشف عن وجود ركائز مشتركة بين اللغات؛ إذ ترى أن انتقال المعنى من لغة إلى أخرى يفترض وجود عناصر ذهنية مشتركة ينبغي الحفاظ عليها في عملية الترجمة. ومن ثم فإن إمكان تطبيق مراحل الإنتاج والعلاقات الذهنية التي تقترحها النظرية على لغات متعددة يمثل قرينة لغوية على اتساق النموذج وقابليته للتعميم، وإن كان لا يغني عن أشكال التحقق الأخرى.

أما ما يتعلق بنظام إنتاج اللغة في الدماغ، وبالمراحل الثلاث السابقة على تحقق الجملة، وبالعلاقات الذهنية الكبرى بين أجزاء الفكرة، فإن التحقق المباشر من هذه العمليات يظل مجالًا يمكن أن تسهم فيه اللسانيات العصبية وعلوم الدماغ، من خلال الوسائل المختبرية والتقنيات التي تتيح دراسة النشاط العصبي المصاحب لإنتاج اللغة. ولا تدعي نظرية الصفر اللغوي أن هذا الجانب قد حُسم تجريبيًا قبل إجراء تلك الدراسات، وإنما تقدم تصورًا نظريًا محددًا يمكن أن يكون موضوعًا للبحث العصبي والتحقق المختبري.

ومن الناحية المنهجية، لا يعني غياب التحقق العصبي المباشر في المرحلة الحالية أن النظرية تفتقر إلى الصفة العلمية أو أنها لا تتجاوز مستوى الفكرة؛ إذ إن التحقق التجريبي من بعض مكونات النظرية يمثل مرحلة من مراحل اختبارها، وليس شرطًا سابقًا لوجودها بوصفها نظرية. فالنظرية تكون قابلة للاختبار حين تقدم مبادئ وآليات محددة يمكن إخضاعها للبحث، وتكون قابلة للتطوير حين تسمح نتائج البحث بتأكيد بعض مكوناتها أو تعديلها أو إعادة النظر في تفاصيلها.

وعليه، فإن نظرية الصفر اللغوي تجمع، في مرحلتها الحالية، بين الاختبار اللغوي من خلال تطبيق نموذجها على لغات متعددة، والأفق التجريبي المفتوح أمام اللسانيات العصبية للتحقق من الآليات الذهنية التي تقترحها. وبذلك يصبح المختبر مجالًا لاختبار النظرية وتطويرها، لا شرطًا سابقًا لنفي صفة النظرية عنها.

سابعًا: قابلية التعميم

من خصائص النظرية اللسانية أن تتجاوز تفسير مثال أو لغة معينة أو ظاهرة محدودة إلى تقديم مبادئ ذات مدى أوسع، متى كان ذلك جزءًا من فرضياتها.

وقد أعلنت نظرية الصفر اللغوي منذ بنائها أنها لا تتعامل مع النظام بوصفه خاصية للعربية وحدها، وإنما تربطه بالنظام الذهني العام لإنتاج اللغة. ولهذا خصصت في بنائها موضوعًا للنحو الكلي، وموضوعًا لاختبار النظام على لغات متعددة، وموضوعًا آخر للقواعد المشتركة والقواعد الخاصة.

وهذه السمة تميزها عن النظرية التي تفسر ظاهرة محلية دون أن يكون لها ادعاء أوسع؛ إذ إن نظرية الصفر تقيم تصورها على أساس وجود مستوى مشترك بين اللغات، مع اعترافها بتعدد الأنظمة الخاصة بكل لغة.

كما أن الكتاب يصرح بأن النظرية ترى نفسها قابلة للتطبيق في اللغات عمومًا، وفي العربية على وجه الخصوص، مع إمكان الإفادة منها في مجالات تطبيقية متعددة.

ثامنًا: تحديد موقع النظرية من النظريات السابقة وتمييزها عنها

لا تكون النظرية العلمية مطالبة بأن تكون منفصلة عن كل ما سبقها؛ بل إن أحد شروط نضجها أن تحدد علاقتها بالتصورات السابقة، وأن تبين ما تأخذ به وما ترفضه وما تضيفه.

وهذا متحقق في نظرية الصفر اللغوي؛ فقد أفرد الكتاب موضوعًا للنظريات اللسانية الحديثة، وموضوعًا مستقلًا للمقارنة بينها وبين النظرية التوليدية التحويلية.

وتقر النظرية بوجود تقاطع بينها وبين النظرية التوليدية التحويلية في اتخاذ المنهج العقلي مجالًا للبحث في نظام اللغة في الدماغ، لكنها تختلف عنها في عدد من الأسس، ومن أبرزها رفض فكرة التحويل والجملة النواة، واقتراح آلية أخرى لإنتاج الجملة تقوم على مراحل تبدأ من المعنى وتنتهي إلى الدال.

