عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

العيد معروفي: نَقــد التَصَوُرْ الديني المُتَزَمِتْ

من اِنْغِلاق الاِعْتِقاد إلى اِنِفتاح التَأْوِيل

مدخل: إنّ النظرة الدينية الجامدة ليست مجرد موقف عقائدي يتسم بفهم صارم للأمور الدينية، ولا هي مجرد نزعة للحفاظ على المعتقدات الموروثة والتشبث بالسلطات القائمة. بل هي، في عمقها المعرفي والفلسفي، نمطٌ خاصٌّ لإنتاج الحقيقة واحتكار معناها. وهكذا، يتحول الإيمان من أفقٍ للمعنى والتأمل والارتقاء الروحي إلى نظامٍ مغلقٍ من الأحكام القطعية التي لا تقبل التساؤل، ولا تعترف بشرعية الاختلاف، ولا تتيح للعقل المساحة اللازمة لممارسة حريته النقدية والتفسيرية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فما يُفترض أن يفتح آفاقًا جديدةً للمعنى أمام البشرية، قد يتحول، من خلال التفسير الجامد، إلى جدارٍ يحُول دون وصولها إلى إمكانياتٍ جديدةٍ للفهم.

إن الإشكال الذي يستحق التفكير ليس الدين في ذاته، ولا التجربة الإيمانية بوصفها تجربة وجودية وروحية، وإنما ذلك التصور الذي يستولي على الدين، ويختزل تعددية دلالاته في قراءة واحدة، ثم يمنح هذه القراءة حصانة مطلقة، وكأنها تمثل الحقيقة الدينية في اكتمالها النهائي. فثمة مسافة ينبغي الحفاظ عليها بين قداسة النص وبشرية فهمه، وبين الوحي بوصفه مرجعية إيمانية، والتأويل بوصفه فعلا إنسانيا مشروطا بالتاريخ واللغة والثقافة وأفق القارئ.

ومن ثم، فإن نقد التزمت الديني لا يعني الانخراط في خصومة مع المقدس، وإنما يعني مساءلة الآليات التي يتدخل من خلالها البشري في تمثيل المقدس، ثم يضفي على تمثيله صفة الإطلاق. إننا أمام ضرورة فلسفية تقتضي التمييز بين الدين باعتباره أفقا للمعنى، والتدين باعتباره ممارسة تاريخية، والتصور الديني باعتباره بناء معرفيا وثقافيا قابلا للفحص والنقد والمراجعة.

الإشكالية المركزية للبحث:

كيف يمكن مساءلة التصور الديني المتزمت بوصفه بنية معرفية وتأويلية مغلقة، دون الوقوع في اختزال الدين أو مصادرة أبعاده الروحية والاعتقادية؟ وإلى أي مدى يسهم الخلط بين قداسة النص وبشرية تأويله في إنتاج أشكال من احتكار الحقيقة وممارسة الإقصاء؟ وهل تستطيع المقاربة الهرمينوطيقية والنقدية إعادة تأسيس العلاقة بين الإيمان والعقل على قاعدة الاعتراف بتاريخية الفهم وشرعية الاختلاف والتعدد التأويلي؟

1-  التَزَّمُتْ الدِّيني ومُصادرة حق الاختلاف

يتأسس التصور الديني المُتَزَمِتْ على نزعة مركزية ترى في امتلاك الحقيقة شرطا لاكتمال الهوية الاعتقادية، ولذلك لا ينظر إلى الاختلاف باعتباره إمكانا من إمكانات الفهم، وإنما يتعامل معه باعتباره تهديدا لوحدة الاعتقاد وسلامة الجماعة. وبهذا المعنى، لا يعود الاختلاف مجرد تعدد في وجهات النظر أو تنوع في طرائق الاستدلال، بل يتحول إلى مشكلة ينبغي احتواؤها أو إقصاؤها.

إن هذه الذهنية لا تكتفي بالدفاع عن معتقداتها، بل تسعى إلى تحويل دفاعها إلى سلطة على عقول الآخرين، فتخلط بين الاقتناع والإلزام، وبين الحجاج والإدانة، وبين الاختلاف الفكري والانحراف الاعتقادي. وما إن يحدث هذا الخلط حتى يفقد الحوار وظيفته المعرفية، ويصبح مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الموقف المسبق.

