حكايات سلفادورية من مقهى "بان بان"
بدأت حكايتي مع السلفادور (El Salavdor) لحظة وطأت قدماي أرض صالة الوصول الجديدة في مطارها الدولي “سان أوسكار أرنولفو روميرو إي غالداميز”. فما إن استقرت قدمي على بلاط تلك القاعة الفخمة حتى أدركت أنني لست أمام مجرد بوابة جوية، بل أمام بيان سياسي صيغ بالزجاج والحديد، يروي قصة دولة قبل أن تنطق ألسنتنا بسؤالها. افتتحت القاعة الجديدة في يونيو/حزيران 2026، قبيل وصولي بأسابيع قليلة، بعد إنجازها في ثمانية أشهر وبتكلفة بلغت خمسين مليون دولار. كانت فسيحة، لامعة، شديدة التنظيم، ومصممة لتقول للزائر، منذ اللحظة الأولى، إن السلفادور لم تعد ذلك البلد الصغير الذي ارتبط اسمه طويلا بالحرب الأهلية والعصابات والهجرة والفقر. لم يكن المطار مجرد مشروع لتوسيع قدرته الاستيعابية أو تسريع إجراءات المسافرين، بل كان واجهة لمشروع الرئيس نجيب بوكيلي، وإعلانا ماديا عن الصورة التي تريد حكومته ترسيخها في الداخل والخارج: دولة آمنة، حديثة، واثقة بنفسها، وقادرة على الإنجاز بسرعة. لكن ما إن خرجت من المطار وابتعدت عن لمعان زجاجه وأضوائه حتى بدأت صورة أخرى تتكشف أمامي. أدركت أن تلك الحداثة المبهرة ليست الحكاية كلها، بل الصفحة الأولى فقط من كتاب تضج صفحاته بالتناقضات.
بدت زيارتي للسلفادور رحلة بين عالمين متجاورين: بلد صغير يتعانق فيه الطموح مع المعاناة، وتتقابل فيه واجهات الحداثة المعروضة مع شوارع أنهكها الفقر المعاش؛ من محطة جوية جديدة تتلألأ كأنها تنتمي إلى المستقبل، إلى محطات حافلات شعبية مكتظة بالوجوه المتعبة، ومن أحياء متآكلة ومبان تنوء تحت غبار السنين، إلى ساحات استعمارية باذخة تلمع كجزر من زمن آخر. وفي قلب العاصمة سان سلفادور (San Salvador)، تقف ساحاتها التاريخية شاهدة على هذا التناقض الأبدي. ففي ساحة الحرية (Plaza Libertad)، التي افتتحت عام 1911 تخليدا لاستقلال أمريكا الوسطى، يتربع نصب تعلوه هيئة ملاك يرمز إلى الحرية. وعلى مقربة منها، في النسيج التاريخي نفسه، تنتصب أبرز معالم العاصمة، ومنها الكاتدرائية لمتروبوليتانية (Catedral Metropolitana)، والمسرح الوطني (Teatro Nacional)، والقصر الوطني .(Palacio Nacional) غير أن المرء ما إن يشيح ببصره قليلا عن بهاء هذه المباني حتى تمتد أمامه الأسواق الشعبية المزدحمة والأحياء الفقيرة المتناثرة في محيط المدينة. هناك يمضي السلفادوريون العاديون في تفاصيل حياتهم اليومية تحت وطأة الفقر والضجيج، حاملين أملا عنيدا يراوغ اليأس ولا يستسلم له تماما.
