قضايا
زكريا نمر: إشكالية فاعلية المثقف في المجتمع
تعد مقولة بالضرورة أن يكون المثقف فاعلا في المجتمع من أكثر الاطروحات تداولًا في الفكر الثقافي الحديث، لأنها تمس سؤالا جوهريا يتعلق بوظيفة المثقف وحدود دوره بين انتاج المعرفة والمشاركة في الشأن العام. غير ان التعامل مع هذه المقولة بوصفها حقيقة مطلقة يفتح الباب امام اشكالات فلسفية ومعرفية معقدة، تتعلق بطبيعة الفعل ذاته، وبحدود العلاقة بين الفكر والمجتمع، وبما اذا كان من المشروع اصلا فرض الفاعلية كشرط وجودي للمثقف.
في البداية، لا يمكن انكار ان تاريخ المثقفين يكشف عن حضور قوي في المجال العام. فقد لعب العديد من المفكرين دورا حاسما في تشكيل الوعي الجمعي، سواء عبر النقد المباشر للسلطة، او عبر تفكيك البنى الاجتماعية والثقافية السائدة، او من خلال الدفاع عن قيم الحرية والعدالة. هذا التصور يجعل من المثقف كائنا مرتبطا بالمجتمع ارتباطا عضويا، لا يمكنه الانعزال في برج عاجي دون ان يفقد جزءا من مشروعيته الاخلاقية. فالمعرفة، في هذا السياق، ليست ترفا ذهنيا، بل مسؤولية تجاه الواقع، خاصة حين يتعلق الامر بقضايا الظلم او التهميش او الاستبداد.
من هذا المنظور، تبدو فاعلية المثقف امتدادا طبيعيا لوظيفته النقدية. فالمثقف لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى الى مساءلته وتفكيكه وكشف تناقضاته. وحين يتحول الى عنصر مؤثر في تشكيل الرأي العام او في اعادة صياغة الوعي الاجتماعي، فإنه يؤدي دورا يتجاوز حدود التنظير الى التأثير الفعلي. لذلك، يرى انصار هذا الاتجاه ان صمت المثقف او انسحابه من المجال العام يمثل نوعا من التنازل عن مسؤوليته الاخلاقية، بل وقد يفهم احيانا كنوع من القبول الضمني بالواقع القائم. لكن هذا التصور، رغم وجاهته الاخلاقية، يطرح اشكالات عميقة اذا ما جرى تعميمه وتحويله الى قاعدة الزاميه. فليس كل انتاج فكري موجها بطبيعته الى الفعل المباشر. هناك مساحات واسعة من الفكر الانساني تعمل داخل مستويات نظرية او تأملية بعيدة عن الانخراط المباشر في القضايا اليومية، ومع ذلك فإن تأثيرها قد يكون عميقا وطويل الامد. فالفكر الفلسفي او العلمي، على سبيل المثال، لا يقاس دائما بمدى حضوره في اللحظة السياسية، بل بقدرته على اعادة تشكيل طرق التفكير ذاتها.
يظهر خطر اختزال وظيفة المثقف في النشاط الاجتماعي المباشر. فعندما يطلب من المثقف ان يكون فاعلا بالمعنى الحركي او السياسي فقط، فإنه يدفع تدريجيا نحو فقدان استقلاليته النقدية. اذ قد يصبح جزءا من صراعات ايديولوجية او ادوات توظيف سياسي، بدل ان يبقى مراقبا ومحللا ومفككا للواقع من مسافة نقدية. وهذا التحول قد يؤدي الى اضعاف دوره الاساسي، الذي يقوم على المساءلة لا على الانحياز. اضافة الى ذلك، فإن مفهوم الفاعلية نفسه ليس مفهوما محايدا او واضح الحدود. هل تعني الفاعلية المشاركة السياسية المباشرة؟ ام التأثير الثقافي؟ ام انتاج خطاب نقدي يعيد تشكيل الوعي؟ ام التعليم والتكوين؟ ان حصر الفاعلية في شكل واحد ضيق يجعل من الحكم على المثقف حكما اختزاليا، يتجاهل تعدد مسارات التأثير الممكنة. فهناك مثقفون لم ينخرطوا في السياسة اليومية، لكن افكارهم شكلت تحولات كبرى في التاريخ الفكري والاجتماعي.
من ناحية اخرى، يمكن القول ان الضغط على المثقف ليكون فاعلا باستمرار قد يخلق نوعا من الالتزام القسري الذي يضر بجوهر العمل الفكري. فالمثقف حين يجبر على الرد الفوري على كل حدث اجتماعي او سياسي، قد يفقد القدرة على التعمق والتأمل والتحليل البعيد المدى. وهذا ما يجعل الفعل السريع احيانا على حساب الفهم العميق. فالفكر يحتاج الى بطء نسبي، والى مسافة نقدية تسمح بانتاج رؤية متماسكة، لا مجرد ردود فعل آنية.لا يمكن ايضا تبني موقف الانعزال الكامل للمثقف عن مجتمعه. فالفكر المنفصل تماما عن الواقع يتحول الى خطاب مغلق على ذاته، يفقد قدرته على التأثير او التفاعل. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار بين الفعل او اللافعل، بل في اعادة تعريف العلاقة بينهما بشكل اكثر توازنا. فالمثقف يمكن ان يكون فاعلا دون ان يتحول الى ناشط مباشر، ويمكن ان يؤثر دون ان ينخرط في كل تفاصيل الصراع الاجتماعي.
ان الفاعلية الحقيقية للمثقف قد تتجلى في مستويات متعددة في نقد الخطاب السائد، في تفكيك المسلمات، في انتاج مفاهيم جديدة، في تعليم الاجيال، وفي فتح افق التفكير النقدي. هذه الاشكال من الفعل ليست اقل اهمية من الفعل السياسي المباشر، بل قد تكون اكثر عمقا واستمرارية. فهي لا تتعامل مع الاعراض فقط، بل مع البنى الفكرية التي تنتج تلك الاعراض.في ضوء ذلك، يمكن اعادة صياغة المقولة الاصلية بشكل اكثر دقة ليس بالضرورة ان يكون المثقف فاعلا بمعنى الانخراط المباشر، بل من الضروري ان تكون للمثقف قدرة على التأثير النقدي في مجتمعه، بأشكال متعددة لا يحددها قالب واحد. فالمثقف ليس موظفا في خدمة الفعل الاجتماعي المباشر، بل هو منتج للمعنى، ومساءل للواقع، ومعيد تشكيل للوعي.
إن الاشكال لا يكمن في وجود المثقف داخل المجتمع او خارجه، بل في طبيعة العلاقة بين الفكر والواقع. فكلما تحولت الفاعلية الى مفهوم متعدد الابعاد، امكن انصاف ادوار المثقف المختلفة دون اختزال او اقصاء. وبين الانخراط الكامل والانعزال التام، تظل المساحة الاكثر اهمية هي مساحة النقد العميق، الذي لا يكتفي بالفعل ولا يهرب من المسؤولية، بل يعيد تعريف معنى التأثير ذاته داخل المجتمع.
***
زكريا - نمر







