عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تقارير وتحقيقات

شيدا بازيار.. حين تعبر الحكاية الكردية فجوات الذاكرة الألمانية

في أمسية أدبية احتضنها قاعة القيصر في مبنى الرومر بمدينة فرانكفورت، دخل اسم شيدا بازيار تاريخ الأدب الألماني من بابه الواسع، بعدما أُعلن في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026 فوزها بـجائزة الكتاب الألماني عن روايتها الجديدة «Die Lücken»، أو «الفجوات». وبذلك أصبحت بازيار صاحبة «رواية العام» في الأدب الألماني، في واحدة من أبرز الجوائز التي تُمنح للرواية المكتوبة بالألمانية.      

الجائزة، التي تبلغ قيمتها 25 ألف يورو للفائزة، جاءت بعد منافسة بين ستة أعمال وصلت إلى القائمة القصيرة، اختارتها لجنة تحكيم من بين 205 روايات صدرت بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 وسبتمبر/أيلول 2026. أما الأعمال الستة في القائمة النهائية فكانت لفرانزيسكا غانسلر، وفاليريا غوردييف، وإلياس هيرشل، وبيغي ميلر، ودانا فوينكل، إلى جانب بازيار. 

كاتبة بين عالمين

ولدت شيدا بازيار عام 1988 في مدينة هرمسكايل بولاية راينلاند-بفالتس الألمانية، بعد أن فرّ والداها من كردستان إيران إلى ألمانيا عام 1987. درست الكتابة الأدبية في جامعة هيلدسهايم، وعملت لسنوات في مجال التربية والتعليم الشبابي، قبل أن يتفرغ حضورها تدريجياً للكتابة. 

لكن تجربتها الأدبية تنفتح بوضوح على قضايا المنفى والهجرة والهوية والتعدد الثقافي، كما تحضر شخصيات من خلفيات إيرانية وكوردية في أعمالها، ولا سيما في روايتها الفائزة. 

هذه الخلفية العابرة للحدود انعكست بقوة في مشروعها الروائي. ففي روايتها الأولى «الليل هادئ في طهران» التي صدرت عام 2016، تتبع بازيار مصير عائلة إيرانية عبر أربعة عقود، من الثورة الإيرانية إلى حياة المنفى في ألمانيا ثم العودة إلى إيران. وقد نالت الرواية عدداً من الجوائز، كما وصلت ترجمتها الإنكليزية إلى القائمة القصيرة للجائزة الدولية للبوكر لعام 2026.

أما روايتها الثانية «ثلاث صديقات» الصادرة عام 2021، فقد وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الألماني، لتؤكد أن بازيار لم تكن اسماً عابراً في المشهد الأدبي الألماني، بل صوتاً يتبلور باستمرار حول أسئلة الهجرة والانتماء والعنصرية والصداقة والهوية.   

«الفجوات» .. رواية عن الذاكرة التي لا تموت

في روايتها الثالثة، «الفجوات»، تعود بازيار إلى ألمانيا نفسها، ولكن من بوابة الماضي. المكان هو قرية متخيلة تحمل اسم هايمسباخ في منطقة الهونسروك، وهي منطقة تستند جزئياً إلى البيئة التي نشأت فيها الكاتبة.

لكن القرية في الرواية ليست مجرد مكان جغرافي؛ إنها أرشيف حي للذاكرة الألمانية. ففي جدرانها وسِيَر سكانها تختبئ نحو تسعين عاماً من التاريخ: من صعود النازية وتدمير حياة العائلات اليهودية، إلى أولئك الذين استفادوا من النظام النازي ثم أعادوا تقديم أنفسهم بعد الحرب بوصفهم مجرد «متفرجين» أو أبرياء، وصولاً إلى عائلات مهاجرة ولاجئة تصل إلى المكان بعد عقود بحثاً عن الأمان والانتماء. 

وهنا تكمن قوة الرواية: فهي لا تتعامل مع التاريخ بوصفه ماضياً منتهياً، بل بوصفه شيئاً يسكن الحاضر ويؤثر في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم بعضاً.

تسأل الرواية، في جوهرها، سؤالاً بسيطاً وشائكاً في آن واحد: متى يصبح الإنسان من أهل المكان؟

هل يكفي أن يعيش المرء في قرية أو مدينة لسنوات طويلة كي يصبح جزءاً منها؟ أم أن هناك ذاكرة خفية، وطبقات من التاريخ، وحدوداً غير مرئية تحدد من ينتمي ومن يبقى غريباً؟

من يملك حق رواية التاريخ؟

من أبرز ما لفت لجنة تحكيم جائزة الكتاب الألماني في «الفجوات» الطريقة التي بنت بها بازيار عالمها السردي. فالرواية تستخدم راوية ميتة، وتتحرك في بنية أشبه بالفسيفساء بين فترات زمنية وشخصيات متعددة، كما تمزج بين العناصر التخيلية والتوثيقية، وبين الشخصيات المتخيلة والشخصيات التاريخية. 

هذه التقنية لا تبدو مجرد لعبة شكلية، بل تخدم سؤال الرواية الأساسي: كيف يمكن استعادة ما حاول المجتمع نسيانه أو إخفاءه؟

فالذاكرة، في عالم بازيار، ليست خطاً مستقيماً. إنها فجوات وثغرات وأصوات متقاطعة، وما لا يُقال قد يكون أحياناً أكثر حضوراً مما قيل.

