عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حاتم حميد محسن: ماذا لو ثبت ان كل ما نراه هو زيف؟

ماذا لو تصورنا أنفسنا نسير في سوق مزدحم في مدينة يونانية قديمة جنوب إيطاليا سنة 500 ق.م وهي مدينة عاش فيها الفيلسوف اليوناني بارمنديس. انها مكان نابض بالحياة، حيث الشمس مشرقة، والحمير تنقل كل أنواع البضاعة، والناس يتبادلون الحديث حول الزيتون والسلع الأخرى المعروضة للبيع. كل شيء يتحرك، يتحول ويتغير. هذا المفكر بارمنديس الذي حظي باحترام كبير، يتجول ببساطة ليخبرنا ان لا شيء من هذا – لا الحركة، ولا المحادثة الكسولة، ولا أي من التغيير الذي تراه وتسمعه وتشعر به يحدث حقا.

هو يصر، ان الواقع مجرد كتلة أبدية صلبة واحدة من أشياء غير متغيرة. ألا يبدو الامر جنونيا تماما؟ لكن هذا لم يكن مجرد فكرة تافهة. بارمنديس أسقط قنبلة فلسفية أحدثت تموجات في الفكر الغربي، ولا يزال تأثيرها حتى اليوم.

منْ هو بارمنديس؟

عاش بارمنديس في إيليا (فيليا الحديثة)، المستوطنة اليونانية في جنوب إيطاليا. وحسب المعلومات التي توفرت، هو يجب ان يكون شخصية تستحق التقدير في مدينته، وهناك دليل على قيامه بصياغة بعض قوانين المدينة. لسوء الحظ، كل المعلومات التي لدينا عنه تأتي من اقتباسات صغيرة احتفظ بها الكتّاب اللاحقون. مع ذلك، نحن أيضا لدينا مقاطع هامة لقصيدة سُميت "حول الطبيعة"، شكلت الجزء الأكبر مما تبقى من أعمال برمنديس. هذه كُتبت بأسلوب الرحلة الملحمية التي يتم فيها نقل الشخصية لمقابلة الإلهة التي تكشف الحقيقة النهائية. هي ترسم خطا حادا بين الواقع الحقيقي (طريقة الحقيقة) والعالم الفوضوي الملتبس لحواسنا (طريقة الرأي). بارمنديس بدأ حركة فلسفية كلية ترتكز على هذا، مدرسة الايليين جذبت طلابا مثل زينون، الرجل الذي صاغ المفارقات الرائعة مثل مفارقة أخيل الذي لا يمكنه ابدا اللحاق بالسلحفاة ومفارقة السهم الذي يتجمد في منتصف المسافة. زينون كان يبذل قصارى جهده لدعم الأفكار المذهله لإستاذه.(1)

بارمنديس وسؤال ما طبيعة الوجود؟

 نحن نعرف ان هذا السؤال يبدو غريبا. لكن ما هو السر المذهل الذي كشفته تلك الإلهة؟ عندما نبسّط السؤال كثيراً، نأتي الى شيء بسيط: الواقع الحقيقي، الشيء الذي أسماه بارمنديس "الوجود" what Is هو موجود. ولا شك في ذلك، ولا سبيل ليكون عكس ذلك. من جهة أخرى، "ما ليس كذلك" -  عدم خالص، فراغ مطلق – غير موجود. انت لا تستطيع لمسه، التفكير فيه، او حتى الحديث عنه بشكل صحيح. انه يبدو تقريبا كإحساس بديهي، أليس كذلك؟ لكن بارمنديس أخذ هذه الفكرة التي تبدو بسيطة مستخدما منطق بارد وخالص وطوّرها أكثر. هو ادرك انه اذا كان "الوجود" حقا موجود، فلا يمكن ان يكون انبثق من لا شيء (لأن اللاشيء لم يكن هناك لكي ينبثق منه)، ولا يمكنه التحلل الى لاشيء.