والحال أن الاختلاف ليس عارضا طارئا على الوجود الإنساني، بل هو أحد شروط تشكل الوعي ذاته؛ فالإنسان لا يفكر خارج اللغة والتاريخ والتجربة، ولا يمتلك المعنى امتلاكا نهائيا، وإنما يقترب منه عبر أسئلة متجددة وقراءات متعاقبة. ومن هنا تكتسب الهرمينوطيقا أهميتها الفلسفية، لأنها تعيد الاعتبار إلى فعل الفهم باعتباره عملية حوارية لا تنتهي عند حدود المعنى الأول أو القراءة الموروثة.

ولعل ما يقدمه هانس غيورغ غادامير في كتابه «الحقيقة والمنهج» يتيح لنا تجاوز وهم الفهم المحايد والمكتمل؛ فالفهم، عنده، لا يحدث خارج التاريخ، وإنما يتشكل داخل ما يسميه تاريخ التأثير، أي ضمن شبكة من الأحكام المسبقة والتقاليد والأسئلة التي تحدد أفق القارئ. غير أن الاعتراف بهذا الشرط التاريخي لا يعني الاستسلام للأحكام المسبقة، بل إخضاعها للمساءلة من خلال الحوار مع النص ومع الآخر.1

وعليه، فإن التَزَّمُتْ يبدأ ُعندما يتحول الحكم المسبق إلى حكم نهائي، وعندما يتوقف العقل عن مساءلة مسلماته، ويستبدل حيوية التفكير براحة اليقين المغلق.

2-  من قداسة النص إلى تأليه التأويل

لعل إحدى أكثر المفارقات إثارة للتفكير في الخطاب الديني المتزمت هي الخلط بين النص وتأويله، وبين المرجعية المقدسة والقراءة البشرية التي تتوسل بها لفهم تلك المرجعية. فالنص، مهما كانت مكانته الاعتقادية، لا يتكلم خارج اللغة، ولا يصل إلى الوعي الإنساني إلا عبر عمليات الفهم والتفسير والاستدلال والتأويل.

وهنا تظهر مشكلة معرفية عميقة: كيف يمكن لتأويل بشري، تحكمه شروط تاريخية وثقافية ومذهبية معينة، أن يتحول إلى حقيقة مطلقة لا تقبل المراجعة؟ وكيف يستطيع المفسر أن ينتقل من موقع القارئ الذي يجتهد في فهم النص إلى موقع الحارس الذي يدعي امتلاك معناه النهائي؟

إن هذا الانتقال هو أحد المداخل الأساسية لفهم بنية التزمت؛ إذ لا تكمن المشكلة في ممارسة التأويل، وإنما في إلغاء تأويليته، أي في نسيان أنه فعل بشري محدود، وإظهاره كما لو كان تطابقا كاملا بين قصد النص وفهم القارئ.

وفي هذا السياق، تكتسب أطروحات نصر حامد أبو زيد أهميتها، ولا سيما في كتابه «مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن»، حيث يولي عناية خاصة للعلاقة بين النص واللغة والثقافة والسياق، ويعيد النظر في الكيفية التي تشكل بها الفهم الديني داخل التاريخ. فالنص لا يُقرأ في فراغ، وإنما يدخل في علاقات متشابكة مع الواقع الذي يخاطبه، ومع اللغة التي يتشكل من خلالها، ومع المتلقي الذي يسعى إلى اكتشاف دلالاته.2

إن القيمة الفلسفية لهذا المنظور تكمن في إعادة الاعتبار إلى تاريخية الفهم، وفي الكشف عن أن كثيرا من التصورات التي تقدم نفسها باعتبارها حقائق دينية نهائية هي، في جانب منها، نتاج مسارات تفسيرية ومذهبية تراكمت عبر التاريخ.

ولا يعني ذلك اختزال النص المقدس في مجرد منتج ثقافي، أو إلغاء بعده المتعالي بالنسبة إلى المؤمن، وإنما يعني التمييز بين المرجعية الدينية في بعدها الإيماني، والعمليات الإنسانية التي تتوسط فهمها وتفسيرها. فالمقدس لا يفقد مكانته حين يعاد التفكير في طرائق فهمه، بل إن الوعي بحدود التأويل البشري قد يكون مدخلا إلى مزيد من التواضع المعرفي.

