دراسة متعددة التخصصات
مقدمة: مشكلة الشر الإنساني: يشكّل العنف البشري الممنهج، بمستوياته المختلفة من القسوة الفردية إلى الإبادة الجماعية، إحدى أكثر الظواهر إثارة للقلق في تاريخ الجنس البشري. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط "كيف يحدث ذلك؟"، بل "كيف يُصبح ذلك ممكناً؟" ما الذي يجعل كائناً بشرياً قادراً على تعذيب آخر، أو تجويعه، أو تصفيته بدم بارد، بل وتبرير ذلك لنفسه وللآخرين؟ لا يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال منظور واحد، بل تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تمزج بين الفلسفة والتاريخ وعلم النفس وعلم الأعصاب والسياسة. وتُعد أعمال مفكرين مثل أشيل مبيمبي، وكاثلين تايلور، وإريك فروم، وفرانز فانون، وديفيد ليفينغستون سميث، ركائز أساسية في هذا المسعى.
الجزء الأول: الأساس المفاهيمي والفلسفي والتاريخي
أولاً: "التوحش" (Brutalisme) كمفهوم نقدي للحداثة المتأخرة
يُقدّم الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي في كتابه "الوحشية: فقدان الهوية الإنسانية" إطاراً تحليلياً بالغ الأهمية لفهم أشكال العنف المعاصرة. لا يستخدم مبيمبي مفهوم "الوحشية" (Brutalisme) للإشارة إلى العنف البدائي أو العشوائي، بل ليصف به (مشروعاً حضارياً) ومنطقاً مهيكلاً للعالم في ظل الرأسمالية النيوليبرالية. يوضح أن المصطلح مستعار من العمارة، لكنه يوظفه لوصف "طريقة لإدارة العنف تنتشر في تماهٍ مع طبيعية الحرب الاجتماعية" (مبيمبي، الوحشية، ص. 59). إنه شكل من أشكال السلطة "بلا حدود خارجية" (مبيمبي، الوحشية، ص. 37)، يعمل على تحويل البشر والكائنات الحية إلى مجرد "مادة خام" وطاقة قابلة للاستنزاف والاستهلاك.
في جوهر "التوحش" عند مبيمبي، تقع عمليات "الكسر والانشقاق" و"الإنهاك والاستنزاف". ففي التحليل الذي أوردته الترجمة العربية للكتاب، نجد أن "الوحشية" هي الاسم الذي يُمنح لـ "هذه المحاكمة العظيمة للطرد والإجلاء، ولكن أيضاً عملية إفراغ الأوعية الدموية والقضاء على المواد العضوية" (مبيمبي، الوحشية، ص. 22). وهكذا، يُنظر إلى الجسد البشري ليس ككيان ذي قيمة ذاتية، بل كمورد يجب استخراج طاقته القصوى منه، سواء في المصانع، أو المناجم، أو حتى في أنظمة الاستعمار والعبودية. هذا المنطق لا يقتصر على فئة دون أخرى؛ بل يمتد ليشمل كل من يُصنّف كـ “زائد عن الحاجة" أو "قابل للاستهلاك".
الأهم من ذلك، أن مبيمبي يربط هذا المفهوم بفكرة "(التحوّل الزنجي للعالم)". فما كان يُعتبر سمة مميزة للعلاقة الاستعمارية مع الشعوب المستعمَرة (الاستغلال المفرط، والطرد، والاستنزاف) أصبح الآن، في ظل النيوليبرالية، "يمتد إلى طبقات أوسع من سكان العالم" (مبيمبي، الوحشية، ص. 24). وهكذا، فإن "التوحش" ليس استثناءً تاريخياً، بل هو القاعدة الجديدة التي تحكم إدارة الحياة والموت في العالم المعاصر، مدعومة بتقنيات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي التي تجعل هذه العمليات أكثر كفاءة وخفاءً.
ثانياً: "التجريد من الإنسانية" كشرط مسبق للقسوة
إذا كان مبيمبي يصف (منطق) الوحشية على المستوى العالمي، فإن الفيلسوف الأمريكي ديفيد ليفينغستون سميث يغوص في الميكانيزم النفسي والفلسفي الذي يجعل هذا المنطق قابلاً للتنفيذ على المستوى الفردي والجمعي. في كتابه "صناعة الوحوش: كيف يُجرَّد البشر من إنسانيتهم"، يقدّم سميث قراءة مؤثرة في "الجذور الفلسفية والنفسية للتجريد من الإنسانية" (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الأول). والفرضية المركزية التي يطرحها هي أن إنكار إنسانية الضحية هو الخطوة الأولى والأساسية التي تسبق وتُبرّر أي فعل وحشي.
يستكشف سميث كيف تساهم "الصورة واللغة والأسطورة في خلق 'الوحش' الذي يُبرَّر قتله" (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الثاني). ففي حالة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، التي يستشهد بها كحالة تأسيسية، لم يكن مرتكبو الجرائم يرون ضحاياهم كبشر، بل كـ"صراصير" أو "آفات" يجب استئصالها. هذا التصنيف اللغوي ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو آلية إدراكية تعيد تشكيل الطريقة التي يعالج بها الدماغ الضحية، فتحوّله من كائن واعٍ ومتألم إلى شيء لا يستحق التعاطف.
يرتبط هذا المفهوم بما يسميه علماء النفس "التجريد الميكانيكي من الإنسانية" (mechanistic dehumanization)، حيث يُنظر إلى الآخر كآلة أو أداة، مما يؤدي إلى "فقدان الإدراك لطبيعة الإنسان الأساسية وانخفاض إسناد العقل" (mind-attribution) له. وبالمقابل، هناك "التجريد الحيواني من الإنسانية" (animalistic dehumanization)، حيث يُصوَّر الآخر كحيوان مفترس أو آفة، مما يبرر قتله كعملية تطهير. في الحالتين، يتم (تعطيل الشبكة العاطفية في الدماغ) بشكل جزئي أو كلي، مما يجعل العنف ضده ممكناً دون الشعور بالذنب نفسه الذي نشعر به تجاه إنسان آخر (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الثالث).