ولهذا، فان الاستنتاج الأول هو ان الواقع أبدي. انه أيضا لا يمكن ان يتغير لأن التغيير يعني التحول الى شيء مختلف – يستلزم ان يصبح في "ما ليس فيه" الآن، او اكتساب بعض"اللاوجود"، ونحن أسسنا سلفا ان "اللاوجود" غير موجود. بكلمة أخرى، الواقع يجب ان يكون غير متغير.

 يجب ان نعرف ان بارمنديس جادل أيضا ان الواقع يجب ان يكون شيئا منفردا موحدا. اذا كان الواقع متشظيا، ما الذي يفصل بين القطع؟ هل العدم؟ هذا سيكون غير ممكن، لذا نحن نستطيع الاستنتاج ان الواقع غير قابل للتجزئة وهو وحدة صلبة. لكن ماذا عن الحركة؟ لكي تتحرك، انت تحتاج الى مكان فارغ (عدم) تتحرك نحوه. وهي استحالة أخرى. لذلك، الواقع الحقيقي يجب ان يكون ساكنا دائما.

 العالم طبقا لمنطق برمنديس هو هذه المادة الساكنة الأبدية اللامتغيرة. في تناقض تام مع هيرقليطس القائل ان "كل شيء يتدفق". بارمنديس عارض ذلك بالقول "لا، لا شيء يتدفق، يا صديقي. ثق بالمنطق، حواسك تكذب".

 انت ربما تعتقد، "حسنا، نظرية ملفتة، لكن رغيفي من الخبز تحمّص تواً، الأشياء تتغير فعلا" وبارمنديس سيضع بهدوء خبزك المحمص تحت صنف "طريقة الرأي"، او المعلومات غير الموثوقة التي تغذينا بها الحواس. من السهولة جدا القول فقط ان بارمنديس كان يتحدث سخافة. لكن ذلك الانقسام الحاد الذي وضعه بين الحقيقة التي تكتشفها بعقلك والحقيقة التي تراها بعينيك؟ هو أمر بالغ الأهمية.

افلاطون كان عمليا منغمسا بهذا اللغز. نظريته الشهيرة في الأشكال – فكرة المخططات التامة، الابدية لكل شيء – يبدو كأنه يحاول ان يفهم واقع بارمنديس الساكن الى جانب العالم المتغير الذي نعيش فيه. ومفارقات زينون؟ لاتزال تظهر في كل مكان، تجبرنا للتساؤل ان كانت الحركة والقسمة هي واضحة وصريحة كما تبدو.

لكن هل ان هذه الأفكار اليونانية المحيرة ملائمة اليوم لنا ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين؟ انت ربما ترى ان ذلك ممكنا بطرق معينة. بعض الفيزيائيين ينفقون وقتهم مع أفكار من نسبية اينشتاين تتحدث عن "الكون الكلي"  Block universe فيها يوجد الماضي والحاضر والمستقبل كلها مجتمعة ، بما يجعل شعورنا بتدفق الزمن ليس الاّ خدعة للادراك. ألا يبدو ذلك غموضا بارمنديسيا؟ او لو نظرنا في قوانين أساسية مثل تحوّل الطاقة – انها لا يمكن ان تُخلق او تتحطم، انها يمكن ان تغير فقط الشكل.

كل هذا يشبه الفكرة القديمة القائلة بان الوجود لا يمكن ان يأتي من اللاوجود. الان، هذه ليست خطوطا مباشرة وانما هي تشير الى ذلك السؤال العميق الذي يهتم به بارمنديس: هل العالم الذي نتعامل معه هو الشيء الواقعي، ام ان هناك شيء أغرب بكثير واكثر توحدا وربما اكثر سكونا، مختبئا تحت السطح؟ العلم باستمرار يبيّن لنا أشياء تتحدى حدسنا اليومي، لذا منْ يخبرنا ان بارمنديس لم يكن صائبا في النهاية؟

***

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) من بين مفارقات زينون مفارقة السهم: يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغير الموقع الذي يشغله، وهو يعطي مثالا عن السهم. يذكر انه في لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة أخرى، في اية لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك. اذا كان كل شيء ساكنا في أية لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات عندئذ تكون الحركة مستحيلة.