قضايا
علي الخطيب: دقيقة تصنع عامًا.. كيف يخدعنا الزمن ونحن نضحك؟
لا أهدف من خلال هذا المقال إلى الحديث عن الزمن كما نقيسه بالساعات والأيام، بل عن الزمن كما نعيشه ونشعر به في تفاصيل حياتنا اليومية. فألاحظ أن الفارق بين دقيقة وأخرى قد يكون ضئيلًا في الحساب، لكنه في الإحساس قد يتسع أو يضيق تبعًا لتجربتنا الذاتية. ومن هنا تبدأ الإشكالية التي تشغلني: لماذا نشعر أحيانًا أن عامًا كاملًا قد مرّ في لحظة، بينما تبدو لحظات أخرى طويلة وممتدة؟ إن هذا السؤال، من وجهة نظري، لا يتصل بالزمن في ذاته بقدر ما يرتبط بدرجة وعينا به وحضورنا داخله.
ومن أجل الاقتراب من هذه الإشكالية، أجدني أعود إلى تجربة بسيطة عشناها جميعًا في الطفولة؛ تجربة تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها في العمق كاشفة. بين دقيقة قبل… ودقيقة بعد، يمكن أن نفهم كثيرًا مما نشعر به مع بداية كل عام جديد. فحين كنا صغارًا، كان بعض الكبار يمازحوننا بقولهم: إحنا أكلنا برتقالة أو سافرنا في عامين كاملين. كنا نضحك من العبارة، لكننا لم نكن نفهم معناها فورًا، ونسأل ببراءة: كيف يمكن لشيء بسيط أن يحدث في عامين كاملين؟ عندها يأتي التفسير من أحد الكبار في الجلسة، واضحًا وبلا تعقيد: بدأنا قبل الساعة الثانية عشرة بدقيقة، وانتهينا بعدها بدقيقة أو دقيقتين. عندئذٍ نفهم المزحة ونواصل الضحك، من دون أن ننتبه إلى أن هذه الجملة العابرة تخفي داخلها تصورًا كاملًا عن علاقتنا بالزمن، وكيف يمكن للحظة قصيرة أن تُحسب عمرًا كاملًا.
ومع مرور السنوات، يتغيّر موضعنا من هذه الحكاية، ويتغيّر معه فهمنا لها. فنكتشف تدريجيًا أن تلك العبارة لم تكن مجرد طرفة عابرة، بل كانت مدخلًا بسيطًا لفهم شعور إنساني يتكرر معنا عامًا بعد عام. فاليوم، ونحن في أيامنا الأولى من عامٍ ميلاديٍّ جديد، نردّد المعنى نفسه ولكن بصيغة أخرى، ونقول بدهشة صادقة: ياااه… حالًا عدّت سنة وكأنها بدأت إمبارح. ونكتشف أن هذا الإحساس لا يظهر لأن الزمن قد تغيّر أو تسارع، بل لأننا مررنا خلاله دون أن نتوقف عنده أو نلتفت إليه بالقدر الكافي.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين الزمن كما يُقاس والزمن كما يُعاش. فالعام، في حقيقته، ليس أكثر من رقم يتغير في التقويم، أما ثقله أو خفّته فيتحددان بالطريقة التي نعيشه بها. ودقيقة قبل منتصف الليل لا تختلف فعليًا عن دقيقة بعدها، ومع ذلك نشعر أن بينهما مسافة كبيرة، فقط لأن اسم السنة تغيّر. فالزمن نفسه لم يتوقف ولم يقفز، لكنه في وعينا انقسم إلى قبل وبعد؛ فانخلع هذا الانقسام على شعورنا، وخُيّل إلينا أننا دخلنا مرحلة جديدة، رغم أن تفاصيل حياتنا اليومية بقيت، في كثير من الأحيان، على حالها.
وإذا ابتعدنا قليلًا عن فكرة تشابه الأيام، يمكن أن نلاحظ أن علاقتنا بالزمن لا تتشكل فقط بما نعيشه، بل أيضًا بما نتوقعه. فمع كل عام جديد، نحمّل الزمن وعودًا أكثر مما يحتمل: بداية مختلفة، نسخة أفضل من أنفسنا، أو فرصة مؤجلة لم تتحقق بعد. غير أن الأيام تمضي، لا لأننا نعيشها، بل لأننا نؤجلها. وحين ينقضي العام، لا نشعر أنه مرّ سريعًا بسبب تشابهه فحسب، بل لأننا عشنا جزءًا كبيرًا منه في المستقبل، لا في الحاضر. ومن هنا يتكوّن ذلك الإحساس المربك بأن الزمن انزلق من بين أيدينا، لا لأنه كان قصيرًا، بل لأننا لم نكن حاضرين فيه بما يكفي.