ثالثاً: الجذور الاستعمارية للقسوة الممنهجة: قراءة فانون
لا يمكن فهم الأشكال المعاصرة للتوحش دون العودة إلى تحليل فرانز فانون للعنف الاستعماري. في كتابه "معذبو الأرض"، لا يقتصر فانون على وصف العنف المادي الذي مارسه المستعمر، بل يحلل بعمق الآثار النفسية والعصبية التي يخلّفها هذا العنف على كل من المستعمَر والمستعمِر على حد سواء. في الفصل الأخير من الكتاب ("الاضطرابات النفسية الناتجة عن الاستعمار")، يقدّم فانون توصيفاً للاضطرابات النفسية التي ينتجها العنف الاستعماري، بما في ذلك "الذهانات التفاعلية" (reactionary psychoses) الناجمة عن الصراع الاستعماري (فانون، معذبو الأرض، الفصل الخامس).
إن إسهام فانون الأهم هو أنه يرى أن الاستعمار ليس مجرد نظام اقتصادي أو سياسي، بل هو (جهاز نفسي) يعمل على تفكيك الذات الإنسانية للمستعمَر. فمن خلال آليات مثل التعذيب والاستجواب الطبي (الذي يصفه فانون بأنه تحوّل لمهنة الطب إلى "سند للتعذيب")، يتم سحق كرامة الفرد وإرادته، وتحويله إلى كائن "معذّب". لكن فانون لا يكتفي بذلك، بل يؤكد أن العنف الاستعماري لا يدمّر الضحية فقط، بل يشوّه الفاعل أيضاً. فالمستعمِر الذي يمارس القسوة بشكل يومي، والذي يُجبر على رؤية الآخر ككائن أدنى، يعيش هو نفسه في حالة من "المرض" النفسي والأخلاقي (فانون، معذبو الأرض، الفصل الأول). وهكذا، فإن تحليل فانون يسبق ويؤسس لفهم مبيمبي المعاصر: العنف ليس مجرد أداة، بل هو علاقة اجتماعية ونفسية تعيد تشكيل هوية كل من يمارسها ومن تقع عليه.
رابعاً: القسوة كفشل: أطروحة كاثلين تايلور
في مواجهة التفسيرات التي تُرجِع القسوة إلى "الحقد" أو "الكراهية" أو "الشر المطلق"، تطرح عالمة الأعصاب كاثلين تايلور في كتابها "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري" أطروحة مضادة وجريئة: "القسوة أدعى أن ترتبط بالفشل وليس بالحقد والكراهية كما نظن" (تايلور، القسوة، مقدمة المؤلفة). بناءً على مقاربة علمية، تسعى تايلور إلى كشف "آلية اتخاذ القرار في عقول البشر قبل فعل القسوة وارتكاب الجرائم". وتفترض أننا "لو فهمنا لماذا يرتكب الناس الجرائم الفظيعة، فقد نستطيع منعها" (تايلور، القسوة، مقدمة المؤلفة).
ما الذي تعنيه "القسوة كفشل"؟ إنها تعني أن الفرد الذي يرتكب فعلاً وحشياً هو، في كثير من الحالات، شخص فشل في تنظيم انفعالاته، أو حل مشكلاته، أو التكيّف مع ضغوط بيئته الاجتماعية والنفسية. فالقسوة ليست تعبيراً عن قوة، بل عن عجز. وقد تكون ناتجة عن فشل في السيطرة على الغضب، أو فشل في تحقيق الأهداف بالطرق السوية، أو فشل في إقامة علاقات صحية. وتستشهد تايلور بأمثلة من "فظائع القسوة في جرائم الاستعمار، وصراع المستعمر من أجل الموارد" (تايلور، القسوة، الفصل الرابع)، لتُظهر كيف أن القسوة الجماعية يمكن أن تنبع من فشل جماعي في إدارة الموارد والعلاقات بين الجماعات.
هذه الأطروحة تتماشى مع الرؤية الإنسانية لإريك فروم، الذي يرى أن العدوان الخبيث (malignant aggression)، الذي يشمل السادية والنكروفيلية (الانجذاب إلى كل ما هو ميت ومتعفن)، ليس غريزة فطرية، بل هو نتيجة لظروف اجتماعية ونفسية معينة تحول دون تحقيق الإمكانات الإنسانية. فالإنسان، بحسب فروم، ليس شريراً بطبيعته، بل هو "كائن حيوي-فيلوس" (biophilous) يميل إلى الحياة، لكنه قد يتحول إلى "نكروفيل" (necrophilous) عندما تُخنق إمكاناته الحيوية وتُشوَّه ظروفه (فروم، قلب الإنسان، الفصل الثالث). وهكذا، تصبح القسوة عرضاً لفشل في تحقيق الذات الإنسانية، وليس جوهراً فيها.
خاتمة الجزء الأول: نحو تركيب مفاهيمي
تتقاطع هذه الرؤى لتقديم صورة مركبة للقسوة والتوحش. يصف مبيمبي النظام العالمي الذي يجعل التوحش ممكناً ويروّجه. ويشرح سميث الآلية الإدراكية (التجريد من الإنسانية) التي تسمح للأفراد بتنفيذ هذا النظام. ويُبيّن فانون الأثر النفسي المتبادل للعنف على الضحية والجلاد في السياق الاستعماري. وتُقدّم تايلور وفروم التفسير النفسي العميق الذي يرى في القسوة تعبيراً عن فشل وتشويه للإمكانات الإنسانية، وليس عن شر أصيل. هذا التركيب هو الأساس الذي سيبني عليه الجزء الثاني من الدراسة، الذي سيتناول الآليات النفسية والعصبية للقسوة بشكل أكثر تفصيلاً.