ولهذا وصفت لجنة التحكيم الرواية بأنها «رواية ضد اللامبالاة»، معتبرة أن مصائر الشخصيات تكشف ما يقارب قرناً من التناقضات في الحياة الألمانية، ولا سيما العلاقة بين الذاكرة التاريخية وبين شعور الأشخاص ذوي خلفيات مهاجرة بأنهم ينتمون إلى المكان الذي يعيشون فيه.    

الماضي الألماني بعيون الحاضر

تمنح بازيار في «الفجوات» صوتاً لأكثر من طبقة من المجتمع: عائلات يهودية فقدت كل شيء، أشخاص استفادوا من النظام النازي، ثم عائلات إيرانية وكوردية تبحث بعد عقود عن ملاذ في ألمانيا.

بهذا المعنى، لا تكتب الكاتبة رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، بل تعيد ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر والهجرة. فالسؤال عن النازية لا ينفصل عن سؤال العنصرية المعاصرة، كما أن سؤال «الوطن» لا يمكن فصله عن سؤال: من يُسمح له بأن يشعر بأنه في وطنه؟

وتشير حيثيات الجائزة إلى أن الرواية تستكشف تحديداً الطريقة التي يمكن بها للجيران والمجتمع المحلي أن يقرروا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما إذا كان الأشخاص ذوو الخلفيات المهاجرة يشعرون بأنهم في بيتهم أم لا.    

من «طهران» إلى «الوطن»

يمكن النظر إلى مسيرة شيدا بازيار الأدبية باعتبارها رحلة من سؤال المنفى إلى سؤال الوطن.

في «الليل هادئ في طهران» كان السؤال يدور حول الثورة، والرحيل، والعودة، وما الذي يحدث لعائلة تحمل وطنها في ذاكرتها بينما تعيش في بلد آخر. وقد وصفت الجائزة الدولية للبوكر الرواية بأنها قصة عن الثورة والقمع والمقاومة والحرية، تمتد على أربعة عقود من تاريخ عائلة إيرانية.      

أما في «الفجوات»، فقد انتقل السؤال إلى قلب ألمانيا نفسها: ماذا يعني أن تكون من أهل مكان يحمل تاريخاً لم يُواجه بالكامل؟ وهل يمكن بناء إحساس جديد بالوطن من دون مواجهة ما حدث في الماضي؟

إنها نقلة لافتة من المنفى إلى الوطن، ومن تجربة الوافد إلى تفكيك فكرة الوطن ذاته.

كاتبة لجيل جديد من ألمانيا

تكمن أهمية بازيار أيضاً في موقعها داخل جيل أدبي ألماني بات أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة: جيل لا يرى الهوية الألمانية باعتبارها تجربة أحادية اللغة أو أحادية الذاكرة، بل باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه الهجرة والمنفى والاستعمار والعنصرية والتاريخ الأوروبي والبحث عن الانتماء.

ومع ذلك، فإن بازيار لا تكتب من خارج الأدب الألماني؛ إنها تكتب من داخله وبالألمانية، وتعيد من خلال اللغة الألمانية نفسها طرح أسئلة عن ألمانيا وتاريخها ومجتمعها.

وهذا ما يجعل فوزها بجائزة الكتاب الألماني أكثر من مجرد تتويج لرواية ناجحة. إنه أيضاً اعتراف بمسار أدبي استطاع أن يحوّل التجربة العابرة للثقافات إلى جزء من النقاش المركزي حول الأدب الألماني المعاصر.

جائزة لرواية لا تنسى

عندما أعلنت لجنة التحكيم فوز «الفجوات»، أشادت تحديداً بقدرة الرواية على خلق حركة بين الأزمنة والمسافات، وعلى الجمع بين القرب والابتعاد، وبين الخيال والوثيقة. وخلصت إلى أنها رواية تقف في مواجهة اللامبالاة.   

وهذه ربما هي العبارة الأكثر دلالة على تجربة شيدا بازيار: الأدب لديها ليس وسيلة لاستعادة الماضي فحسب، بل وسيلة لمنع الحاضر من أن يصبح متصالحاً مع النسيان.

من طهران إلى ألمانيا، ومن حكاية عائلة لاجئة إلى قرية تخفي أسرارها، ومن سؤال الهوية إلى سؤال الذاكرة، قطعت شيدا بازيار مسافة أدبية واضحة خلال ثلاثة أعمال روائية.

واليوم، مع حصولها على جائزة الكتاب الألماني لعام 2026، لم تعد «الفجوات» مجرد رواية جديدة في موسم أدبي مزدحم؛ لقد أصبحت عملاً يضع الذاكرة والهجرة والتاريخ والمسؤولية في قلب النقاش حول معنى الوطن.

وفي هذا تكمن دلالة فوز بازيار: ليست الجائزة احتفاءً بصوت أدبي جديد فحسب، بل اعترافاً بقدرة الرواية على فتح الأبواب التي يغلقها التاريخ، وإعادة طرح الأسئلة التي يفضل المجتمع أحياناً أن يتركها في الظل.

***

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم