قضايا
نبيل عيدو: الغوريلا الخفية.. ما لا يراه العقل يبقى في الظل
يظن البعض أنهم يرون الواقع أمامهم بوضوح كامل، وكأن ما يلتقطوه من تفاصيل هو الصورة الكاملة للحقيقة، لكن التجربة العلمية في علم النفس الإدراكي تشير إلى عكس ذلك تمامًا، حيث يعمل الانتباه البشري بطريقة انتقائية تجعل جزءًا صغيرًا فقط من الواقع هو ما يدخل فعليًا إلى الوعي، بينما يتم تجاهل أجزاء أخرى بالكامل دون أن يشعر الإنسان بذلك.
هذه الفكرة ظهرت بشكل واضح في تجربة شهيرة في علم النفس تعرف بتجربة “الغوريلا الخفية”، التي أجراها العالمان دانيال سيمونس وكريستوفر تشابريس. في هذه التجربة، تم عرض فيديو بسيط أمام المشاركين، يظهر فيه فريقان من الأشخاص، أحدهما يرتدي قمصانًا بيضاء والآخر سوداء، يقومون بتمرير كرة فيما بينهم. طُلب من المشاركين أن يركزوا انتباههم على الفريق الأبيض فقط، وأن يقوموا بعدّ عدد التمريرات بدقة، وهو تمرين يبدو بسيطًا لكنه يتطلب تركيزًا عاليًا.
أثناء انشغال المشاركين في العدّ، حدث أمر غير متوقع داخل المشهد، إذ دخل شخص يرتدي زي غوريلا، ومرّ ببطء في منتصف الشاشة، توقف، قرع صدره بيديه، ثم خرج من المشهد. هذا الحدث استمر لعدة ثوانٍ وكان واضحًا من حيث الشكل والحركة، ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون بعد انتهاء الفيديو، كانت النتيجة صادمة، إذ إن نسبة كبيرة منهم لم تلاحظ وجود الغوريلا أصلًا، رغم أنها كانت أمام أعينهم مباشرة.
هذه النتيجة كشفت أن الانتباه البشري لا يعمل كنافذة مفتوحة على كل ما يحدث، بل يعمل كضوء مركز يتم توجيهه نحو جزء معين من المشهد، بينما يتم ترك باقي المشهد في الظل. عندما يركز العقل على مهمة محددة مثل عدّ التمريرات، فإنه يقوم تلقائيًا بتقليل حساسيته تجاه أي شيء لا يخدم هذه المهمة، حتى لو كان هذا الشيء واضحًا وكبيرًا في المشهد.
هذه الظاهرة لا تتوقف عند المختبرات العلمية، وإنما تظهر في الحياة اليومية بشكل مستمر، حيث يمكن للإنسان أن يركز على هدف معين أو فكرة معينة، ثم يفوته الكثير من التفاصيل المحيطة به دون أن ينتبه لذلك. وهذا ما يجعل الإدراك البشري انتقائيًا بطبيعته، وليس شاملًا كما نعتقد في العادة. ما يركز عليه يبقيه تحت الضوء وما يتجاهله يتركه في الظل.
هذه التجارب تكشف لنا طريقة عمل الإدراك البشري في الحياة اليومية، وكيف يرى الحداث وتفاصيلها في الواقع. حيث لا يرى الإنسان كل ما أمامه في وقت واحد، وإنما يقوم بعملية فرز مستمرة لما يدخل إلى وعيه وما يبقى خارجه. هذا الفرز يحدث بشكل عفوي في أغلب الأحيان، ويعمل بشكل تلقائي حيث أنه مرتبط بالهدف الذي يركز عليه الشخص في تلك اللحظة، سواء كان هدفًا بسيطًا أو ضغطًا نفسيًا أو حتى رغبة داخلية قوية.
يمكن فهم ذلك بشكل أعمق عندما نربط التجربة بفكرة الطاقة الإدراكية المحدودة، وهي الفكرة التي تشير إلى أن الانتباه موردًا محدود للطاقة، حيث يتم توزيعها على ما نعتبره مهمًا في تلك اللحظة. ولهذا السبب، عندما يوجه الإنسان انتباهه إلى مهمة معينة بشكل مكثف، فإنه يخسر القدرة على ملاحظة أشياء أخرى قد تكون موجودة بوضوح في محيطه. وهذا ما يجعل الإدراك دائمًا انتقائيًا، وليس شاملًا كما يبدو من الخارج. ومن هنا تكمن أهمية المشاركة في الأفكار والتصورات. فهي تغني الصورة لدينا بجوانب كانت في منطقة ظلنا.
وقد أشار عالم النفس جوردان بيترسون إلى هذا المعنى من زاوية مختلفة عندما تحدث عن بنية الإبصار البشري، موضحًا أن جزءًا صغيرًا جدًا من العين مسؤول عن الرؤية الدقيقة، بينما يتم استخدام باقي المجال البصري بشكل محيطي وأقل دقة، مما يعني أن الدماغ مضطر دائمًا إلى اختيار ما يركز عليه بدقة عالية، وما يتركه في الهامش. هذه البنية البيولوجية تعكس حقيقة أعمق، وهي أن الإنسان لا يستطيع إدراك كل شيء بنفس الدرجة من الوضوح في وقت واحد، بل يحتاج دائمًا إلى عملية اختيار.
هذه الفكرة تنعكس أيضًا في الحياة الاجتماعية، حيث يظهر ما يمكن تسميته بالانتباه الانتقائي العاطفي. فالشخص المراهق الذي ينغمس في العشق تراه يقصر في دراسته كون العشق استحوذ على كامل الصورة الادراكية لديه وترك الدراسة في الظل. وكذلك أيضًا الشخص الذي يكون منشغلًا بفكرة معينة، أو بحاجة داخلية ملحة، قد لا يرى تفاصيل واضحة أمامه في ذلك الوقت لأنها لا ترتبط مباشرة باهتمامه الحالي. ومن هنا جاء التعبير الشعبي “صاحب الحاجة أعمى”، الذي لا يشير إلى فقدان البصر الحقيقي بل النفسي، حيث يضيق مجال الإدراك تحت تأثير الحاجة أو التركيز الشديد.
إذا عدنا إلى تجربة الغوريلا، يمكننا أن نفهم أن المشكلة الفعلية التي حدثت هي في طريقة توزيع الانتباه داخل العقل. وليست مشكلة في الأبصار. فعندما يتم توجيه الانتباه بالكامل نحو مهمة محددة، يتم تقليل حساسية الدماغ تجاه أي عنصر خارج هذه المهمة، حتى لو كان هذا العنصر واضحًا وكبيرًا في المشهد. وهذا يفسر لماذا يمكن لشخصين أن يشاهدا نفس الحدث، لكن يخرجان بتجربتين مختلفتين تمامًا.
في النهاية، ما تكشفه هذه الظاهرة هو أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يتم التقاطه من خلال عدسته الإدراكية في تلك اللحظة. وهذه العدسة قابلة للتضييق أو الاتساع بحسب الحالة الذهنية، والهدف، والضغط، والسياق. وكلما ضاق هذا الانتباه، زادت احتمالية فقدان تفاصيل مهمة، وكلما اتسع، زادت القدرة على رؤية الصورة بشكل أكثر شمولًا، دون أن يعني ذلك رؤية كل شيء في الوقت نفسه.
بهذا المعنى، يصبح الإدراك البشري عملية اختيار مستمرة، أكثر من كونه عملية استقبال كاملة للواقع، وهو ما يجعل فهم “كيف نرى” لا يقل أهمية عن “ماذا نرى.
***
الكاتب نبيل عيدو