كما تميز نفسها عن التصور البنيوي الذي يجعل اختيار الكلمات وتركيبها محورًا في بناء الجملة؛ إذ ترى أن الذهن يبدأ من المعنى العام للفكرة، ثم ينظم العلاقات بين أجزائها، ثم يختار الكلمات المناسبة، أي أن اختيار الكلمات يأتي في المرحلة الأخيرة من الإنتاج.

ومن ثم فإن النظرية لا تقدم نفسها بوصفها تكرارًا لنظرية سابقة، وإنما بوصفها تصورًا آخر للمشكلة نفسها، مع تحديد نقاط الاتفاق والاختلاف.

تاسعًا: وجود تطبيقات وامتدادات علمية

من المؤشرات المهمة على نضج النظرية أن تمتد مبادئها إلى مجالات تطبيقية، وأن تتيح فرضياتها إمكانات بحثية جديدة.

وقد خصص الكتاب قسمًا كاملًا لتأصيل النظرية ومبادئها وتطبيقاتها، وتضمن مجالات للاستفادة منها في العربية، وفي الإعراب، والإسهام في كشف الإعجاز القرآني، وفي تحديث مناهج تعليم العربية، وفي تعليم قواعد اللغات للناطقين بغيرها، وفي حوسبة اللغة.

كما حاولت النظرية ربط تصورها لإنتاج اللغة ببعض قضايا أمراض الكلام، مع التنبيه الصريح إلى أن هذا الجانب يمثل تخمينًا يمكن أن يكون مدخلًا إلى تعاون بين اللسانيين والمتخصصين في اللسانيات العصبية، وهو تنبيه منهجي مهم؛ لأنه يفرق بين ما تقدمه النظرية بوصفه مبدأً، وما تقترحه بوصفه مجالًا بحثيًا يحتاج إلى مزيد من الاختبار.

وبذلك لا تنتهي النظرية عند صياغة تصور مجرد، وإنما تفتح إمكانات لتطبيقه واختباره في مجالات مختلفة.

عاشرًا: القدرة على إنتاج أسئلة وبحوث جديدة

من خصائص النظرية العلمية أنها لا تغلق مجال البحث، بل تفتح مسائل جديدة يمكن اختبارها وتطويرها.

وتقدم نظرية الصفر اللغوي عددًا من هذه المسارات؛ فتصورها لمراحل إنتاج الجملة يفتح البحث في العلاقة بين اللغة والدماغ، وتصنيفها للعلاقات النحوية الكبرى يتيح إعادة النظر في عدد من قضايا النحو العربي، وتصورها للعلاقة بين القواعد المشتركة والقواعد الخاصة يفتح مجالًا للمقارنة بين اللغات، كما أن ربط النظرية بالترجمة وحوسبة اللغة واللسانيات العصبية يوسع مجال اختبارها خارج الإطار النحوي التقليدي. وقد أدرج الكتاب هذه المجالات ضمن بنائه التطبيقي صراحة.

ومن هنا فإن قيمة النظرية لا تتحدد فقط بما قدمته من أجوبة، وإنما كذلك بما يمكن أن تتيحه من أسئلة قابلة للبحث في المستقبل.

 النتيجة: تحقق مقومات النظرية

يتضح من عرض المعايير السابقة أن نظرية الصفر اللغوي تستوفي المقومات الأساسية للبناء النظري؛ فقد حددت موضوعها في نظام إنتاج اللغة، وقدمت مفاهيم ومصطلحات خاصة بها، وصاغت مبادئ ومراحل محددة للإنتاج، وربطت بينها في نظام متكامل، وأتاحت تطبيقها على لغات متعددة، وفتحت مجالات لاختبار بعض جوانبها لغويًا وعصبيًا.

وعلى هذا الأساس، فإن التشكيك في انطباق صفة النظرية اللسانية عليها يقتضي تحديد المعيار الذي يُرى أنه غير متحقق فيها، وبيان مسوغ ذلك بصورة علمية واضحة. أما مجرد التشكيك في صفتها النظرية دون تحديد موضع النقص، فسيكون رأيَا اعتباطيَا لا يصح أن يدلي به متخصص للحسم في هذه المسألة.

ومن ثم فإن المعطيات السابقة تتيح التعامل مع نظرية الصفر اللغوي بوصفها بناءً نظريًا لسانياً محدد المقومات، ويبقى البحث في مدى نجاحها مخبريا وامتداد تطبيقاتها مجالًا للدراسة العلمية المتخصصة.

ومن الله التوفيق

***

الدكتورة سناء حميد البياتي

في المثقف اليوم