الجزء الثاني: الآليات النفسية والعصبية للقسوة – تحليل معمق
تمهيد: من السؤال الفلسفي إلى المختبر العلمي
بعد أن رسمنا في الجزء الأول الإطار المفاهيمي والفلسفي للقسوة، بما في ذلك مفهوم "التوحش" عند مبيمبي، و"التجريد من الإنسانية" عند سميث، و"القسوة كفشل" عند تايلور، و"العدوان الخبيث" عند فروم، ننتقل الآن إلى المستوى التحليلي الأدق: كيف تُنتج هذه الآليات الكبرى آثارها على مستوى الفرد؟ ما هي العمليات النفسية والعصبية التي تسمح لإنسان عادي، في ظروف معينة، بأن يُصبح فاعلاً للقسوة؟ هذا السؤال يتطلب الغوص في ثلاثة مستويات متداخلة: المستوى التطوري (لماذا نحمل استعداداً للعدوان؟)، المستوى الإدراكي (كيف نُعيد تشكيل صورة الضحية في أذهاننا؟)، والمستوى العصبي (ما الذي يحدث في الدماغ عندما نُقرر إيذاء آخر؟).
أولاً: علم النفس التطوري والعدوان: قراءة نقدية في أطروحة ديفيد باس
يُعد كتاب ديفيد باس "القاتل بجوارك: لماذا العقل مصمم للقتل" من أكثر المحاولات جرأةً لتفسير العنف البشري من منظور تطوري. والفرضية المركزية التي يطرحها باس هي أن "النفس البشرية قد طوّرت تكيفات متخصصة وظيفتها القتل" (باس، القاتل بجوارك، الفصل الأول). وهذا لا يعني أن البشر "مبرمجون" على القتل، بل أن العقل البشري يمتلك دوافع سياقية للعدوان تنشط عندما تظهر تهديدات معينة. ويُحدد باس سبعة سياقات رئيسية للقتل: الدفاع عن النفس، وحماية الذرية، والتنافس على الموارد، والحفاظ على المكانة الاجتماعية، والتعامل مع الخيانة الزوجية، والصراع على الشريك، والصراع على المكانة (باس، القاتل بجوارك، الفصل الثاني).
والنقطة الأهم في تحليل باس هي أن الغالبية العظمى من جرائم القتل يرتكبها أشخاص، حتى يوم ارتكابهم الجريمة، يبدون طبيعيين تماماً (باس، القاتل بجوارك، مقدمة الكتاب). إنهم ليسوا "منحرفين مرضيين ومجرمين عتاة" كما نحب أن نعتقد. وهذا يتقاطع مع تحليل كاثلين تايلور التي ترى أن القسوة "أدعى أن ترتبط بالفشل وليس بالحقد والكراهية كما نظن" (تايلور، القسوة، مقدمة المؤلفة). فالشخص الذي يقتل شريكه بسبب الغيرة، أو يقتل شخصاً في شجار على مكانة اجتماعية، هو شخص فشل في تنظيم انفعالاته، أو في حل مشكلاته بطرق سوية. إنه ليس "شريراً" بالمعنى الميتافيزيقي، بل هو عاجز عن إدارة دوافعه التطورية في سياق اجتماعي معقد.
لكن أطروحة باس تعرضت لانتقادات مهمة. فمن ناحية، يُركز باس على القتل الفردي في سياقات الصراع على الشريك والمكانة، بينما يُهمل القتل الجماعي (الإبادات، الحروب) الذي لا يمكن تفسيره بمنطق التكيف الفردي. ومن ناحية أخرى، فإن الاختزال التطوري قد يُفضي إلى تبرير العنف (باعتباره "طبيعياً")، وهو ما يرفضه باس نفسه. ومع ذلك، فإن إسهامه الأهم يبقى في نزع الطابع الشيطاني عن مرتكب القسوة: فهو ليس "وحشاً"، بل إنسان فشل في السيطرة على دوافعه.
ثانياً: علم الأعصاب والقسوة: ما وراء "الشر"
إذا كان علم النفس التطوري يفسر لماذا قد يكون العقل مهيأ للعدوان، فإن علم الأعصاب يفسر كيف يحدث ذلك على مستوى الدوائر العصبية. تشير الأبحاث إلى أن القسوة المفرطة وغير المبررة ترتبط بخلل في الدوائر الدماغية المسؤولة عن التحكم في الانفعالات واتخاذ القرارات الأخلاقية، وتحديداً في القشرة الجبهية المدارية (OFC) والقشرة الجبهية الوسطى البطنية (vmPFC). هذه المناطق هي المسؤولة عن كبح الدوافع العدوانية، وتقييم العواقب الأخلاقية والاجتماعية للأفعال، وتنظيم الانفعالات.
في كتابها "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري"، تشرح كاثلين تايلور أن الفعل الوحشي غالباً ما يكون نتيجة "فشل" في هذه الدوائر. فالشخص الذي يلجأ إلى القسوة قد يكون قد فشل في كبح الدوافع العدوانية التي تنشأ في مناطق أعمق من الدماغ، مثل اللوزة الدماغية (Amygdala)، التي تُعد مركز الاستجابة للتهديد والخوف. كما قد يكون فشل في تقييم العواقب الأخلاقية والاجتماعية لأفعاله بسبب خلل في القشرة الجبهية (تايلور، القسوة، الفصل الثالث). هذا لا يعني أن كل من يرتكب فعلاً وحشياً لديه تلف دماغي، بل إن الضغوط النفسية والاجتماعية الشديدة يمكن أن تُضعف وظيفة هذه الدوائر مؤقتاً، مما يزيد من احتمالية الاستجابة العدوانية.
وتتقاطع هذه النتيجة مع ما يُعرف بـ "الاعتلال النفسي" (Psychopathy)، وهو اضطراب يتميز بسلوك معادٍ للمجتمع، وغياب الشعور بالذنب أو الندم، وتبلّد عاطفي. تشير الدراسات إلى أن الأفراد المصابين بالاعتلال النفسي لديهم نشاط منخفض في مناطق الدماغ المرتبطة بالتعاطف (مثل القشرة الحزامية الأمامية (ACC) والقشرة الجزيرية (Insula)) عند رؤية معاناة الآخرين. وهذا يسمح لهم بإيذاء الآخرين دون الشعور بالضيق العاطفي الذي يشعر به الشخص العادي (تايلور، القسوة، الفصل الخامس).
