18 دورة من المعرفة والثقافة
لم يعد معرض أربيل الدولي للكتاب مجرد مناسبة سنوية لعرض الكتب وبيعها، بل أصبح واحداً من أبرز الملتقيات الثقافية في العراق وإقليم كوردستان، وفضاءً يجمع القراء والكتّاب والمفكرين والناشرين من بلدان مختلفة. وعلى مدى 18 دورة، استطاع المعرض أن يرسخ حضوره في الحياة الثقافية، وأن يمنح أربيل فرصة لاستقبال تجارب أدبية وفكرية متنوعة، تلتقي فيها اللغات والثقافات تحت سقف الكتاب.
تنظم مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون المعرض بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب في إقليم كوردستان، وبمشاركة دور نشر ومؤسسات ثقافية من داخل العراق وخارجه. ويقام المعرض في أرض معرض أربيل الدولي داخل متنزه سامي عبد الرحمن، حيث يجد الزائر آلاف العناوين في الأدب والفكر والتاريخ والسياسة والفلسفة والعلوم، فضلاً عن الندوات والحوارات والأمسيات الشعرية وتوقيع الكتب الجديدة.
18 دورة.. مسيرة ثقافية متواصلة
وصل المعرض في عام 2026 إلى دورته الثامنة عشرة، التي افتتحت في 21 أكتوبر وتستمر حتى 31 أكتوبر، تحت شعار «أنا كوردستاني». وتشهد هذه الدورة مشاركة نحو 400 دار نشر ومؤسسة من 18 دولة، تعرض أكثر من مليون عنوان، إلى جانب برنامج ثقافي وفني يتضمن أكثر من 90 فعالية، بمشاركة كتّاب ومثقفين وفنانين وباحثين.
أما الدورة السابعة عشرة، التي أقيمت في أبريل 2025، فحملت شعار «العالم يتكلم كوردي»، في إشارة إلى أهمية اللغة الكوردية وحركة الترجمة والانفتاح على ثقافات العالم. وشارك فيها أكثر من 350 دار نشر من 22 دولة عربية وأجنبية، كما استضافت الكاتب المصري محمد سلماوي، وشهدت ندوات ولقاءات تناولت الأدب والترجمة وصناعة النشر.
وبالوصول إلى الدورة الثامنة عشرة، يكون المعرض قد واصل مسيرته التي بدأت قبل سنوات، متجاوزاً مرحلة الحدث المحلي إلى مساحة ثقافية تستقطب اهتماماً عراقياً وعربياً ودولياً. غير أن توثيق الدورات الأولى يحتاج إلى الرجوع إلى أرشيف الجهة المنظمة، حتى لا تُنسب شعارات أو فعاليات أو تواريخ إلى سنوات لم تثبتها المصادر المتاحة.
من الدورة الأولى إلى الثامنة عشرة
انطلقت الدورة الأولى عام 2006، وشكّلت بداية مشروع ثقافي مهم في مرحلة كان العراق فيها يواجه تحديات أمنية وسياسية كبيرة. وفي عام 2012، أقيمت الدورة السابعة بمشاركة 330 دار نشر من 13 دولة، فيما تجاوز عدد العناوين المعروضة مليوني عنوان في الدورة السادسة، بحسب تقارير صحفية آنذاك.
وفي عام 2015، وصلت الفعالية إلى دورتها العاشرة، بمشاركة نحو 220 دار نشر من 27 دولة، وعرض أكثر من 700 ألف عنوان. وفي عام 2019، احتضنت أربيل الدورة الرابعة عشرة، بمشاركة نحو 300 دار نشر، في تأكيد على استمرار المعرض رغم الظروف الصعبة التي مر بها العراق والمنطقة.
وفي عام 2023، أقيمت الدورة السادسة عشرة، بمشاركة أكثر من 300 دار نشر من 14 دولة، فيما شهدت دورة 2024 مشاركة نحو 300 دار نشر من 10 دول، وفق تقارير صحفية تناولت المعرض.
أما دورة 2025، فقد جاءت بشعار «العالم يتكلم كوردي»، بينما اختارت دورة 2026 شعار «أنا كوردستاني»، لتسلط الضوء على الهوية الثقافية الكوردية والتنوع الذي تتميز به المنطقة.
الكتاب بوصفه جسراً بين الثقافات
تكمن أهمية معرض أربيل الدولي للكتاب في أنه يتيح للقارئ الوصول إلى مؤلفات بلغات متعددة، ويمنح دور النشر فرصة للتواصل مع جمهور جديد، كما يوفر للكتّاب مساحة لعرض أعمالهم ومناقشة قضايا الأدب والفكر والسياسة والمجتمع. وتمنح الندوات والحوارات وتوقيعات الكتب المعرض قيمة تتجاوز البيع والشراء، لأنها تفتح المجال أمام تبادل الآراء والتجارب.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على مكانة المعرض يتطلب الاهتمام بتشجيع القراءة بين الشباب والطلاب، وتوفير الكتب بأسعار مناسبة، ودعم الكتاب الكوردي والعربي، وتوسيع حضور المؤلفات العلمية والفكرية المتخصصة.
إن وصول معرض أربيل إلى دورته الثامنة عشرة ليس مجرد رقم في سجل الفعاليات، بل دليل على استمرار الحاجة إلى فضاءات تجمع الناس حول المعرفة. فالمدن لا تُبنى بالعمران وحده، وإنما بما تمنحه لعقول أبنائها من فرص للتعلم والتفكير والحوار. ومن هنا، تظل قيمة المعرض الحقيقية في الكتاب الذي يصل إلى قارئ جديد، والفكرة التي تفتح باباً للنقاش، والعلاقة التي تنشأ بين ثقافات مختلفة داخل مدينة تؤكد، عاماً بعد عام، أن للثقافة مكاناً أساسياً في مستقبلها.
***
رمزي ميركاني








