على الرغم من أن الدين يعتبر من القضايا المهمة التي شغلت ولم تزل تشغل الوعي البشري عبر تاريخ المجتمعات البشريّة بشكل عام، إلا أن أهميته القصوى تأتي هنا في الشرق، كونه يشغل في الواقع مساحة أكثر اتساعاّ في وعي شعوبه عموما، ومنها الشعوب الإسلاميّة والعربيّة على وجه الخصوص، وذلك لاعتبارات عدة ياتي في مقدمتها:
أولاً: غياب التعامل مع العلم الوضعي بمعظم تجلياته عبر فترات زمنيّة طويلة من تاريخ الشعوب العربيّة والإسلاميّة، إن كان على مستوى النظريات الفلسفيّة الوضعيّة التي تبحث في الكون والوجود الإنساني، أم على مستوى التكنولوجيا من حيث إنتاجها أو إنتاج المعرفة المتعلقة بها، فنحن شعوب بقيت مستهلكة أكثر مما هي منتجة، بل وصل القول عند بعض الفقها المحدثين بأن الله خلقنا فقط نحن العرب والمسلمين كي نهدي الناس للدين والخير في هذه الحياة للحصول على الجنة الموعودة، بينما خلق الله بقية خلقه لخدمتنا، وبالتالي هم وحدهم المكلفين بالاختراعات العلميّةّ وتقديمها لنا كي نستفيد من ثمارها.
ثانياً: كون الإسلام هو آخر الديانات السماويّة، ومن خلال هذا المعطى استطاع الكثير من المفكرين ورجال الدين الإسلاميين ترسيخ فكرة أساسيّة في وعي المواطن العربي والإسلامي عموما مفادها، أن الإسلام (دين ودنيا) وقد جب كل ما قبله وما بعده، فأصبح بذلك هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما يهم حياة الإنسان حاضرا ومستقبلا، وبالتالي ظل الدين يشكل المنطلق الأساس في تفسير ووضع الحلول للمشاكل المتعلقة بحياة الإنسان عموما والمسلم على وجه الخصوص.
ثالثاً: إن قيام أول دولة في العالم العربي عل المشروع الإسلامي استمرت مئات السنين بفضل هذا المشروع، ولم يستطع العرب بوجه خاص أو المسلمون بوجه عام بعد انهيارها إعادة تشكيل دولة قويّة تواجه التحديات المصيريّة التي راحوا يتعرضون لها بشكل جدي منذ انهيار هذه الدولة حتى تاريخه، الأمر الذي جعل من الإسلام (الفردوس المفقود) بعد أن لمس العرب خاصة حالة ضعفهم وتراجعهم أمام تقدم الغرب من جهة، وتراجع المشروعان اليساري والقومي بكل اتجاهاتهما بسبب عدم اكتمال الظروف الموضوعيّة والذاتيّة القابلة لتطبيقهما على ارض الواقع من جهة ثانية.
رابعاً: سيطرة الأعاجم على الدولة العربيّة والإسلاميّة لفترات زمنيّة طويلة باسم الدين نفسه، لذلك غالبا ماكانت هذه القوى الأعجميّة الغازية تلجأ إلى تفسير النص الديني وفقا لمصالحها ورغباتها لاخضاع العرب بشكل خاص لسلطتها، هذه السلطة التي لايمكن أن تتحقق في صيغتها تلك إلا عبر إشهار الدين الذي سيضفي على هذه السلطة المشروعيّة، وهذا ما دفع القوى الحاكمة لهذه الدول على تغليب الرؤى والأفكار الدينيّة اللاهوتيّة والامتثاليّة وتجذيرها في وعي المواطن بدل الرؤى والاتجاهات العقلانيّة في الدين نفسه، كونها – أي القوى الحاكمة - كانت تشعر أن الاتكاء على الرؤى والمفاهيم العقلانيّة في الدين لتسيير أمور المسلمين ستفتح عليها أبواب قوى المعارضة، وتفضح حقيقة أمرها كقوى استعمارية غريبّة أو موالية للغرب لا يهمها إلا مصالحها واستمرار وجودها في الحكم، وكان من نتائج هذه السياسة على حياة العرب والمسلمين انتشار الصوفيّة بصيغتها الطرقيّة، التي ترافق مع انتشارها الإقطاع العسكري والفقر والجهل والتخلف، والتي لم يزل العرب والمسلمون يدفعون ثمنها حتى تاريخه.