لكن من المهم التأكيد على أن الاعتلال النفسي ليس مرادفاً للقسوة. فمعظم مرتكبي الجرائم الوحشية ليسوا مصابين باعتلال نفسي. بل إن العكس هو الصحيح في كثير من الحالات: فالجندي الذي يقتل مدنياً في حرب، أو السجان الذي يعذب سجيناً، أو المواطن الذي يشارك في مذبحة جماعية، قد يكون شخصاً عادياً يعاني من ضغوط نفسية شديدة، أو يخضع لتأثير أيديولوجيا تُبرر العنف، أو يعمل ضمن مؤسسة تُشجع عليه. وهذا ما يجعل فهم القسوة أكثر تعقيداً: فهي ليست مجرد خلل فردي، بل هي أيضاً نتاج سياق.
ثالثاً: التجريد من الإنسانية: الآلية الإدراكية المركزية
كما رأينا في الجزء الأول، فإن "التجريد من الإنسانية" هو الآلية الإدراكية المركزية التي تسمح بفعل القسوة. لكن من المهم هنا فهم كيف يعمل هذا التجريد على المستوى النفسي والعصبي. تشير الأبحاث إلى أنه عندما ينظر شخص إلى آخر كموضوع (object) وليس كإنسان، فإنه يقوم بـ "تعطيل الشبكة التعاطفية" في دماغه. بمعنى آخر، الدماغ يتوقف عن "محاكاة" أو "الاستجابة" لألم الضحية.
وقد ميّزت الدراسات بين شكلين رئيسيين للتجريد من الإنسانية، وهما يتقاطعان مع تحليل ديفيد ليفينغستون سميث في "صناعة الوحوش":
1. التجريد الحيواني (Animalistic Dehumanization): حيث يُنظر إلى الضحية كحيوان (وحش، آفة، فيروس). هذا الشكل يرتبط بـ زيادة كراهية الضحية والاشمئزاز منها، مما يبرر العنف ضدها كعملية "تطهير". وقد استُخدم هذا الشكل في رواندا (حيث سُمي التوتسي "صراصير")، وفي ألمانيا النازية (حيث سُمي اليهود "جرذان"). وفي كلتا الحالتين، كان التجريد الحيواني الخطوة الأولى نحو الإبادة (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الثاني).
2. التجريد الميكانيكي (Mechanistic Dehumanization): حيث يُنظر إلى الضحية كآلة أو أداة. هذا الشكل يرتبط بـ انخفاض إسناد العقل (mind-attribution) للضحية، أي إنكار قدرتها على التفكير والشعور. وقد استُخدم هذا الشكل في العبودية (حيث كان العبيد يُعتبرون "أدوات ناطقة")، وفي معسكرات الاعتقال (حيث كان السجناء يُعتبرون "مواد خام" للعمل أو للإبادة) (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الثالث).
في كلا الشكلين، يتم إلغاء التعاطف بشكل انتقائي. فالشخص الذي جُرّد من إنسانيته لم يعد يستحق التعاطف نفسه الذي نمنحه للبشر الآخرين. وهذا يفسر كيف يمكن لجندي أن يقتل مدنياً بدم بارد، أو لسجان أن يعذب سجيناً، أو لمواطن عادي أن يشارك في مذبحة جماعية.
رابعاً: دور الانفعالات: الغضب، الاشمئزاز، والغيرة
لا تقتصر القسوة على الآليات الباردة للتجريد من الإنسانية والتحكم العصبي. فالانفعالات تلعب دوراً حاسماً في تحفيز السلوك العدواني. يشير علم النفس إلى أن الغضب والاشمئزاز والغيرة والكراهية هي من أقوى المشاعر المرتبطة بالقسوة.
- الغضب: هو استجابة طبيعية للتهديد أو الإحباط أو الظلم. لكنه يتحول إلى قسوة عندما يصبح مزمناً أو مفرطاً، أو عندما يُوجَّه إلى أهداف غير مناسبة (مثل الأطفال أو الحيوانات الأليفة). والغضب المزمن هو أحد أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات العنف المنزلي بين المحاربين القدامى (تايلور، القسوة، الفصل الثاني).
- الاشمئزاز: هو انفعال قوي مرتبط بتجنب السموم والأمراض. لكنه يمكن أن يُوجَّه اجتماعياً نحو جماعات بأكملها (مثل اليهود في ألمانيا النازية، أو التوتسي في رواندا)، مما يؤدي إلى التجريد الحيواني من إنسانيتهم وتبرير إبادتهم. وقد أظهرت دراسات أن الاشمئزاز هو أقوى منبئ بالعدوانية تجاه الجماعات الخارجية، أكثر من الكراهية نفسها (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الرابع).
- الغيرة: هي انفعال قوي مرتبط بالحفاظ على الشريك. وقد أظهرت دراسات ديفيد باس أن الغيرة هي أحد أهم الدوافع وراء جرائم القتل في سياقات العلاقات العاطفية. والغيرة ليست مجرد انفعال عابر، بل هي استراتيجية تطورية تهدف إلى منع الخيانة والحفاظ على الاستثمار الأبوي (باس، القاتل بجوارك، الفصل الثالث).
هذه الانفعالات ليست "شريرة" في حد ذاتها، بل هي إشارات تنبهنا إلى تهديدات أو احتياجات. لكن عندما تفشل الآليات الدماغية في تنظيمها، أو عندما تُستغل من قبل أيديولوجيات معينة، فإنها تتحول إلى محركات للقسوة.
خامساً: السادية والنكروفيلية: عندما يصبح الأذى متعة
إلى جانب الآليات "الباردة" للتجريد والتحكم، هناك شكل من القسوة يكون الأذى فيه هدفاً في حد ذاته، وليس مجرد وسيلة. هذا ما يسميه إريك فروم "العدوان الخبيث"، والذي يشمل السادية والنكروفيلية.