ويزداد هذا الفهم وضوحًا حين نلاحظ أن هذه المفارقة الزمنية لم تتوقف عند جيل واحد، بل تتكرر بالطريقة نفسها عبر الأجيال. فما كان الكبار يقولونه لنا ونحن صغار، نسمعه اليوم يتردد على ألسنة أبنائنا، وكأن الإحساس بالزمن يُورَّث قبل أن يُتعلَّم. فابنتي، مثلًا، كانت تراجع دروسها مع معلمتها مرتين في الأسبوع: المرة الأولى يوم الاثنين 29 ديسمبر 2025، والمرة الثانية يوم الخميس 1 يناير 2026. والفاصل بين المرتين لا يتجاوز أيامًا قليلة، ومع ذلك قالت بدهشة طفولية صادقة: ياااه يا مس… معقول بقالنا سنة كاملة ما شفناكيش؟ عندها ابتسمت المعلمة، لأنها أدركت أن الطفلة لا تقيس الزمن بعدد الأيام، بل بالإحساس الذي يصنعه الاسم الجديد للسنة، وبالحدّ الرمزي الذي يرسمه التقويم في وعينا، لا في الواقع.
وفي هذه اللحظة تتبدل الأدوار بوضوح، ويتأكد لي أن الإشكالية أعمق مما نتصور. فالطفل يرى أيامًا قليلة كأنها عام كامل، بينما يرى الكبير عامًا كاملًا كأنه مرّ في لحظة. والزمن نفسه لا يتغير، لكن شعورنا به يتبدل مع العمر، ومع درجة حضورنا فيما نعيشه. ومن هنا أصل إلى قناعة رئيسة مفادها أن المشكلة ليست في الوقت نفسه، بل في وعينا به؛ فالزمن لا يفقد قيمته حين يمرّ، بل حين نمرّ نحن به دون حضور.
وبهذا المعنى، تذكّرنا قصة البرتقالة التي قيل إنها أُكلت في عامين بالفكرة نفسها في أبسط صورها؛ فالأرقام لا تحمل دلالتها في ذاتها بقدر ما يصنعها الإحساس. فقد تمرّ دقائق قليلة فنشعر بثقلها وطولها، بينما يمرّ عام كامل سريعًا بلا أثر يُذكر إذا عشنا أيامه دون انتباه. ومن هنا، أرى أن بداية العام الميلادي لا ينبغي أن تكون مناسبة للوعود الكبيرة أو الخطط المثقلة، بقدر ما تكون فرصة هادئة لإعادة النظر في علاقتنا بأيامنا وكيف نعيشها.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، أقترح خطوات بسيطة من حياتنا اليومية، تساعد القارئ على التوقّف قليلًا وسط يومه، ورؤية وقته كما يُعاش فعلًا، لا كما تُسجّله الأرقام. ولعل أول هذه الخطوات هو كسر تشابه الأيام بتفاصيل صغيرة؛ كتغيير طريق الذهاب إلى العمل مرة في الأسبوع، أو الجلوس في مكان مختلف، أو تخصيص نصف ساعة للمشي دون هاتف. فهذه التفاصيل البسيطة تترك أثرًا واضحًا في الذاكرة، وتمنح الأيام تميّزًا يجعلها أقل تشابهًا.
وتتبع ذلك خطوة أخرى لا تقل أهمية، وهي منح الوقت العادي قدرًا من الاهتمام. فبدل أن يمرّ اليوم كله بين العمل والمواصلات والعودة، يمكن اختيار لحظة واحدة نتوقف فيها عن العجلة والانشغال؛ كفنجان شاي في هدوء مع النفس، أو حديث صادق مع صديق مقرّب، أو الجلوس لدقائق من دون هاتف أو أي جهاز رقمي. قد لا تغيّر هذه اللحظات اليوم كله، لكنها تمنحه معنى، وتذكّرنا بأن الزمن لا يُقاس بطوله، بل بما نعيشه فيه. أما الخطوة الأهم، من وجهة نظري، فهي ألا نؤجل الإحساس بالحياة إلى المناسبات الكبيرة. فكثيرًا ما ننتظر الإجازات أو الأحداث الخاصة لنشعر بأننا نعيش، بينما الحقيقة أن الأيام العادية هي التي تصنع العام. وحين نعامل هذه الأيام باهتمام أكبر، لن نفاجأ لاحقًا بأن السنة مرّت بلا أثر.
ولهذا، أرى أن دقيقة واحدة من الانتباه كل يوم قد تجعلنا، بعد عام كامل، لا نقول بدهشة: إزاي السنة عدّت؟، بل نقول بهدوء ورضا: "السنة كانت حاضرة، وأنا كنت حاضرًا فيها". وحين أسمع اليوم تلك الجملة القديمة: إحنا أكلنا برتقالة أو سافرنا في عامين، أبتسم من جديد؛ لأنني أدرك أن المسألة لم تكن يومًا في العامين ولا في البرتقالة، بل في تلك الدقيقة الصغيرة التي انتبهنا فيها لما نعيشه… دقيقة قبل، ودقيقة بعد.
***
أ. د. علي الخطيب