خامساً: غزو الثقافات الغربيّة للعالمين العربي والإسلامي مع فترة الاستعمار، وردود الفعل الثقافيّة من قبل العرب والمسلمين لمواجهة هذه الثقافات الغربية الغازيّة، حيث كانت مسألة (العودة إلى التراث) هي السبيل الوحيد للمواجهة في ظل تخلف اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي، علما أن هذا التراث تجسد عموما في الدين وتفسيراته وتشريعاته، وأبعد عنه منذ زمن طويل كل ما هو عقلاني، وما يعبر عن هذه العقلانيّة من فقهاء وفلاسفة ومفكرين، من (ابن رشد وصولا إلى عبد الرحمن الكواكبي، وعلي عبد الرازق، وحامد أبو زيد) وما بينهما.
سادساً: لقد سيطر الاستعمار الغربي على العالمين العربي والإسلامي، وسعي هذا المستعمر بشكل مستمر ولم يزل على إبعاد المعرفة العلميّة بكل مستوياتها وحتى المرتبطة منها بالدين نفسه، عن وعي المواطن العربي والمسلم، وتشجيع هذه الشعوب المستعَمرة على إنشاء الطرق الدينيّة الداعيّة إلى تغييب العقل والمنطق وزرع الفتن الطائفيّة والمذهبيّة، في الوقت الذي كان فيه هذا المستعمر يحارب التيارات الدينيّة الداعية إلى مقاومة المستعمر ووحدة العرب والمسلمين، وهذا ما لمسناه في مواقف فرنسا وايطاليا وبريطانيا حيث كانت تحارب وبكل قوة التيارات الدينيّة الداعية إلى المقاومة في ليبيا والجزائر ومصر وسوريا الكبرى وتونس. وهذه المسالة بالذات تعتبر برأيي من المسائل الهامة التي حالت بين العرب والمسلمين عموما من جهة، والمعرفة العلميّة والعقلانيّة من جهة ثانية، لفترات زمنية طويلة من تاريخ حياة هذه الشعوب في ظل المستعمر الأوربي.
ولتوضيح هذه المسالة بالذات، دعونا نقف قليلا عند بعض الحقائق التي تؤكد ذاك الدور التخريبي الذي مورس على وعي شعوب الشرق عموما التي خضعت للمستعمر منذ بدء المشروع الاستعماري، والذي تمثل في غرس القيم الدينيّة المشجعة على الامتثال والظلاميّة والتفرقة الطائفيّة والمذهبيّة في وعي وممارسات الأفراد والجماعات المسلمة وغير المسلمة على حساب الاتجاهات العقلانيّة في الدين التي تدعوا إلى التطور والمحبة وسعادة الإنسان.
تذكر المصادر التاريخيّة أنه، في إحدى التقارير التي قدمها موظف في الإدارة البريطانية إلى الحاكم العام في الهند عام / 1789/،- أي فجر الاستعمار البريطاني على الهند – يشير هذا الموظف ناصحا رئيسه إلى ضرورة (تشجيع طقوس الديانة الهندوسيّة وتعاليمها العقائديّة.). وحول السياسة البريطانية في هذا الاتجاه أيضا يذكر موظف روسي يدعى " مينا يف " قائلا: (إن العمل المستقل الوحيد الذي يمكن للساكن الأصلي - في البلاد المستعمرة من قبل بريطانية - أن يقوم به، هو أن يصبح مؤسساً لطائفة دينيّة جديدة، فالحكام الانكليز لا يعارضون ولا يمنعون أحدا من أن يترأس حركة دينيّة. أما ما تبقى من مجالات النشاط فكلها يجب أن تغلق إمامهم). وفي مطلع القرن العشرين يكتب احد الدبلوماسيين الروس أيضا في هذا الاتجاه قائلا: (إن الصراع بين المسلمين والهندوس أمر مرغوب فيه بالنسبة للإنكليز، فهو بمثابة صواعق تحوّل الحقد الشعبي ضد النير الأجنبي إلى جهة لاتعود على هذا الأخير بأي ضرر.). هذا إضافة إلى وجود الكثير من هذه المواقف التي تصب في الاتجاه نفسه عبر عالمنا العربي يعرفها الكثير منا، والتي كانت تشير إلى اللعبة الطائفيّة التي مارسها الغرب في بلادنا ليس على المستوى الإسلامي فحسب، بل والمسيحي أيضاً، والتي لم تزل آثارها قائمة حتى الآن في سوريا ولبنان والعراق ومصر والسودان وغيرها. (1).