- السادية: هي الحصول على متعة من تعذيب الآخرين وإذلالهم. وليس الهدف منها مجرد تحقيق غاية (مثل الحصول على معلومات)، بل الاستمتاع بمعاناة الضحية. يرى فروم أن الشخصية السادية تتطور عندما يُحرم الفرد من القدرة على تحقيق ذاته بشكل إيجابي، فيلجأ إلى السيطرة المطلقة على آخر كتعويض عن عجزه. والسادية ليست مجرد انحراف جنسي، بل هي نمط شخصية يمكن أن يظهر في مجالات الحياة المختلفة: في العمل، في الأسرة، في السياسة. فالمدير الذي يتلذذ بإذلال مرؤوسيه، والزوج الذي يتلذذ بتحطيم زوجته نفسياً، هما أيضاً ساديان، حتى لو لم يستخدما العنف الجسدي (فروم، قلب الإنسان، الفصل الرابع).
- النكروفيلية: هي "الانجذاب العاطفي إلى كل ما هو ميت، ومتفسخ، ومتعفن، وسقيم". وليس المقصود هنا الانجذاب الجنسي للموتى، بل هو شكل من أشكال الشخصية التي تُعجب بكل ما هو مدمر، وتكره كل ما هو حي. الشخص النكروفيل ينجذب إلى العنف، والدمار، والآلات، ويرى في الحياة شيئاً فوضوياً يجب السيطرة عليه أو تدميره. وقد استخدم فروم هذا المفهوم لتحليل شخصيات مثل هتلر وستالين، معتبراً أن جرائمهم الجماعية لم تكن مجرد نتاج أيديولوجيا، بل تعبير عن بنية شخصية نكروفيلية مدمرة. والنكروفيلية، في نظر فروم، ليست غريزة فطرية، بل هي نتيجة لظروف اجتماعية ونفسية معينة تحول دون تحقيق الإمكانات الإنسانية (فروم، قلب الإنسان، الفصل الخامس).
سادساً: نحو تركيب نفسي-عصبي للقسوة
بناءً على ما سبق، يمكننا الآن بناء نموذج تركيبي للقسوة يدمج بين المستويات التطورية والإدراكية والعصبية والانفعالية:
1. المستوى الأول: الاستعداد التطوري. يمتلك الإنسان دوافع سياقية للعدوان تنشط في ظروف معينة (تهديد الموارد، المكانة، الشريك). هذه الدوافع ليست "شريرة" في حد ذاتها، بل هي استراتيجيات لحل مشكلات تكيفية (باس، القاتل بجوارك، الفصل الأول).
2. المستوى الثاني: التقييم الإدراكي. عندما يواجه الفرد تهديداً، يقوم بتقييم الموقف. وهنا يلعب التجريد من الإنسانية دوراً حاسماً: فإذا تم تصنيف "الآخر" ككائن أدنى (حيوان أو آلة)، فإن التعاطف يُعطَّل، ويصبح العدوان ممكناً (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الثالث).
3. المستوى الثالث: الاستجابة العصبية-الانفعالية. يُنشّط التهديد اللوزة الدماغية، مما يُثير الغضب أو الخوف أو الاشمئزاز. وفي الوقت نفسه، تحاول القشرة الجبهية (القشرة الجبهية الأمامية البطنية الإنسية OFC، vmPFC) كبح هذه الاستجابة. إذا فشلت القشرة الجبهية في أداء وظيفتها (بسبب ضغط، أو تلف، أو تدريب، أو أيديولوجيا)، فإن الاستجابة العدوانية تتغلب (تايلور، القسوة، الفصل الثالث).
4. المستوى الرابع: التنفيذ السلوكي. يقرر الفرد تنفيذ الفعل العدواني. وهنا تلعب الانفعالات (الغضب، الاشمئزاز، السادية) دور المحرك، بينما يلعب التجريد من الإنسانية دور المبرر. وفي بعض الحالات، تصبح القسوة عادة أو إدماناً (كما في السادية)، حيث يُصبح الأذى مصدراً للمتعة في حد ذاته (فروم، قلب الإنسان، الفصل الرابع).
هذا النموذج يُظهر أن القسوة ليست ظاهرة واحدة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين مستويات متعددة. وهذا يعني أن التدخل للحد من القسوة يجب أن يستهدف أكثر من مستوى: فالتدخل التطوري (مثل تحسين الظروف الاقتصادية) قد يُقلل من الدوافع العدوانية. والتدخل الإدراكي (مثل التربية على التعاطف) قد يُقلل من التجريد من الإنسانية. والتدخل العصبي (مثل علاج الاضطرابات النفسية) قد يُحسّن التحكم في الانفعالات. والتدخل الاجتماعي (مثل مكافحة الأيديولوجيات المتطرفة) قد يُقلل من تبرير العنف.
خاتمة الجزء الثاني: القسوة بين الطبيعة والتطبيع
تُظهر هذه المراجعة أن القسوة ليست شراً مطلقاً، ولا هي نتيجة حتمية للطبيعة البشرية. بل هي إمكانية كامنة في كل إنسان، لكنها تُفعَّل أو تُكبح حسب الظروف. والقسوة، في جوهرها، هي فشل: فشل في تنظيم الانفعالات، فشل في التعاطف، فشل في إدارة الصراعات بطرق سوية. وهذا الفهم يُحمل في طياته بشرى حذرة: فإذا كانت القسوة نتاج لظروف معينة، فإن تغيير هذه الظروف قد يُقلل من احتمالية حدوثها. لكنه يحمل أيضاً تحذيراً: فالقضاء على القسوة تماماً قد يكون وهماً، لأنها متجذرة في الطبيعة البشرية نفسها، وفي البنى الاجتماعية التي أنشأناها.