3-  محمد أركون ونقد انغلاق العقل الديني

إذا أردنا الاقتراب من البنية المعرفية للتزمت الديني، فإن مشروع محمد أركون يقدم إمكانا نقديا بالغ الأهمية، خصوصا من خلال اشتغاله على مفهوم العقل الإسلامي وتاريخية المعرفة الدينية.

فأركون لم يكن منشغلا بمجرد تفكيك بعض الأحكام الفقهية أو مساءلة التصورات الكلامية التقليدية، وإنما اتجه إلى مساءلة الشروط التاريخية والإبستيمولوجية التي أنتجت أنماطا معينة من التفكير الديني، وأسهمت في تحويلها إلى أنظمة مغلقة من الاعتقاد والمعرفة.

وفي كتابه الفرنسي «Pour une critique de la raison islamique» (من أجل نقد العقل الإسلامي)، الصادر سنة 1984، يشتغل أركون على تفكيك المسلمات التي تحكم العقل الديني، ويدعو إلى إخضاع التراث الإسلامي لمناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما يسمح بإعادة النظر في الحدود التي رسمتها المؤسسة المعرفية التقليدية بين ما يجوز التفكير فيه وما ينبغي إقصاؤه من دائرة التفكير.3

إن المسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق بمجرد تجديد بعض المضامين، وإنما بإعادة التفكير في آليات إنتاج المعرفة ذاتها. فالعقل الذي لا يستطيع مساءلة شروط تشكله، ولا يجرؤ على مراجعة مسلماته، يظل أسير نظام معرفي يعيد إنتاج نفسه، حتى عندما تتغير الظروف التاريخية المحيطة به.

ومن هنا يمكن فهم التزمت باعتباره شكلا من أشكال الانغلاق الإبستيمولوجي، حيث تتحول بعض الإجابات التاريخية إلى حدود نهائية للتفكير، ويصبح التراث، بدلا من أن يكون مجالا للحوار والاستلهام والنقد، سلطة معيارية تستبق الأسئلة وتحدد مسبقا نتائجها.

غير أن الاستفادة من أركون لا تستلزم التسليم بجميع افتراضاته أو نتائجه؛ فمشروعه نفسه ينبغي أن يخضع للنقد، تماما كما يخضع غيره من المشاريع الفكرية للمساءلة. إذ لا يمكن مقاومة الدوغمائية بدوغمائية مضادة، ولا تحرير العقل من سلطة اليقين المغلق عبر استبدال يقين بآخر.

4-  التزمت الديني وإنتاج سلطة الإقصاء

لا يمكن فهم التصور الديني المتزمت بمعزل عن علاقته بالسلطة؛ فالخطاب الذي يحتكر الحقيقة لا يظل حبيس المجال النظري، وإنما يسعى، في كثير من الأحيان، إلى تحويل سلطته التأويلية إلى سلطة اجتماعية وأخلاقية وثقافية.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الاختلاف في فهم النصوص لتلامس طبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة. فحين يحتكر فرد أو تيار أو مؤسسة حق تحديد المعنى الديني الصحيح، فإنه لا يمارس مجرد وظيفة تفسيرية، بل يساهم في تشكيل الحدود التي تفصل بين المقبول والمرفوض، وبين المنتمي والمقصي، وبين من يُعترف له بحق الكلام ومن يُجرَّد من هذا الحق.

إن الخطورة تكمن في أن الحكم على الأفكار قد يتحول إلى حكم على أصحابها، وأن الاختلاف في الاجتهاد قد يصبح مدخلا للتصنيف والإدانة، وأن المجال الديني قد يفقد وظيفته الأخلاقية حين يُستعمل لتبرير الهيمنة على الضمائر.

ومن هذا المنظور، يمكن استحضار تحليل ميشال فوكو للعلاقة بين المعرفة والسلطة، لا باعتباره تفسيرا كاملا للظاهرة الدينية، وإنما باعتباره أداة تساعدنا على فهم الكيفية التي تنتج بها الخطابات أنظمة للحقيقة، وتحدد من خلالها شروط القول والقبول والإقصاء.