وفي قلب هذا المركز التاريخي، استوقفتني مكتبة السلفادور الوطنية الجديدة، المعروفة باسم “بينايس” (BINAES)، شامخة ككتلة مضيئة من الزجاج والصلب وسط المباني العتيقة. ويستقبل الزائر عند مدخلها لوح تذكاري يعلن أن هذا الصرح هدية من جمهورية الصين الشعبية إلى شعب السلفادور. ولا تبدو هذه العبارة مجرد تعريف بالجهة المانحة، بل إعلانا سياسيا ودبلوماسيا محفورا في واجهة المدينة. فالمكتبة، بضخامتها وحداثتها وإضاءتها المتوهجة، تكاد تطغى بصريا على ساحة خيراردو باريوس (Plaza Gerardo Barrios) المحيطة بها، بل تنافس بحضورها المهيب القصر الوطني والكاتدرائية وغيرهما من المعالم التي شكلت طويلا وجه العاصمة ورموز سلطتها. بدا المبنى كأنه لا يكتفي بالانضمام إلى المشهد العمراني، بل يعيد ترتيب موازين القوة داخله: الماضي ممثلا في القصر والساحات القديمة من جهة، وحاضر جديد تتجسد فيه لغة النفوذ الدولي ومشروعات التحديث من جهة أخرى.
ومع ذلك، لم أر في هذا الصرح شاهدا على توجه ثابت أو أبدي نحو بكين، ولا تعبيرا حصريا عن الحكومة الحالية. فالمكتبة تذكر أيضا بأن التحالفات الدبلوماسية في البلدان الصغيرة قد تتبدل بتبدل الحكومات وموازين القوى والمنتصرين في الانتخابات. أمام ذلك الصرح المهيب، شعرت أن العمارة قد تحولت إلى لغة سياسية صامتة. فهذه ليست مكتبة فحسب، بل نصب للحداثة، وشاهد على تقلب التحالفات الدولية، ورسالة تقول إن القوى الكبرى لا تترك بصماتها في البلدان الصغيرة بالاتفاقيات وحدها، بل بالمباني التي تغير أفق المدينة وتكاد تحجب ما سبقها من رموز. هناك، حيث يتجاور الزجاج الحديث مع حجارة القصر الوطني، شعرت بأنني أمشي فوق طبقات متراكمة من الزمن السياسي؛ لكل طبقة دولة راعية، وحكومة، وعهد، ورؤية مختلفة للمستقبل.
عد العاصمة، أمضيت أربعة أيام في مدينة سانتا آنا (Santa Ana)، متخذا منها قاعدة لاكتشاف غرب السلفادور. ومنها انطلقت إلى موقع تازومال (Tazumal) الأثري في مدينة تشالتشوابا (Chalchuapa)، أين تقف الأهرامات الداكنة شاهدة على ازدهار حضارة المايا وعلى عالم كان قائما هنا قبل وصول الغزاةالإسبان(los conquistadores) بقرون طويلة. وتندرج هذه الزيارة ضمن رحلتي البحثية حول الأطلال والمدن المفقودة عبر العالمين الوسيط والحديث المبكر.
ثم زرت خويا دي سيرين (Joya de Cerén)، وهي قرية زراعية قديمة دفنها ثوران بركاني تحت طبقات من الرماد، فحفظ مبانيها وأدوات سكانها وتفاصيل حياتهم اليومية طوال قرون. ولهذا تعرف خويا دي سيرين بلقب «بومبي الأمريكتين» (Pompeii of the Americas)، تشبيها بمدينة بومبي الإيطالية التي جمدها بركان فيزوف داخل لحظة من الزمن.لكن الفارق الإنساني بين الموقعين لافت. ففي حين عثر في بومبي على بقايا ضحايا الثوران، لم تكتشف في خويا دي سيرين جثث بشرية، مما يرجح أن سكان القرية تمكنوا من الفرار قبل أن يطمر الرماد منازلهم. وهكذا لم تحفظ لنا القرية موتهم، بل حفظت آثار حياتهم: الأواني، ومخازن الطعام، والأدوات الزراعية، والمطابخ، والبيوت المتواضعة التي تتيح لنا أن نرى كيف عاش الناس العاديون في عالم المايا. لم تكن خويا دي سيرين حكاية ملوك وقصور وجيوش، بل حكاية بشر يزرعون ويطهون ويخزنون محاصيلهم، ثم غادروا بيوتهم في لحظة خوف وتركوا وراءهم حياة كاملة حفظها الرماد.