الجزء الثالث: الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية للقسوة
تمهيد: من الفرد إلى الجماعة، من النفس إلى العالم
بعد أن استكشفنا في الجزء الأول الأسس المفاهيمية والفلسفية للقسوة، وفي الجزء الثاني الآليات النفسية والعصبية التي تسمح بحدوثها على المستوى الفردي، ننتقل الآن إلى المستوى الأوسع والأكثر تعقيداً: كيف تتحول القسوة من إمكانية فردية إلى ظاهرة جماعية ممنهجة؟ وكيف تُنتج المجتمعات البشرية، عبر مؤسساتها وأيديولوجياتها وطقوسها وتقنياتها، الظروف التي تجعل التوحش ممكناً، بل ومبرراً؟ هذا السؤال يتطلب الغوص في خمسة أبعاد متداخلة: الأيديولوجيا (كيف تُبرر القسوة؟)، الطقوس (كيف تُنظَّم القسوة جماعياً؟)، التكنولوجيا (كيف تُوسّع القسوة نطاقها؟)، المؤسسات (كيف تُروَّض القسوة وتُصبح وظيفة؟)، والهوية (كيف تُنتَج القسوة دفاعاً عن "نحن" ضد "هم"؟).
أولاً: الأيديولوجيا كأداة لتبرير القسوة وتنظيمها
لا تحدث الجرائم الجماعية بشكل عفوي. فهي تتطلب أيديولوجيا تعمل على تجريد الضحايا من إنسانيتهم، وتبرير العنف ضدهم، وتجنيد المنفذين. تشير الأبحاث في علم النفس السياسي إلى أن الأيديولوجيات المتطرفة لا تعمل فقط على إقناع الأفراد بأفكار معينة، بل تعمل على "دمج الهوية" (identity fusion) للفرد مع الجماعة، مما يخلق "إحساساً غريزياً بالوحدة مع المجموعة". هذا الاندماج يجعل الفرد مستعداً للتضحية بنفسه وبالآخرين باسم الجماعة (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الخامس).
وتُظهر الأيديولوجيات المتطرفة خصائص مشتركة، منها:
- ازدواجية "نحن" مقابل "هم": تصنيف العالم إلى جماعة الخير (نحن) وجماعة الشر (هم).
- الشيطنة: تصوير "الآخر" كشر مطلق، أو كتهديد وجودي، مما يجعل التخلص منه واجباً أخلاقياً.
- اللغة المُجرِّدة: استخدام مصطلحات مثل "صراصير"، "جرذان"، "أعشاب ضارة" لوصف الضحايا، مما يسهل التجريد من الإنسانية.
- الأسطورة التأسيسية: سرد تاريخي يُمجّد التضحيات السابقة ويُبرر العنف الحالي.
في هذا السياق، يمكن فهم تحليل فرانز فانون للاستعمار كأيديولوجيا. فالأيديولوجيا الاستعمارية لم تكن مجرد مبرر اقتصادي، بل كانت نظاماً فكرياً كاملاً يصور المستعمَر ككائن بدائي، وغير عقلاني، وخطير، مما يبرر "رسالة الحضارة" التي تحملها الدول الاستعمارية. وقد أظهر فانون كيف أن هذه الأيديولوجيا لا تكتفي بتبرير العنف، بل تنتجه وتعيد إنتاجه من خلال المؤسسات (المدارس، المستشفيات، الشرطة، الجيش). وفي كتابه "معذبو الأرض"، يصف فانون كيف أن الطب الاستعماري نفسه تحوّل إلى جهاز للتعذيب، وكيف أن الأطباء الفرنسيين استخدموا تقنيات طبية (مثل "حقنة الحقيقة") لتعذيب الأسرى الجزائريين (فانون، معذبو الأرض، الفصل الخامس). هذا المثال يُظهر كيف أن المؤسسات التي يُفترض أنها إنسانية (مثل الطب) يمكن أن تُصبح أدوات للقسوة عندما تخضع لمنطق السلطة والاستعمار.
ويتقاطع هذا مع تحليل أشيل مبيمبي في "الوحشية"، حيث يرى أن الأيديولوجيا النيوليبرالية المعاصرة تُنتج شكلاً جديداً من "التوحش" لا يقتصر على الدول الاستعمارية، بل يمتد ليشمل كل من يُصنّف كـ"زائد عن الحاجة" أو "قابل للاستهلاك". فالأيديولوجيا هنا ليست مجرد خطاب، بل هي تقنية لإدارة الحياة والموت، تعمل على تحويل البشر إلى مادة خام وطاقة قابلة للاستنزاف. ويستخدم مبيمبي استعارة "دكان الحدادة الكبير" لوصف هذا الوضع: فالعالم أصبح ورشة حدادة ضخمة، تُطرق فيها الأجسام والأرواح وتُشكّل حسب متطلبات السوق (مبيمبي، الوحشية، ص. 197).
ثانياً: الطقوس والممارسات الجماعية: دور "التضحية" في تماسك الجماعة
لماذا تمارس الجماعات البشرية العنف الجماعي أحياناً في سياقات طقسية؟ تشير الأنثروبولوجيا وعلم النفس التطوري إلى أن الطقوس، وخاصة تلك التي تتضمن التضحية (بشرية أو حيوانية)، لعبت دوراً محورياً في تعزيز التماسك الاجتماعي وبث الرعب في نفوس الأعداء. فالتضحية البشرية، كما تُظهر الدراسات التاريخية، كانت ممارسة شائعة في العديد من الحضارات القديمة (الفينيقية، القرطاجية، الأمريكية الوسطى).
من منظور نفسي، يمكن فهم الطقوس العنيفة على أنها آلية لخلق "نحن" قوية. فالمشاركة في فعل عنيف جماعي، أو مشاهدته، تخلق حالة عاطفية مشتركة (رعب، نشوة، انتماء) تربط أفراد الجماعة ببعضهم البعض. وقد أظهرت دراسة من جامعة كولورادو أن الأشخاص الذين شاركوا في طقوس تضحية كانوا أكثر عرضة للتحريض الجنسي والعنف، مما يشير إلى وجود ارتباط بين الممارسات الطقسية العنيفة والاستثارة العاطفية التي قد تعزز السلوك العدواني (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الرابع).