في تاريخنا الحديث والمعاصر، هناك أمثلة كثيرة تشير إلى الدور الاستعماري في اللعب على الورقة الدينيّة / الطائفيّة. فأثناء الحرب الباردة على سبيل المثال لاالحصر، يعلم الكثير منا كيف شجعت الولايات المتحدة التيار الأصولي السلفي الوهابي (طالبان) في أفغانستان، لمواجهة المد السوفياتي آنذاك، ناعته رجالاته بالمجاهدين، ثم كيف راحت تنقلب على هذا التيار بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث تحول المجاهدون إلى إرهابيين وقتلة وظلاميين، وكيف أن الكثير من الحكومات العربيّة التي كانت تحتضن هذا التيار راحت تتخلى عنه وتقف إلى جانب السياسة الامريكيّة في مواجهته، بل ومواجهة كل من يتعاطف معه. هذا وتتكرر هذه المواقف من قبل أمريكا وحلفائها قبل اجتياح العراق وبعد اجتياحه تجاه الطوائف الدينيّة في العراق، ففي الوقت الذي وقفت فيه أمريكا وحلفاؤها على سبيل المثال إلى جانب الشيعة ضد السنة أثناء الاجتياح مّدعية حمايتهم من ظلم واضطهاد نظام صدام في العراق، نراها اليوم تقف ضدهم مدعية بأنهم أدوات بيد إيران، وأنهم إرهابيون ومجرمون وقتله يمارسون الطائفيّة ضد السنة. بل راحت تشتغل على مسالة التحريض الطائفي من خلال أدواتها في المنطقة، الذين راحوا بدورهم يدفعون في هذا الاتجاه عبر بعض رجال الدين المرتزقة من خلال إصدار الفتاوى الطائفيّة التكفيريّة بحق هذه الطائفة أو تلك، لالشيىء إلا لكونهم يتبنون مشروع المقاومة ضد إسرائيل وأمريكا وكل أشكال الاستعمار في العالمين العربي والإسلامي.
ملاك القول: هكذا يستغل الدين عموما من قبل القوى المستعمرة ومن يواليها من الحكام العرب في دولنا العربيّة بشكل خاص، ومحاولة تحويله إلى إيديولوجيا جامدة، يعمل حملتها على نشر الفكر الظلامي الامتثالي الهادف إلى محاربة العقل والمواطنة ودولة القانون والمؤسسات، والدعوة إلى الفرقة الناجية بغية تفتيت المجتمع على أسس طائفيّة ومذهبيّة تعود مرجعياتها إلى مصالح أنانيّة ضيقة. هذا في الوقت الذي يظل الدين في جوهره ونصه العقلاني المفتوح على سعادة الإنسان، يشكل إذا ما استثمر بشكل عقلاني مشروعاً إنسانيّاً يحمل في جوهره الأسس العقلانيّة التي تساعد على التأسيس لخلق مجتمع المحبة والمساواة والانفتاح على الآخر فكرا وممارسة، وبالتالي القدرة على استيعاب قضايا العصر والاندماج في قضاياه المعاصرة.
***
د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
.....................
1- لمعرفة المزيد عن دور المستعمر الغربي في اللعب على البعد الديني وتفتيت المجتمع، يراجع كتابنا (التبشير بين الأصولية الدينيّة وسلطة التغريب) وهو عنوان الكتاب ذاته. إصدار دار المدى – دمشق – 2000. وخاصة البحث الأول من الكتاب وهو عنوان الكتاب ذاته.