وبعد أيام من التنقل بين الأهرامات والآثار والقرى التي نهضت من تحت الرماد، كنت أعود إلى سانتا آنا وإلى مقهى بان بان (Café Ban Ban)، بالقرب من ساحتها التاريخية. كان الاسم مكتوبا بوضوح على لافتته، بسيطا وموسيقيا: بان بان. هناك، في ذلك المقهى الذي يشهد على حياة المدينة ونبضها اليومي، أخذت تفاصيل الرحلة المتناثرة تجتمع في ذهني: المطار الجديد، وساحات العاصمة، والمكتبة الصينية المهيبة، وأحياء الفقر، وأهرامات المايا، والحكايات التي سمعتها من السلفادوريين.
وفي أمسيتي الأخيرة في السلفادور، جلست في مقهى بان بان أشارك أسرتي وأصدقائي المقربين، عبر هاتفي، بعض التسجيلات المصورة التي التقطتها خلال الرحلة. كانت اللقطات تنتقل من بهاء الساحات التاريخية إلى بؤس الأحياء المترامية حولها، ثم إلى صمت آثار تازومال وبيوت خويا دي سيرين التي أنقذها الرماد من النسيان، كأنها تختصر في دقائق قليلة سيرة بلد كامل. وأمام ذلك التناوب الموجع بين الروعة والحرمان، وبين الحاضر المضطرب والماضي المدفون تحت البراكين، لم أستطع مقاومة الرغبة في تدوين تأملاتي عن هذا البلد الصغير الذي حملني في رحلة حافلة بالدهشة والتناقضات والحكايات التي لا تنتهي.
وهنا توقف بي التأمل عند اسم هذا البلد العجيب: إل سالفادور (El Salvador)، أي «المخلص» أو «المنقذ»، في إشارة صريحة إلى السيد المسيح عليه السلام. وما إن تطأ قدمك أرضه حتى ترى كيف تتجسد دلالة الاسم في كل زاوية. فالتدين المسيحي، ولا سيما الكاثوليكي، يعلن عن نفسه بجرأة وجمال في آن واحد: كنائس تعانق السماء، وتماثيل لمريم العذراء تراقب المارة من واجهات المنازل، وصلبان من الحديد والخرسانة تتربع فوق التلال كأنها تبارك الأرض من علو.
وفي المتاجر الصغيرة والعربات الخشبية التي تبيع البوبوسا (Pupusa)، ذلك الطبق الوطني الشهير المصنوع من عجين الذرة والمحشو بالجبن أو الفاصولياء أو اللحم، تجد صور القديسين معلقة على الجدران، وأيقونات العذراء ترافق الباعة في سعيهم وراء الرزق اليومي. يبدو الإيمان هنا أكثر من مجرد مجموعة من الشعائر؛ إنه جزء من نسيج الحياة نفسها، حاضر في الطعام والعمل واللغة والزينة والذاكرة الجماعية. وقد تسلّل هذا التديّن من الكنائس والبيوت إلى واجهات المتاجر والبوتيكات الصغيرة وسيارات الأجرة، بل امتدّ إلى الحافلات الشعبية الشهيرة التي أطلق عليها السيّاح الأمريكيون اسم «حافلات الدجاج» (Chicken Buses). وهي في الأصل حافلات مدرسية أمريكية قديمة أُخرجت من الخدمة في الولايات المتحدة، ثم بيعت ونُقلت إلى بلدان أمريكا الوسطى، والتي وجدت موطنا جديدا وأُعيد استخدامها لنقل الركاب. ويكسوها أصحابها بألوان زاهية ورسوم وزخارف وعبارات دينية وآيات من الكتاب المقدس وصور القديسين والصلبان والورود، حتى لتبدو كلّ واحدة منها كأنها كنيسة متنقّلة تبشّر بالخلاص وهي تشقّ طريقها وسط زحام المدينة وفوضاها
ولو شاهد هذه الحافلات بعض أنصار الحداثة الشكلية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ممن اعتادوا مظاهر العصرنة الرتيبة، فلعلهم سيتوجسون من هذا الفيض البصري: ألوان صاخبة، وصلبان تزين كل ركن، وعبارات دينية مكتوبة بأحرف لاتينية ملونة فوق خلفيات مزدحمة. أما هنا، فلا يبدو المشهد نشازا، بل تعبيرا صادقا عن مجتمع لم يفصل تماما بين المقدس واليومي، ولا بين الإيمان والسعي في طرقات الحياة.