في العالم المعاصر، لم تختفِ الطقوس العنيفة، بل اتخذت أشكالاً جديدة. فالمذابح الجماعية، وعمليات الإعدام العلنية، وحتى بثّ مشاهد العنف عبر وسائل الإعلام الرقمية، يمكن أن تُؤدي وظائف طقسية مشابهة: تعزيز الانتماء إلى "نحن" مقابل "هم"، وإرهاب الخصوم، وخلق شعور جماعي بالهوية. ويصف مبيمبي كيف أن "الوحشية" في العصر الرقمي تُصبح طيفاً يخترق الشاشات، ويُنتج "أجساماً-صوراً" (corps-images) تُبثّ وتُستهلك جماعياً. فالمشاهد الذي يرى جسداً يُعذَّب على شاشة هاتفه، يُشارك، بشكل ما، في الطقس الجماعي للعنف، حتى لو لم يكن حاضراً جسدياً (مبيمبي، الوحشية، ص. 116-117).
ثالثاً: التكنولوجيا والقسوة: من "الحدادة الكبرى" إلى "القتل عن بُعد"
يُولي أشيل مبيمبي في "الوحشية" اهتماماً خاصاً لدور التكنولوجيا في تشكيل أشكال القسوة المعاصرة. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أداة محايدة، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من منطق التوحش نفسه. ويستخدم مبيمبي استعارة "دكان الحدادة الكبير" لوصف هذا الوضع: فالعالم أصبح ورشة حدادة ضخمة، تُطرق فيها الأجسام والأرواح وتُشكّل حسب متطلبات السوق (مبيمبي، الوحشية، ص. 197).
ومن أبرز مظاهر هذا التداخل بين التكنولوجيا والقسوة:
- القتل عن بُعد (Drones): سمحت طائرات بدون طيار بالقتل دون مواجهة مباشرة مع الضحية. هذا الفصل المكاني يقلل من التعاطف ويزيد من سهولة اتخاذ قرار القتل، لأن الفاعل لا يرى وجوه الضحايا ولا يسمع صرخاتهم. وقد وصف مبيمبي هذا بأنه "قتل بلا جسد"، حيث يتحول الضحية إلى هدف رقمي على شاشة (مبيمبي، الوحشية، ص. 99).
- الخوارزميات والذكاء الاصطناعي: تُستخدم الخوارزميات في فرز السكان، وتحديد الأهداف، وإدارة الحدود. وتُصبح هذه العمليات أكثر خفاءً ولا شخصية، مما يجعل القسوة تبدو وكأنها قرار تقني وليس فعل أخلاقي. ويُشير مبيمبي إلى أن "الرقمنة" تُعيد تشكيل الجسد البشري نفسه، فتحوّله إلى بيانات قابلة للتصنيف والفرز والاستبعاد (مبيمبي، الوحشية، ص. 90).
- العنف الرقمي: من التنمر الإلكتروني إلى التحرش الرقمي، ومن نشر مقاطع الفيديو الوحشية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتزييف الصور (Deepfakes)، أصبحت التكنولوجيا تُوفر أدوات جديدة للقسوة، وتُوسع نطاق الضحايا، وتُقلل من المسؤولية الأخلاقية للفاعل.
وتتقاطع هذه النقطة مع تحليل كاثلين تايلور، التي ترى أن القسوة "اليومية" التي قد نمارسها جميعاً في ظروف معينة (كالغضب، الغيرة، الشعور بالرفض الاجتماعي) ترتبط بتنشيط مناطق مثل اللوزة الدماغية والقشرة الحزامية الأمامية. وفي بيئة رقمية تُشجع على التعبير الفوري عن الغضب والكراهية، وتُقلل من الرقابة الاجتماعية، يصبح من السهل تحويل هذه الانفعالات إلى سلوك عدواني، سواء كان لفظياً أو رمزياً (تايلور، القسوة، الفصل السادس).
رابعاً: القسوة في "المؤسسات": عندما يصبح العنف وظيفة
لا تقتصر القسوة على الأفراد أو الجماعات غير الرسمية. فالمؤسسات (مثل الجيش، والشرطة، والسجون، ومعسكرات الاعتقال) هي أماكن مُنتِجة للقسوة، حيث يصبح العنف وظيفة يومية وروتيناً. في هذه المؤسسات، يتم تدريب الأفراد على التجريد من الإنسانية، والطاعة العمياء، واستخدام العنف كأداة لحل المشكلات.
ويصف فانون في "معذبو الأرض" كيف أن الطب الاستعماري نفسه تحوّل إلى جهاز للتعذيب، وكيف أن الأطباء الفرنسيين استخدموا تقنيات طبية (مثل "حقنة الحقيقة") لتعذيب الأسرى الجزائريين (فانون، معذبو الأرض، الفصل الخامس). هذا المثال يُظهر كيف أن المؤسسات التي يُفترض أنها إنسانية (مثل الطب) يمكن أن تُصبح أدوات للقسوة عندما تخضع لمنطق السلطة والاستعمار.
وفي عالم اليوم، تُظهر تقارير المنظمات الحقوقية كيف أن معسكرات الاعتقال ومراكز الاحتجاز (مثل تلك الموجودة في غوانتانامو او أبو غريب على سبيل المثال) تُنتج أشكالاً من القسوة مُمنهجة ومُستمرة، حيث يُحرم المحتجزون من أبسط حقوقهم الإنسانية، ويُعاملون كـ"أشياء" لا كبشر. ويُشير مبيمبي إلى أن الحدود نفسها أصبحت "أجساماً-حدوداً" (corps-frontières)، حيث تُدار عمليات الفرز والطرد والاحتجاز بشكل آلي، وتتحول الأجسام البشرية إلى نفايات يجب التخلص منها (مبيمبي، الوحشية، ص. 198-199).
خامساً: الهوية والانقسام: عندما يصبح "الآخر" تهديداً وجودياً
أخيراً، لا يمكن فهم القسوة الجماعية دون فهم دور الهوية. ففي كثير من الصراعات، لا يكون العنف بدافع المصلحة المادية فقط، بل بدافع الدفاع عن الهوية ضد "آخر" يُنظر إليه كتهديد وجودي. وتشير نظرية الهوية الاجتماعية إلى أن انخراط الأفراد في سلوك جماعي عنيف "لا ينبع فقط من قناعة أيديولوجية أو مصالح ما، بل من الشعور بالانتماء".