فالحقيقة داخل المجال الاجتماعي لا تنفصل عن المؤسسات والممارسات والخطابات التي تمنحها قابلية التداول والاعتراف. وهذا ما يدفعنا إلى طرح سؤال يتجاوز مضمون الخطاب المتزمت إلى شروط اشتغاله: من يملك سلطة تفسير الحقيقة؟ ومن يمنح نفسه حق تحديد حدود الإيمان الصحيح؟ وكيف تتحول سلطة التأويل إلى آلية للضبط الاجتماعي؟

إن نقد التزمت يقتضي، بهذا المعنى، تحرير المجال الديني من كل محاولة لتحويل الاعتقاد إلى أداة للوصاية على العقول، وإعادة الاعتبار إلى استقلال الضمير الإنساني وحقه في التفكير والاجتهاد والاختلاف.

5- من دوغمائية اليقين إلى أخلاق التواضع المعرفي

إن أحد أعمق المآزق التي يقع فيها التصور الديني المتزمت هو اعتقاده أن قوة الإيمان تتناسب طرديا مع درجة اليقين الذي لا يقبل النقاش، وكأن السؤال يضعف العقيدة، وكأن التفكير النقدي يمثل خطرا على التجربة الروحية.

لكن هذه العلاقة ليست ضرورية؛ إذ يمكن للإيمان أن يتعايش مع السؤال، ويمكن للاعتقاد أن يحتفظ بعمقه الوجودي دون أن يتحول إلى سلطة قمعية على العقل. فالمشكلة ليست في اليقين بوصفه حالة وجدانية أو اعتقادية، وإنما في تحويله إلى مبرر لإلغاء الآخر ومصادرة حقه في التفكير.

وهنا يمكن استحضار بول ريكور، الذي جعل من الصراع بين التأويلات أحد المداخل الأساسية لفهم تعددية المعنى. ففي كتابه «Le conflit des interprétations: Essais d'herméneutique» الصادر سنة 1969، يكشف عن أن النصوص والرموز لا تستنفد دلالاتها في قراءة واحدة، وأن الفهم يتطلب المرور عبر مسالك متعددة من التفسير والتأويل والنقد.4

إن التأويل، وفق هذا الأفق، ليس ترفا فكريا ولا ممارسة شكلية، بل هو شرط لإعادة فتح المعنى أمام أسئلة الإنسان المتغيرة. فكل قراءة تعتقد أنها استنفدت النص إنما تغلق على نفسها إمكانات الفهم، بينما القراءة التي تعترف بحدودها تظل قادرة على التجدد والحوار.

ومن هنا تتأسس أخلاق التواضع المعرفي؛ وهي أخلاق لا تعني التخلي عن المعتقدات، ولا الوقوع في نسبية مطلقة تجعل جميع الآراء متساوية، وإنما تعني إدراك الفارق بين امتلاك الاعتقاد وامتلاك الحقيقة في كليتها. فالإنسان قد يكون مقتنعا بما يؤمن به، لكنه لا يملك، بمجرد اقتناعه، حق مصادرة عقول الآخرين.

6-  نحو تصور ديني منفتح: استعادة المعنى الإنساني للدين

إن تجاوز التَزَّمُتْ الديني لا يتحقق بمجرد إدانة مظاهره الخارجية، ولا بالاكتفاء بالدعوة الأخلاقية إلى التسامح، بل يقتضي إعادة بناء العلاقة بين الدين والعقل والإنسان، وإعادة النظر في الكيفية التي تتشكل بها المعرفة الدينية داخل المجتمع والتاريخ.

فالدين، حين يتحول إلى خطاب مغلق، يفقد قدرته على مخاطبة الأسئلة الجديدة، ويصبح أسير أجوبة تنتمي إلى سياقات تاريخية مغايرة. أما حين ينفتح على الاجتهاد والتفكير والتأويل، فإنه يستعيد إمكاناته في إضاءة التجربة الإنسانية ومرافقة تحولات المجتمع.