وفي مقهى بان بان، اختلط عبق القهوة برائحة الإسمنت والغبار. ففي محيط ساحة سانتا آنا كانت مشروعات الترميم تمتد في كل اتجاه: واجهات تنفض عنها غبار السنين، وأرصفة يعاد رصفها، وشوارع تعيد آلات البناء صياغتها. بدت المدينة كلها كأنها تمر بمخاض ولادة جديدة، تعيد تشكيل وجهها تحت قيادة رجل يثير من الجدل بقدر ما يثير من الإعجاب: نجيب أرماندو بوكيلي أورتيز .(Nayib Armando .Bukele Ortez). ولد بوكيلي في سان سلفادور في 24 يوليو/تموز 1981، وهو سياسي ورجل أعمال ينحدر من عائلة ذات أصول فلسطينية. فجده لأبيه ولد في القدس، وجدته من بيت لحم، وقد هاجرا إلى السلفادور في مطلع القرن العشرين. أما والده، أرماندو بوكيلي قطان، فقد اعتنق الإسلام وأصبح إماما وشخصية بارزة في المجتمع المسلم السلفادوري. وفي بلد يحمل اسم المسيح ويحكمه رئيس ذو جذور عربية وفلسطينية، يتجلى تناقض آخر من تناقضاته الكثيرة: كيف تجتمع رمزية «المخلص»، وسياسات حالة الاستثناء، ومشروعات التحديث والترميم، والذاكرة الفلسطينية، في بوتقة وطنية واحدة؟
ولعل أكثر ما أثار دهشتي في شخصية بوكيلي ذلك الانتقال الرمزي الحاد من ذاكرة عائلية فلسطينية تمتد جذورها إلى القدس وبيت لحم، إلى اصطفاف واضح إلى جانب إسرائيل بلغ حد الخضوع الكاريكاتوري للصهيونية، ولا سيما في ظل المأساة الإنسانية المتواصلة في غزة. ووهذا لعمري تناقض كاركاتوي فاضح يتجاوز شخص بوكيلي ليعكس موجة سياسية أوسع أعادت رسم خريطة أمريكا اللاتينية والوسطى خلال سنوات قليلة: خافيير ميلي في الأرجنتين، ودانيال نوبوا في الإكوادور، ونجيب بوكيلي في السلفادور، وخوسيه راؤول مولينو في بنما، وسانتياغو بينيا في باراغواي، ثم رودريغو باز في بوليفيا، وخوسيه أنطونيو كاست في تشيلي، ونصري عصفورة في هندوراس، ولورا فرنانديز في كوستاريكا، وكيكو فوجيموري في البيرو، وأخيرا أبيلاردو دي لا إسبرييلا في كولومبيا. وعلى الرغم من اختلاف هذه الحكومات في درجات يمينيتها وبرامجها الداخلية، فإن كثيرا منها يلتقي عند التشدد الأمني، والقرب من واشنطن، والخطاب المحافظ، والميل إلى توثيق العلاقات مع إسرائيل. وكان التحول في تشيلي وكولومبيا لافتا على نحو خاص. فقد انتقل البلدان، بعد تغير قيادتيهما، من حكومتين عرفتا بانتقادهما الشديد للحرب الإسرائيلية على غزة إلى قيادتين يمينيتين تسعيان إلى إعادة بناء العلاقات مع إسرائيل. ولم تعد السياسة الخارجية، في هذا السياق، انعكاسا لموقف أخلاقي ثابت بقدر ما أصبحت امتدادا للهوية الإيديولوجية للحكومة المنتخبة ولعلاقتها بواشنطن.