وعندما تُصبح الهوية مهددة، فإن الجماعة قد تلجأ إلى أشكال متطرفة من العنف للدفاع عن نفسها. وفي هذا السياق، يُصبح "الآخر" ليس مجرد خصم، بل تهديد لبقاء الجماعة. وهذا ما يفسر كيف يمكن لجماعات بأكملها أن تشارك في الإبادة الجماعية، ليس بدافع الكراهية الفردية، بل بدافع الخوف الوجودي على الهوية الجماعية.
وهنا يعود إريك فروم ليُذكّرنا بأن النرجسية الجماعية (collective narcissism) هي أحد أخطر مصادر العدوان. فعندما تُصاب الجماعة بـ "جرح نرجسي" (مثل الهزيمة في حرب، أو فقدان المكانة)، فإنها قد تلجأ إلى العنف كوسيلة لاستعادة صورتها المثالية عن نفسها. وهذا ما يفسر صعود الحركات القومية المتطرفة في فترات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية (فروم، قلب الإنسان، الفصل السادس).
ويتقاطع هذا مع تحليل ديفيد ليفينغستون سميث في "صناعة الوحوش"، حيث يرى أن التجريد من الإنسانية يبدأ بتصنيف "الآخر" كعضو في جماعة خارجية (out-group) يُنظر إليها كتهديد. ويستخدم سميث مثال رواندا حيث تم تصنيف التوتسي كـ"صراصير" قبل إبادتهم. هذا التصنيف لم يكن مجرد استعارة، بل كان آلية إدراكية أعادت تشكيل الطريقة التي يعالج بها الدماغ الضحية، فحوّلته من كائن واعٍ ومتألم إلى شيء لا يستحق التعاطف (سميث، صناعة الوحوش، الفصل الثاني).
خاتمة شاملة: نحو فهم متعدد المستويات للقسوة والتوحش
تُظهر هذه الدراسة أن القسوة والتوحش من الإنسان تجاه الإنسان ليستا ظاهرة واحدة، بل هما نتاج تفاعل معقد بين:
- البنى العالمية (الرأسمالية النيوليبرالية، الاستعمار، التوحش كما يصفه مبيمبي).
- الآليات الإدراكية والنفسية (التجريد من الإنسانية، تعطيل التعاطف، السادية، النكروفيلية).
- العمليات العصبية (خلل في دوائر التحكم والانفعال).
- الظروف الاجتماعية والسياسية (الأيديولوجيا، الطقوس، المؤسسات، التكنولوجيا).
- الانفعالات والهويات (الغضب، الاشمئزاز، الخوف، النرجسية الجماعية).
وهذا الفهم متعدد الأبعاد يُحمل في طياته بشرى حذرة: فإذا كانت القسوة نتاج لهذه العوامل، فإن التدخل في أي من هذه المستويات قد يُساعد في الحد منها. لكنه يحمل أيضاً تحذيراً: فالقضاء على القسوة تماماً قد يكون وهماً، لأنها متجذرة في الطبيعة البشرية نفسها، وفي البنى الاجتماعية التي أنشأناها. وتبقى المهمة الأخلاقية والسياسية الكبرى هي بناء نظم ومؤسسات وثقافات تُقلل من احتمالية تفعيل هذه الإمكانية المدمرة، وتُعزز بدلاً منها التعاطف والكرامة الإنسانية.
إن "الوحشية"، كما يُصورها مبيمبي، ليست مجرد عرض جانبي للحداثة، بل هي جوهرها في نسختها النيوليبرالية. والقسوة، كما تُظهر تايلور، ليست شراً ميتافيزيقياً، بل فشلاً في إدارة الانفعالات والعلاقات. والإنسان، كما يقول فروم، ليس شريراً بطبيعته، بل هو كائن حيوي يميل إلى الحياة، لكنه قد يتحول إلى نكروفيل عندما تُخنق إمكاناته. وهذا يعني أن مقاومة التوحش تبدأ بـ فهم آلياته، وتنتهي بـ بناء ثقافة الحياة التي تُعزز التعاطف والكرامة والحرية.
***
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
....................
ثبت المراجع
1. مبيمبي، أشيل. الوحشية: فقدان الهوية الإنسانية. ترجمة د. نادرة السنوسي. (النسخة الإلكترونية المرفقة).
2. تمت الإشارة إلى الصفحات: 22، 24، 37، 59، 90، 99، 116-117، 197، 198-199.
3. تايلور، كاثلين. القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري. ترجمة فردوس عبد الحميد البهنساوي. المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2014. (تمت الإشارة إلى الفصول: المقدمة، الثاني، الثالث، الخامس، السادس. (أرقام الصفحات الدقيقة تتطلب الرجوع إلى الطبعة المذكورة).
4. باس، ديفيد م. القاتل بجوارك: لماذا العقل مصمم للقتل. (Buss, David M. The Murderer Next Door: Why the Mind Is Designed to Kill. Penguin Press, 2005). (تمت الإشارة إلى الفصول: الأول، الثاني، الثالث. (الترجمة العربية غير متوفرة لدي؛ الإشارات إلى الفصول بالإنجليزية).
5. فروم، إريك. قلب الإنسان: قدرته العبقرية على فعل الخير وفعل الشر. (Fromm, Erich. The Heart of Man: Its Genius for Good and Evil. 1964). (تمت الإشارة إلى الفصول: الثالث، الرابع، الخامس، السادس.
6. فانون، فرانز. معذبو الأرض. (Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. 1961).تمت الإشارة إلى الفصلين: الأول، الخامس.
7. سميث، ديفيد ليفينغستون. صناعة الوحوش: كيف يُجرَّد البشر من إنسانيتهم. ترجمة سلمى الحافي. دار الساقي، 2025.
8. ويلسون، كولن. التاريخ الإجرامي للجنس البشري. ترجمة رفعت السيد علي. المركز القومي للترجمة.








