منارات مدينة توره ديل مار
منذ القدم، شكّلت المنارات (الفنارة) رمزًا مميزًا لسواحل البحار، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة العاطفية والوجدانية للبشرية. المنارة هب الحارسة الصامتة لسواحل المدن عبر العصور والازمان.حيث انها ذو وضيفة مهمة في توجيه السفن الراسية في الميناء في الليالي وابان هبوط الضباب. كما انها تعتبر مكانا مهما لتوديع الأحباب الذين يسافرون عبر البحر ومن ثم لقائهم حين يصلون عائدون الى البر من ابحارهم.
فمن منارة الإسكندرية في مصر، أشهر منارات العصور القديمة، إلى أحدثها، كانت جميعها أكثر من مجرد رموز على الساحل. وتتميز مدينة توري ديل مار (برج البحر) الأندلسية الساحلية الاخرى بوجود أكثر من منارة فيها، نظرًا لتغيير موقعها عدة مرات، مع أن واحدة فقط منها تعمل حاليًا. ومنذ القدم كذلك، مثّلت المنارات عنصرًا أيقونيًا على سواحل البحار . فمن أشهر منارات الماضي، هناك ما هو أكثر من مجرد شكل رمزي على الساحل. إنها رمز عزيز على قلوب الكثيرين ممن أنقذتهم. وفي توري ديل مار، يوجد شيء غير مألوف. تم تشييد العديد من المنارات في المدن الواقعة على طول ساحل آلبحر الأبيض في مدينة ملقه الأندلسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومن بينها، كانت أبرزها منارات إستيبونا وماربيا وبونتا دي لا كالابورا في ميخاس وتوري ديل مار نفسها، وكلها صممها المهندس أنطونيو مولينا.
نقرأ عن هذه المنارة الأولى في توري ديل مار تقع عند مصب نهر فيليز، بالقرب من الشاطئ، في منطقة منخفضة وغير مستقرة. وكانت إحدى ما يُسمى بمنارات الملاحة، التي صُممت وبُنيت في نهاية عام 1863. إلا أنها لم تدخل حيز التشغيل إلا بعد عام، في مارس 1864. في عام 1969 تم بناء برج توأم للمنارة الموجودة في شارع توري، على نفس الشاطئ. ومع ذلك، فإن هذا النقل المؤقت لم يستوف متطلبات خطة تحسين الإشارات البحرية التي وافقت عليها الحكومة، والتي تضمنت ضوءًا أطول مدى للمنارة. وبالتالي، ونظراً لمحدودية ارتفاع البرج الجديد، يُقترح استبداله ببرج آخر. بدأ بناء المنارة الحالية عام ١٩٧٤، بجوار المنارة القديمة وعلى نفس الساحل. هذا البرج الجديد أسطواني الشكل، مصنوع من الخرسانة المسلحة، وذو تصميم معياري. يتكون من ثلاثة أجزاء: قاعدة، وعمود وغرفة صيانة، وبرج صغير. يبلغ ارتفاعها 24.70 متراً وقطرها 3 أمتار. ويتكون إضاءتها من ومضات بيضاء في مجموعات من 2 + 1، تحدث كل 10 ثوانٍ. فيما يتعلق ببرجها الجديد، تجدر الإشارة إلى أنه يحتوي على درج حلزوني معدني داخلي، يتألف من حوالي 106 درجات، يؤدي إلى الفانوس. بلغت تكلفة المشروع بأكمله ما يقارب 4 ملايين بيزيتا (حوالي 24 ألف يورو). تم افتتاح المجمع بالكامل في 15 يونيو 1976.