في تلك الأمسية، جرني شاب إلى حديث شيق بعدما لاحظ فضولي، فسألني من أين أتيت. وحين أخبرته أنني قادم من تونس، تلألأت عيناه باهتمام لم أتوقعه. ثم عرفني بنفسه: أنيبال باكيرو إيرنست .(Aníbal Bakero Ernest) استوقفني اسمه الكامل. فاسمه الأول أحالني فورا إلى حنبعل، القائد القرطاجي الذي خرج من الأرض التي تعرف اليوم بتونس، والذي أصبح اسمه في الإسبانية واللغات الأوروبية «أنيبال» (Aníbal وفجأة، بدا الاسم كأنه جسر صغير ممتد بين ضفتي تاريخ بعيد: بين قرطاج وأمريكا الوسطى.أما «باكيرو» (Bakero)، فقد أيقظ في أذني صدى اسم «أبي بكر»، بما يحمله من حضور راسخ في الذاكرة العربية والإسلامية. ومع ذلك، كان هذا التشابه كافيا ليجعل الاسم يبدو مألوفا وغريبا في آن واحد: «أنيبال» يعيدني إلى قرطاج، و«باكيرو» يوقظ في داخلي صدى «أبي بكر»، وكأن اسم رجل سلفادوري التقيته مصادفة قد جمع، في لحظة واحدة، شظايا من تاريخ البحر الأبيض المتوسط والعالم العربي وأمريكا الوسطى.
لم أكن أبحث عن إثبات نسب لغوي بقدر ما كنت أنصت إلى ما أثاره الاسم في الذاكرة؛ فالأسماء، حتى حين لا تجمعها قرابة حقيقية، تستطيع أن تخلق قرابة وجدانية بين الغرباء. وهكذا غدا اسم «أنيبال باكيرو» جسرا متخيلا يمتد بين قرطاج وبلاد الأندلس وأمريكا الوسطى، جامعا بين أمكنة وأزمنة لم أتصور أن تلتقي يوما على طاولة مقهى في السلفادور.
ثم انتقل حديثنا إلى اسم بوكيلي وأصوله الفلسطينية، وإلى أثر الهجرات العربية التي وصلت إلى أمريكا اللاتينية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. أدركت أن الأسماء لا تسافر دائما بالطريقة نفسها؛ فبعضها حملته الكتب والذاكرة الكلاسيكية، وبعضها الآخر حمله المهاجرون في جوازاتهم وصلواتهم وحكاياتهم العائلية. لكنها حين تستقر في أرض جديدة تكتسب حياة جديدة من دون أن تفقد تماما صدى موطنها الأول. في تلك اللحظة، وسط مدينة بعيدة في أمريكا الوسطى، شعرت أن إرث الفينيقيين والقرطاجيين، ثم تاريخ الأندلس والهجرات العربية اللاحقة، قد أصبح فجأة قريبا. لم تعد المسافات بين تونس والسلفادور تقاس بآلاف الكيلومترات، بل باسم يتردد على طاولة في مقهى.تحدث أنيبال عن بلاده بفخر مشوب بالحذر. حدثني عن الأيام القاسية التي عاشها السلفادوريون تحت وطأة عصابات المارا، وعن الخوف الذي كان يسكن الأزقة والمنازل ومحطات الحافلات. وتحدث عن «الحدود غير المرئية» التي كانت تفصل بين الأحياء، بحيث قد يعني عبور شارع واحد الانتقال إلى منطقة تسيطر عليها عصابة أخرى، وقد يتحول الخروج من المنزل إلى مغامرة محفوفة بالموت.
ثم تحدث عن التحول الذي أعقب فرض بوكيلي حالة الاستثناء في مارس/آذار 2022، وعن عشرات الآلاف الذين اعتقلوا للاشتباه في انتمائهم إلى العصابات أو ارتباطهم بها، وعن أيام أصبحت تمر من دون تسجيل جرائم قتل. كان صوته يحمل ارتياح من استعاد شيئا كان يظنه مفقودا إلى الأبد، لكنه كان يحمل أيضا ذلك الحذر الذي يرافق الحديث عن السلطة حين تصبح قوية إلى هذا الحد. ولم يكن أنيبال وحده من روى لي هذه الحكاية. فكل سائق أوبر صادفته تقريبا كان يحمل رواية عن حي كان محظورا، أو قريب نجا من عنف المارا، أو جار دفع حياته ثمنا لرفضه الخضوع للعصابات. كانوا يتحدثون عن شعور بالحرية لم يعرفوه منذ عقود: حرية السير ليلا، وفتح متجر صغير، وزيارة قريب يسكن في حي آخر، وترك الأطفال يلعبون خارج المنازل.