ولا ينبغي أن نفهم الانفتاح باعتباره تنازلا عن الثوابت أو ذوبانا في كل ما ينتجه العصر، بل باعتباره قدرة على التمييز بين جوهر القيم الدينية وبين الأشكال التاريخية التي اتخذتها في سياقات مخصوصة. فليس كل ما ورثناه مقدسا، وليس كل ما استقر في الوعي الجمعي حقيقة نهائية، كما أن الحداثة نفسها ليست معصومة من النقد أو المراجعة.

إن المطلوب هو تأسيس علاقة نقدية بالتراث، لا تقوم على القطيعة المطلقة ولا على التبعية العمياء، وإنما على استعادة الأسئلة التي أخفاها التكرار، وفتح المساحات التي أغلقتها القراءات المتصلبة.

وهنا تبرز ضرورة بناء عقل ديني يمتلك القدرة على التمييز بين الإيمان والتعصب، وبين الاختلاف والتهديد، وبين النقد والعداء، وبين حرية التأويل والفوضى المعرفية. عقل لا يرى في الآخر خصما لمجرد اختلافه، ولا يعتبر السؤال اعتداء على المقدس، ولا يحوّل الموروث إلى قيد يمنع الإنسان من التفكير في حاضره ومستقبله.

فالدين الذي لا يتسع للإنسان في اختلافه وأسئلته ومحدوديته يتحول، في بعض تمثلاته التاريخية، إلى خطاب للوصاية بدل أن يكون أفقا للمعنى والهداية.

خاتمة: أو تحرير المقدس من احتكار البشر لمعناه

إن نقد التصور الديني المُتَزَّمُتْ ليس دعوة إلى إلغاء الدين من المجال الإنساني، ولا محاولة لتجريد الإيمان من أبعاده الروحية والأخلاقية، وإنما هو مساءلة فلسفية للكيفية التي يتحول بها الاعتقاد إلى نسق مغلق، والتأويل إلى سلطة، والاختلاف إلى تهمة، واليقين إلى أداة لإقصاء الآخر.

لقد أظهر التحليل أن التزمت لا ينشأ فقط من التشدد في الأحكام، وإنما من بنية ذهنية ومعرفية تتوهم امتلاك الحقيقة بصورة نهائية، وتخلط بين النص وتأويله، وبين المرجعية المقدسة والاجتهاد البشري، وبين الدفاع عن الاعتقاد وفرضه على الآخرين. ومن ثم فإن مواجهته تقتضي نقد هذه البنية في مستوياتها المعرفية والتاريخية والاجتماعية والأخلاقية.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال تصور ديني مغلق بتصور مضاد، وإنما في تحرير التفكير الديني من آليات الانغلاق، وإعادة الاعتبار إلى العقل والاجتهاد والحوار والتعددية. فالمعنى لا ينمو داخل الأسوار التي تقيمها القراءات الأحادية، وإنما يتجدد في فضاء السؤال والتفاعل والاختلاف.

ولعل المفارقة التي تستحق التأمل هي أن بعض الخطابات التي تدعي الدفاع عن المقدس قد تنتهي إلى الدفاع عن تأويلها الخاص له، حتى يصبح المقدس نفسه محجوبا خلف سلطة المفسر. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين ما نؤمن به وما نفهمه، وبين الحقيقة التي نطلبها والتمثلات البشرية التي نصوغها عنها.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الوعي الديني ليس أن يطرح العقل أسئلته، وإنما أن يفقد هذا الوعي شجاعة السؤال؛ وليس أن تتعدد التأويلات، وإنما أن يتحول تأويل واحد إلى سلطة تمنع سائر التأويلات من الوجود. فالمقدس لا يحتاج إلى وصاية بشرية تحرس معناه بقدر ما يحتاج الإنسان إلى وعي نقدي يحميه من الخلط بين الإيمان واحتكار الحقيقة.

***

بقلم: د. معروفي العيد.

.............................

المراجع المعتمــدة:

1-  هانس غيورغ غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، طرابلس، 2007.

2-  نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1990.

-3Mohammed Arkoun, Pour une critique de la raison islamique, Paris, Maisonneuve et Larose, 1984.

-4 Paul Ricœur, Le conflit des interprétations: Essais d'herméneutique, Paris, Éditions du Seuil, 1969.

في المثقف اليوم