منظر للمنارة في الوقت الحاضر
من الناحية الفنية، فإن الفانوس أسطواني الشكل بشكل منطقي ويبلغ قطره 1.75 متر، وهو مدعوم بقاعدة من المقاطع الملفوفة التي تدعم المعدات الكهربائية المزودة باحتياطي غاز. أما من جانبها، فقد كانت البصريات تحتوي في الأصل على أسطوانة بصرية قطرها 500 مم ومصباح بقوة 500 واط، وكان نظام الأسيتيلين الخاص بها يحتوي على موقدين سعة 30 لترًا. منذ افتتاحها، تعاقب على إدارة المنارة عدة مديرين، أبرزهم سيرافين بلتران، وفيليكس غارسيا مونتيسينوس، وخورخي كاسيسنوفيس غرانادو، ولكن لم يعودوا حراسًا للمنارة، بل فنيين للملاحة، وهو اللقب الذي كان يُطلق على المسئولين عن صيانتها.
المعلومات والوثائق التي وجدت بعد غرق المنارة الأولى، تم وضع المنارة الثانية في برج مربع الشكل، مصنوع من الخشب والبناء، حيث تم استخدام مواد من المنارة المهدمة في بنائها. كان يقع بجوار المنازل الأولى في المدينة، واستمر استخدامه لفترة طويلة. في بداية عام 1926، بدأ العمل على مشروع المنارة الجديدة، وتم افتتاحها أخيرًا في 16 ديسمبر 1930. وقد تميزت بهيكل برج رباعي الأضلاع مصنوع من كتل الطوب اللبن، بارتفاع 9.6 متر، وتوجت بفانوس من منزل "La maquinista Valenciana"، بقطر 1.8 متر. كانت القاعدة تتكون من أسطوانة بصرية ثنائية ومصباح أسيتيلين وجهاز وميض، وكانت تُتحكم بواسطة صمام شمسي.
منظر للمنارة القديمة والحديثة
كان المستوى البؤري للمنارة الجديدة يقع على ارتفاع 11 مترًا فوق سطح الأرض و 14 مترًا فوق سطح البحر، وكان مدى الضوء المسقط يصل إلى 12 ميلًا في الوقت العادي.ومن المثير للاهتمام أن نرى كيف أصبحت المنارة، استنادًا إلى ملاحظات وتقارير حراسها اليومية المسجلة في سجل شروق الشمس وغروبها، شاهدًا مميزًا على عصرها. فمن خلال هذه السجلات، علمنا بحوادث السرقة، وكسر زجاج الفوانيس، واستخدام المقاتلين للبرج خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، وحتى التعتيم الذي أمرت به القيادة البحرية بناءً على طلب الحكومة الجمهورية، من بين أحداث أخرى. إلا أن ضوء المنارة، نتيجةً للطفرة السياحية التي شهدتها المدينة خلال ستينيات القرن الماضي، كان مقدراً له أن ينطفئ. ومع انتشار المباني الشاهقة، أصبح ضوء المنارة عائقاً، وبدأت العديد من مشاريع التنمية الحضرية . لسوء الحظ، ونتيجة للفيضانات والعواصف الشديدة التي اجتاحت المنطقة في يناير 1880، دمرها البحر. ورغم وجود حاجزين للأمواج على جانبيها يدعمانها ويحميانها، بالإضافة إلى عدة حواجز مصنوعة من القصب والأوتاد، لم يكن بالإمكان فعل شيء لمنع هذه النتيجة الكارثة.
من المعلومات الشحيحة المحفوظة في أرشيف هيئة ميناء مدينةً ملقه، نعلم أن أول حارس للمنارة كان أنسيلمو فيلار كويرا، من لوغو، غاليسيا. كان عمل هؤلاء الحراس الأوائل شاقًا للغاية، إذ كان عليهم السهر طوال الليل لضمان عدم انطفاء الضوء المنبعث من المنارة، والذي كان يُولّد في البداية بحرق الزيت، أو تسببه في نشوب حريق. وفي اليوم التالي، كان عليهم تنظيف جميع مخلفات الاحتراق المتبقية وإعادة ملء خزانات الوقود.
***
د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس
٢٠٢٦