ومع أن الحديث عن الوجه الآخر للسياسة الأمنية، بما يتضمنه من اعتقالات تعسفية محتملة، وغياب للإجراءات القانونية الكافية، وتركيز للسلطة، لم يكن سهلا في المناخ السياسي الراهن، فإن التحول الأمني نفسه كان ملموسا. كان حاضرا في نبرات الناس، وفي نظرات ارتياحهم، وفي الطريقة التي يروون بها الماضي كما لو كان كابوسا ابتعد أخيرا، وإن لم تتضح بعد الكلفة الكاملة للاستيقاظ منه.
أشار أنيبال خصّيصا إلى حي لا كامبانيرا (LaCampanera) في مدينة سويابانغو (Soyapango) والذي صفه بأنه كان من أخطر أحياء السلفادور، ومكانا حكمته طويلاأخطر عصابتين متنافستين في السلفادور وهما مارا سالفاتروتشا (Mara Salvatrucha – MS-13) وعصابة الحي الثامن عشر (Barrio 18). أما اليوم، وفق ما يرويه السكان، فقد عادت عائلات إلى منازلها، وأصبح الأطفال يلعبون في ملاعب جددت، وصارت النساء يسرن في الشوارع بأمان أكبر. ذلك الشعور بالأمان هو مفتاح الشعبية التي يتمتع بها بوكيلي. فبالنسبة إلى كثير من السلفادوريين، لا يقاس حكمه أولا بالنظريات الدستورية أو بتقارير المنظمات الدولية، بل بسؤال يومي شديد البساطة: هل أستطيع أن أخرج من منزلي وأعود حيا؟ ومن عاش سنوات تحت سلطة العصابات يدرك أن هذا السؤال، على بساطته، قد يطغى على كل الأسئلة الأخرى.
وهكذا اكتملت أمامي صورة بدأت في المطار: صالة وصول جديدة تعلن ولادة دولة حديثة، ومدن ترمم واجهاتها، وشوارع استعادت قدرا من الأمن؛ وفي الجهة الأخرى، أحياء فقيرة، وأسواق مزدحمة، وسجون امتلأت بعشرات الآلاف، وأسئلة ثقيلة عن الحرية والعدالة وحدود السلطة. إنه مشروع سياسي مكتوب بالحجر والإسمنت، لكنه مكتوب أيضا في وجوه الناس، وفي صمتهم، وفي الحكايات التي يختارون روايتها أو يخشون البوح بها.
وفي مقهى بان بان، كان ا الزوار الغرباء والميسورون المحليون يجلسون إلى طاولات متقاربة، بينما تمتد مشروعات الترميم خارج النوافذ لتعيد تشكيل المدينة. وفي العاصمة تحمل المكتبة الحديثة بصمة الصين، ويحمل الرئيس اسما ذا إيقاع عربي ووعدا سلفادوريا، وتجوب حافلات الدجاج الشوارع باسم المسيح، وتختلط أيقونات العذراء برائحة البوبوسا والقهوة والغبار. وفي أطراف البلاد، تظل أهرامات المايا قائمة، بينما تحفظ قرية تحت الرماد تفاصيل حياة أناس رحلوا منذ قرون. هناك شعرت بأنني أقف عند مفترق طرق تاريخي، أشاهد شعبا يعيد كتابة حكايته بيديه، فيما تحاول السلطة أن تختار لتلك الحكاية عنوانها وصورتها الأولى. حكاية تبدأ في مطار لامع يشبه إعلانا سياسيا، ثم تنساب إلى شوارع يختلط فيها الأمل بالخوف، والإيمان بالفقر، والأمن بأسئلة الحرية، قبل أن تعود إلى أهرامات صامتة وبيوت حفظها الرماد من النسيان.
***
نزار فاروق هِرْمَاس
أستاذ دراسات الشّرق الأوسط وجنوب آسيا-جامعة فيرجينيا








